Image Credit: Nicolas Economou/Getty Images

ربّما ما زلتُ خائفًا، أو على الأقلّ لستُ جاهزًا لأرفسَ النظام وأنقلبَ عليه، بهروب، كأضعف الإيمان. هذا أول ما فكّرت فيه بعد التحدّث إلى محمّد، وهو ناجٍ من الهجرة عبر البحر إلى إيطاليا، خلال العمل على تحقيق عن الموضوع. ما يجمعني بمحمّد، هو الجيل ذاته واسم عائلةٍ وقريةٍ فقط، أما علاقتنا بـ”النظام”، وإن ظننتها متشابهة، فهي مختلفة تمامًا.

كتبتُ مرارًا: سآخذ من “النظام” وأعمل ضدّه. ولكن رأيتني أُعطي النظام وأطيعُه، وأتخيّل، فقط، أنّني أعمل ضدّه. لستُ ضحيّة، ولست، كمحمد، ناجيًا.

نجا محمّد في المرّة الأولى من انفجار مرفأ بيروت في العام 2020، وكان ضحيّته. فدخل العناية الفائقة لخمسة أيام جرّاء تنشّق الغازات المنبعثة منه، حيث بدأ يكتشف مرضًا لن يُشفى منه، بل سيضطر إلى تلقي علاج له يستمرّ مدى الحياة. كان يعمل محمّد حينها موظّف توصيل (ديلفيري) في إحدى الشركات التي تمتصّ دم العامل وحقّه، وتقتطع من أجر محمّد برغم إصابته في الانفجار.

أفكّر أني كنت محظوظًا وذا امتياز حين قرّرتُ مرارًا أن أستقيل من أماكن عمل لم تقدّر عملي، على العكس من حالة محمّد. ربّما هذا الهروب الوحيد من النظام، قبل أن أقع مجددًا في دوامة عمل أخرى، لأؤمّن معيشتي في ظل النظام نفسه، وبكلّ أشكاله.

في جسد محمّد جرثومة تسبّب له التهاباتٍ في الدمّ وتقرّحات في المعدة والمصران، تزداد تكلفة علاجها كثيرًا في لبنان، فقرّر أن يهرب منه ليضمن أن القضاء على تلك الجرثومة أكيد، لا ممكن فقط؛ وإن كان على قارب يطلقون عليه لقب “الموت”.

هل أريد تلك الجرثومة حتّى أجد سبيلًا للهروب من هنا، دون خوف من معوقات مادية أساسية، ومن أن أكون خارج النظام، حرفيّا؟ هكذا أتساءل الآن.

عبثًا، حاولتُ أن ألتمسَ أيّ مشاعر خوف أو تردّد لدى محمّد، وهو في رحلة استمرّت تسعة أيّام في البحر الأبيض المتوسّط. “لم أكن خائفًا. من يريد أن يغامر هكذا، ليس عليه أن يفكّر بالغرق أو الموت…إيمانه بالله سيوصله”، هذا كان جوابه.

في رحلة الأيّام التسعة البحريّة، كانوا أكثر من مئة شخص خارج الحدود والقوانين والأنظمة كلّها

جدّدت سؤالي بعد دقائق، علّني أجد جوابًا يبرّر خوفي عن أي محاولة هروب خارج النظام، أو عدم اقتناعي بفكرة الإيمان. فردّ بجواب أسكتني: كأنّك طالع رحلة (ترفيهيّة). أوليس ترفيها الخروج من هنا؟

أضاف: عندما أشعر بالقلق، كنت أنام. وكأنّها كانت رحلة سهلة، رحلة الخروج من النظام وعنه. وبرغم وصوله متعبًا إلى إحدى الموانىء في إيطاليا ودخوله المستشفى وتقديم الرعاية له، إلا أنّه استفاق ناجيًا (قبل أن يصبح لاجئًا) يبصق على لبنان الذي لن يعود إليه، على حدّ قوله. ربّما الفرق أنّي أريد العودة إن ذهبت، هكذا أواسي نفسي.

خرج محمّد بطريقة غير نظاميّة، ووصل إلى إيطاليا خارجًا على النظام، وربّما سيدخل ألمانيا بالطريقة نفسها. وأنا أتخبّط مع نفسي لأجد طريقة هرب يقبلني فيها النظام بجامعاته أو مؤسّسات عمله. وهل هذا هربٌ، حقّا؟!

في رحلة الأيّام التسعة البحريّة، كانوا أكثر من مئة شخص خارج الحدود والقوانين والأنظمة كلّها. من بينهم أطفال حديثو الولادة، يعبرون البحار من بلاد قذفتهم وأهلهم، مثلما قذفت محمّد. مئة شخص نجوا من غرق لاقى زملاء لهم، اعترضهم النظام قبل نجاتهم. أما محمد، فنجا مرّتين: مرّة من بلد غير قادر على احتواء جرثومة تعيش في جسده، ومرّة بعدما أشيع أنه مفقودٌ في حادثة غرق المركب.

كان مفقودًا بالنسبة لنا، وهو يلعبُ الورق (ورق الشدّة) مع رفاق البحر.

كأنّ قصّة محمّد تركتني أمام استنتاج أمام ثلاث حالات: إمّا أن نحيا داخل النظام (أمواتًا)، أو أن نهربَ منه مفقودين وغرقى، أو أن نصلَ، بقلقٍ وخوفٍ مغيّبين، ناجين خارج النظام.

يخبرني محمّد عن رحلته وكأنّها فعلًا رحلة ترفيهيّة: “نستيقظ، نتناول الفطور، ونحضّر للغداء سوّيّة، كأنّنا نساعد بعضنا، ثمّ ننظّف مكاننا، ونقعد تحت أشعّة الشمس على ظهر المركب”، وكأنّه لم يترك وراءه أزمة ماليّة دفعته لاختيار هذه الرحلة مع عشرات أو ربّما مئات غيره، لا أدري.

لم يجد محمّد في اللجوء الذي سيوصف به بعد الخروج عبر البحر، سوى نجاة، سوى حياة جديدة، وضمانة لعلاج مدى الحياة الجديدة هذه. ولكن سأكتفي، من قصّة محمّد، بالأشهر الثمانية التي قضاها يفكّر ويخطّط مليًّا ليخرج من البلد، كخارج عن نظامه الخاصّ والعالميّ، وبرحلته البحريّة.

ليت الهروب من النظام لا يكلّف إلّا بضعة أشهر للتفكير، وبعض المال، وتسعة أيّام لرحلة ترفيهيّة في البحر.

 
×