إلى كاترينا ورامون

 

نتر

دخل شابٌّ وسيمٌ الغرفة، سألني إن كنت أتكلّم الإنكليزية، أخبرته بأني لا أستطيع التحكم بردّ فعل جسدي حين يبدأ الانقباض، قد أتلوّى من الألم وأفسد الأمر.

قال لي بثقةٍ وبإنكليزيةٍ رائعة بلا لكنة: هذا عملي يا سيدتي؛ أن أعلّمكِ كيف تقومين بذلك.

صوته الواثق جعلني مطمئنّةً أنّي وأخيرًا صرتُ بين أيدٍ أمينة. أحنيتُ ظهري وبدأتُ أصغي لتعليماته.

بعد ذلك بقليل دخلت قابلة شابّة، وأيضًا – يا للغرابة – تتكلّم الإنكليزية، سألتني عن حالي بعد أخذ حقنة مخدر الألم، قلت لها: “الإيبيدورال” هو ملاكي الحارس.

شعرت أنّ مهمة تلك القابلة كانت دعمي نفسيًّا، وإفشاء ما يجري داخل غرفة الأطباء من مناقشاتٍ حول وضعي. تقول لي مثلًا: لدينا الخطة A أو B  أو C، وفي أي واحدةٍ نحن الآن، وما هي الخطوات التي سأمرّ بها تباعًا إلى حين تقرّر ابنتي أن تخرج إلى العالم. قلت لها ألاّ تقلق، فقد حرصتُ على أن يحتوي مخزون كلماتي الإسبانية فعل: “Empuja” ويعني: ادفعي.

خطف

أبي يناديني كي أشاركه الفقرة الأخيرة المفضلة لديّ من برنامج الرياضة الأسبوعيّ الّذي تعرضه القناة الأولى من بين قناتين كان يسمح تلفاز بيتنا بمشاهدتهما؛ وهي فقرة خاصة بما كنا نسميه في تلك الأيام “الباليه المائي” وتُعرض باعتبارها فقرة ترفيه بعد الألعاب الجادة، أو هذا ما تبادر إلى ذهن الطفلة التي كنتها، الطفلة التي تسحرها رشاقة الفتيات وتصميم الرقصات والإيقاع والملابس البرّاقة وهي تظهر وتحتجب بشكل بديع داخل الماء. بالطبع راودت أحلامي فكرة أن أصير واحدةً منهنّ، إلى اليوم أكشط شعري على شكل كعكةٍ تتربّع في قمّة الرأس وتعبُر هذه الفكرة بالي لثوانٍ أمام المرآة، ثمّ تغوص وتتلاشى في عمقها، شأنها شأن كثيرٍ من أحلام الطفولة والشباب.

نتر

قبل بدء “أولمبياد طوكيو 2020″، أثيرت في الصحافة الإسبانية مشكلة تعرّضت لها السبّاحة أونا كاربونيل، كابتن فريق السباحة الإيقاعيّة، وهي منعها من اصطحاب طفلها إلى الأولمبياد برغم أن السبّاحة ما زالت في مرحلة الرضاعة الطبيعية، وتؤيدها بشدة، وهي نالت تعاطفًا واسعًا.

بعد انطلاق الأولمبياد، ظهرت وحيدةً في غرفتها في طوكيو، معها قطعة “كاب كيك” وشمعة صغيرة ودمية “يونيكورن” مرمية على السرير، احتفالًا بعيد الميلاد الأول لابنها الذي ينتظرها في إسبانيا.

ابنتي أكملت عامها الأول الشهر الماضي. اخترت لها قالب الحلوى والبوالين على شكل “يونيكورن”، وهي أكبر من ابن السبّاحة بخمسة عشر يومًا تقريبًا. أنا أيضًا ما زلت في مرحلة الرضاعة الطبيعية، لكن لم أفكر سابقًا في أخذ موقفٍ صارمٍ من الموضوع. وتركت أحلامي تغوص في عمق المرايا.

قبل أيام ظهر لي واحد من منشورات “منظمة الصحة العالمية” بمناسبة الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية، وكان يتحدث عن فوائد حليب الأم للطفل بعد بلوغه السنة. شعرتُ بأنهم خصّصوني وحدي بهذا المنشور، مثلما شعرتُ في كلّ زيارة إلى عيادة الأطفال وأنا أتأمل اللوحة الكبيرة المعلقة في غرفة الانتظار، التي تقول: “نحن نشجّع الرضاعة الطبيعية”.

خطف

دخلتُ بيتنا وحدي بعد سنتين من التهجير، كانت أرضيته مفروشةً بقطع الزجاج المكسّر والصور. قبل أن أتفقد ماذا بقي وماذا سُرق، حرصتُ على إنقاذ ذكريات العائلة. لا أعلم من نثر الصور بهذا الشكل، وإن كانت غايته أن يجد لنفسه ذاكرة ما. تأمّلت صورًا أُحبّها بالأبيض والأسود لوالدي وهو في السابعة عشرة من عمره في إحدى البطولات التي شارك فيها حين كان ربّاعًا.

البارحة سألته إن شاهد الأولمبياد وكيف فاز ربّاعٌ سوريّ أخيرًا بميدالية برونزية. أخبرني بألاّ كهرباء في المدينة كي يتابع. وحكى لي أن مشاركاته كانت محلية وفاز ببطولة المدينة. شرح لي أن تقنيات اللعبة في تلك الأيام كانت تشمل أيضًا تقنية الضغط، إضافة إلى تقنيتي الخطف والنتر، وأنه حقق مرّةً نتيجة رفع فيها أثقالًا تزن أكثر بخمسة عشر كيلوغرامٍ من المطلوب منه كي يتأهّل للمشاركة في مبارياتٍ ودّية في الإسكندرية، لكن حالت حرب عام 67 دون سفره، ثم ترك اللعبة.

نتر

منذ تسجيلي في النظام الصحي، أصبحت لدي مواعيد دورية مع “المترون (matron)” وهو بالإسبانية مذكّر كلمة “matrona” التي تعني القابلة، أو بالإنكليزية “midwife”. ليس الأمر غريبًا لغويًا فقط، فحتى هنا من النادر أن يقوم رجلٌ بهذه المهنة، لكن الحظّ شاء أن يتابع هو حملي، وقد نال رامون المترون (الآن انتبهت إلى القافية) ثقتي كاملةً، من دون أن يمتلك في مخزونه كلمة إنكليزية واحدة.

أحبّ المصطلح المستخدم في الإسبانية لفعل الإنجاب:” Dar a luz” أما معناه الحرفي فهو “إعطاء الضّوء”

قرأت مقالة على موقع BBC بعنوان “The making of a male midwife” يحكي عن الصعوبات التي واجهت الذكور تاريخيًّا في بريطانيا من أجل امتهان القبالة، وكم أن نسبتهم في هذه المهنة قليلة إلى يومنا هذا، وكيف أن بعض الأمهات رفضن أن يعتني بهنّ قابلات ذكور (الارتباك اللغوي مجدّدًا)، يُذكَر في المقالة أن القيود الجنسانية في المهنة ألغيت عام 1983، وهي للمفارقة سنة ميلادي.

شهد أولمبياد هذا العام في طوكيو مشاركة أول رياضية عابرة جنسيًا في مسابقة رفع الأثقال، وأثار الموضوع انتقاداتٍ كبيرة. رغم أنها حالة مختلفة إلى حدّ كبير، فقد ذكرتني بما يتعرض له “القابلة” الذكر.

خطف

بسبب تعقيدات الحياة التي خلّفها الوباء، لم أحظَ كما باقي النساء اللواتي شاهدتهن في الأفلام بحضور دورات التحضير للولادة، وتعليم تقنيات الرضاعة وتغذية الطفل، وجلسات الدعم النفسي، والانتساب إلى مجموعات الأمهات. لم أحظ حتى بما كانت تعيشه النساء اللواتي أعرفهن في الواقع من العناية العائلية بأمور الديارة وكل ما يخصّ الطفل، ولا حتى بصديقة واحدة ترافقني المشي في الشهر الأخير من الحمل. لم يتحسّس أحد أفراد عائلتي بطني ليشعر بركلات الجنين ويغمره الحبّ. كنت وحدي ومعي شاشة في داخلها فيديوهات تعليمية بلغةٍ لم أتقنها بعد. القابلات في تلك التسجيلات وفي صفحات “السوشال ميديا” كنّ قاسيات، ويردننا أن نتألّم لأن ذلك هو الشيء الطبيعي الذي قامت به أمهاتنا وأمهاتهن: الولادة مع الألم. أمّا رامون فكان رحيمًا، ونصيحته الذهبية الدائمة: “اتبعي حدسك، فهو دائماً على حقّ”.

ضغط

لأن “كل غريب للغريب نسيب”، وبصدفةٍ قدريّة رافقتني صديقة تشيكية إلى المستشفى كي تشدّ من أزري كلّما ضربني الألم في ظهري لينتشر في كلّ جسدي. تجلب لي الطعام، تحسب لي الدقائق بين الطلقات، تتكلم مع القابلة المتجهّمة، وترجوها أن تفحصني لنرى إن اتسع الرحم، تراسل زوجي بينما أنام قليلًا بعدما أخذ التخدير مفعوله، ثم تمسك بيدي وقت الولادة، بينما يحاول الأطباء والممرضون إخراج الطفلة سليمة من رحمي. كانت كاترينا أوّل وجهٍ تراه ابنتي. وعلى شاشة هاتفها رأيت صورة زوجي في مطار مدريد، كانت طائرته تهبط في الوقت الذي ترى فيه ابنتنا النور، وكأنّ صعوبة مخاضي كان سببها أني أتألّم من أجل وصولهما معًا.

أحبّ المصطلح المستخدم في الإسبانية لفعل الإنجاب:” Dar a luz” أما معناه الحرفي فهو “إعطاء الضّوء”.

خطف

كنّا داخل أحد مكاتب السّجل المدني لاستخراج شهادة ميلاد ودفتر عائلة، وبينما كانت الموظفة تدخل البيانات بدأت ابنتي بالبكاء. استأذنت الموظفة كي أقوم بإرضاعها، وبالطبع رحّبت بذلك، ثم كان علينا الانتقال إلى مكتب آخر، وابنتي لم تترك صدري بعد. تنقلت بين أروقة السّجل المدني وأنا أرضعها، تكلّمت مع باقي الموظفين وأنهيت الإجراءات واستلمت الوثائق وخرجت من المبنى، وهي ما تزال على صدري. ثمّ صار مثل هذا الفعل طبيعيًا في يومياتي أينما كنّا: تجوع ابنتي؟ أرضعها في الحال. تغضب ابنتي؟ أرضعها في الحال. تنعس؟ أرضعها في الحال. تعطش؟ أرضعها في الحال. تريد أن تتسلى؟ أصير لهّايتها في الحال. فكرت: لو كنت في سوريا كيف كان ليجري هذا الأمر؟ وكيف كانت لتُحَلّ تعقيدات ولادتي؟

نتر

لكلّ أمّ ظروف داخلية وخارجية تخصّها وحدها، والقرار الذي تأخذه سواء حول طريقة الولادة أو الرضاعة هو قرار يخصّها وحدها، الغريب هو أن تكون خياراتها موضوعًا للنّقاش من قبل الآخرين.

هناك سخرية مبطّنة من أن كلّ الأمهات يعتقدن أن تجربتهن فريدة، لكن هذا أمرٌ حقيقيّ: لكلّ أمّ تجربتها الفريدة، وكلّ مولود هو اكتشاف جديد في الحياة، وليس نسخة جديدة.

فلترو ِ كلّ امرأة في هذا العالم تجربتها الخاصة، لأن كلّ تجربة تستحقّ أن تروى. وها أنا الآن واحدةٌ منهنّ تحكي تجربتها.

يُظهر الملصق البديع لفيلم ألمودوبار الجديد ” madres paralelas” تصميمًا بسيطًا، ولكنه قوي بصريًا، وهو عبارة عن حلمةٍ تقطر منها نقطة حليب، وكأنها دمعة. أثار موضوع حذف “إنستغرام” للملصق، وثمّ إعادته، ضجةً كبيرة. وضعت إحدى الصفحات الإسبانية المتخصصة بالرضاعة الطبيعية صورة الملصق إلى جانب صورة حقيقية لعملية ضخّ الحليب من حلمة امرأة، مطالبةً بالعدالة، لأن “إنستغرام” سبق أن حذف هذه الصورة وغيرها، من دون الاكتراث بإعادتها.

يقول ألمودوبار عن فيلمه إنه سيكون “دون كيخوته الأمومة”. فعلًا، لو كان هناك أولمبيادٌ للأمومة، لكنّا كلنا دون كيخوته.

سانشو يا صديقي، أنا خائفة من الفطام.

المزيد من هذا المؤلف

حزنٌ شخصيّ

تذكرة العودة

 
×