“عم تقوّص يا ابن الكلب؟”

كان المقاتل الشاب ينتظر رصاص العدوّ من الشرق، ولم يتوقع مشّاية أمّه من الغرب. التفتَ ليجدَ العجوز وجاراتها في منطقة الشياح يحملن “شحاطاتهنّ” ليقصفن بها متاريس أبنائهنّ العازمين على التقدم صوب شارع البريد في منطقة عين الرمانة المحاذية. وإذا كانت طلقات اليمين يمكن الردّ عليها بالطلقة، وإذا كانت القذيفة تحاورها القذيفة، فإن “شحاطة” الأم يجبن عن ردها لينين نفسُه، وغضبها يُسْكِتُ أكثر دعاة اليسار كلاماً ويُسْقِطُ جبهته.

ضحك الشباب من جهل أمهاتهم بما وعدهم به قادة الأمميّة عن اليسار، وقادة الهويّة عن اليمين. ولم ينجُ منهم كثيرون في نهاية المعركة، كي يعتذروا من الحافيات الغاضبات عن الحريق الكبير الذي بدأ كما تبدأ كل الحرائق، بعلبة كبريت يلهو بها مراهقون في خزانة ثياب أهلهم، والتهم، في ما التهم، أحياء شعبيةً وشعوباً تبحث عن حياة وشعاراتٍ وراياتٍ وأحزابٍ وجبهاتٍ دخلت الحرب بمشروعين أو أكثر وخرجت من الحرب بلا مشروع.

***

متى بدأت الحرب الأهلية اللبنانية؟ لا يملك أحدٌ جواباً صريحاً. هل طلعت علينا في ذلك اليوم المشؤوم من نيسان 1975 من شباك البوسطة المصلوبة على حيطان كنيسة سيدة الخلاص؟ هل قبل ذلك بشهر ونيف في شوارع صيدا المصبوغة بدم زعيم الصيادين؟ هل بدأت في نيسان سابقٍ عشية “عملية فردان” 1973 التي كشفت الفريق الاسرائيلي في الدولة والأمن والإعلام في لبنان؟ على حواجز الهوية في بروفة الحرب الأولى عام 1958؟ أم أنها كانت قبل كل ذلك جمراً تحت رماد الموروث من حروب القرن التاسع عشر في قرى الجبل؟

لا يملك أحدٌ جواباً صريحاً، لكننا متأكدون من حقيقة واحدة، وهي أن الحرب لم تنتهِ.

ولدتُ أنا في الفصل الأخير من تلك الجولة الحربية. ولدت على درج الحرب الأهلية. جاء طلقي كما الطلقة عند حاجزٍ من الحواجز الكثيرة. أخّرت هذه الحواجز ولادتي لأن مدقِّق المذهب أقسى من مدقِّق النصوص؛ تأخر حتى سمح للسيارة أن تعبر، فوضعتني حرب أبي وآباء الآخرين على درج المستشفى. كانت تلك الإهانة الأولى التي وجهّها لي وطني المفترض، ولم تكن طبعاً آخر الإهانات.

ولما كنتُ ولا زلت يتيمَ الدولة، متروكاً بلا كتاب تاريخٍ ولا هوية واضحة، أخذتُ بعد الحرب حصّتي من الميراث من شارعي المقاتل في كلِّ حرب: حين وسّعَت الحربُ الأهليةُ أعمالها، كانت بنايتنا من البنايات التي استحالت غربالاً لرصاص الآخرين وقذائفهم، حملت كدمات ظلت حتى قرر الأهلون ترميمها قبل حوالي خمس عشرة سنة، فسُدّت ثقوب الرصاص ومُسحت بصمات القذائف عن بيوتنا. في ثقوب الرصاص تلك، كان يمكنك أن تجد أنواعاً مختلفةً من الطيور. بنت تلك الطيور أعشاشاً لها ونجحت في أن تخرج من الحرب بدرسٍ واحدٍ ونصرٍ صغير، فيما لم نأخذ نحن سوى الخسارات. لذلك، ربما تسرعنا نحن اللبنانيين في سدّ تلك الثقوب، غيظاً وغيرةً… كان مشهداً مهيباً سال دمٌ كثير كي نعيش نحن رومانسية وصفِه اليوم.

كنتُ ولا زلتُ إذاً يتيم الدولة. كان شارعنا القديم على كتف الشياح وما زال، دولتي التي تحدّها من الشرق شوارعُ شعبيةٌ تشبهنا ولا تحبّنا، لأننا خصوم أمسٍ مضى وغدٍ قد يأتي يوماً ما، ومن الغرب تحدّها عاصمةٌ مرفّهة لا تشبهنا ولا نحبّها؛ هذه العاصمة التي يختال المؤرشفون بصورٍ قديمة لها ويتحسرون عليها، ويفوتهم أن المصوّر كان ينتقي أفخر الأمكنة لصوره وقلّما دخل أحزمة بؤسها، ويبكون على صور العتالين وماسحي الأحذية بالأبيض والأسود، ويفوتهم أنَّ ضلوعاً تكسرت وأصابع تهشّمت كي يستمتع المصوِّر ويمتّع سواح الذاكرة اليوم، بهذه الصور: مدينةٌ كانت، ولا تزال ظالمة.

أنا الابن الشرعي لحربٍ ذهب إليها جيلٌ كاملٌ ولم يعد منها، لحربٍ أعطت وعوداً كثيرة لم تفِ بها

“…يا بيروت مش ندمان عليكِ ولا نتفة، مش فارقة معي ولا نتفة، ليش بدي إندم عليكِ؟ ما كان إلي فيكي شي… أنا كنت إجي اشتغل فيكي لأن بضيعتي ما كان إلي شغل، أنا كنت إجي من بعيد من ضيعتي عليكي لإنهان، كنت إجي بيع حقي وكرامتي بسوقك يا بيروت. طب ليش بدي حبك؟ بتهينيني وبدي حبك؟ أنا بدي حبّك؟ أنا بدي إندم عليكي؟ يا حرام! مجنونة إنتي… أنا بس بلشوا يكسروا فيكي كنت أول واحد عم كسّر، أنا ساعدت ع تهبيطك قد ما فيي، إيه، إذا مش عارفة اعرفي…” (جان شمعون، بعدنا طيبين قول الله 1976)

كان شارعي دولتي. كانت عاصمتها ذاكرة أبي. عرفتُ الزراعة من الشظية التي زرعها مدفع الفاشيين في فخده، وعرفت الصناعة من الرعب الذي صنعته القذيفة التي دخلت على أمي وهي تُحيك كنزة. لم تنفجر القذيفة، لكن أمي الصبية انفجرت بكاءً لساعاتٍ في كنبتها قبل أن يفككوا القنبلة، وبكت لسنواتٍ، بعدما فكّكوها، على عمرٍ ضاع بين طوابير الماء والخبز والنجاة من الرصاص.

***

تقول أمي إنّه، في الأيام الأولى من الحرب الأهلية، كان الناس العاديون يتساءلون إذا كانت الاشتباكات ستستمر لأكثر من أسبوع. وفي الشهر الخامس من الفلتان الأمني، كتبت الصحف تهاجم وتشتكي كيف أن السياسيّين لم يفلحوا حتى الآن بحلّ الأزمة. أما في السنة السادسة ربما، فظهر المسلسل الشهير أربع مجانين وبَسّْ الذي كان يسخر من أن الحرب هذه المرة “طوّلت عنجد”. وتنهي أمّي الحديث: وهكذا، ماتت سبع عشرة سنة من شبابنا في الحرب، من دون أن ننتبه لاسمها وعمرها، وبانتظار نهايتها.

كان الناس يختلفون في جولات القتال تلك على تسمية الأشياء والمعارك، ومن الذي يقتل من. سموها مسايرةً للعلم الوطني “أحداثاً” حتى فترةٍ قريبة، تلك الحرب التي قال فيها الشاعر إدوار حرب:

“ليش إنتْ قادر إن عرفت تقول

شو صار وشو ما صار وشو المعقول

القاتل عرفتو اتركو مجهول

واكتفي بالقبض ع المقتول”

ومذّاك، صارت سياسة القبض على المقتول “أريح راس”. تدين البرامج الوثائقية منذ الهدنة الأخيرة كل المقاتلين، وتمسح دموع تماسيح الحرب، هؤلاء الذين كان يحرسهم جيل أبي وهم يفرشون طاولات البوكر بمال أسيادهم ليلاً في أفخم الفنادق، وكان يقاتل عنهم جيل أبي وهم يفرشون طاولات البوكر بدماء الناس نهاراً في أفقر الشوارع.

***

أنا الابن الشرعي لحرب غير شرعية، حملتُ حقداً على الجميع باسم الشيّاح التي حمّلوها وزر الخطية ورجموها كما رجمت المجدلية من قومٍ كلهم خطايا. أحمل غضب المقاتلين الناجين الذين تنكرت لهم أحزابهم لأنهم لم يموتوا، وبقوا شاهدين على خيانات قادتِها لما ناموا كل ليلة في معسكر الأعداء. وأحمل غضب المقاتلين القتلى الذين تاجرت بهم أحزابهم لأنهم ماتوا، ولم يعودوا قادرين على الدفاع عن موقفهم لمّا ألبسوهم كذب الذكرى السنوية وعادات اللبنانيين السيئة في “المسايرة”، في التذكّر والتندّم وتشويه القضايا.

أنا الابن الشرعي لحربٍ ذهب إليها جيلٌ كاملٌ ولم يعد منها، لحربٍ أعطت وعوداً كثيرة لم تفِ بها. كانت حرباً ضروريةً في بلاد قد يكون أهلها يحبّون الله، لكنهم بالطبع لا يحبون بعضهم بعضاً. كانت حرباً غير عادلةٍ لكنها نتيجةٌ عادلة لظلم البكوات والمصارف والطوائف الذي لم نتعلم منه شيئاً. مشيت منذ طفولتي بين ألغام النفاق الوطني في شوارعٍ لم تُشفَ بعد من جراحها. أخرج من زاروب العيش المشترك خائفاً من آخر هو وجهي في المرآة، لأدخل في زاروب النظام الاقتصادي الذي هو صورةٌ فوتوغرافية لبنية العمل السياسي قبل الحرب وبعدها. أمشي بين ألغامٍ كثيرة: هنا لغم السؤال عن الاسم الكامل الذي يخفي الهوية التي قتل عندها يوماً كثيرون، وهنا لغم السؤال عن الموقف السياسي الذي يحدد من أي القبائل أنت، وهنا لغم السؤال عن الدخل الشخصي الذي يقرر رقمك في طوابير العطاء والوظيفة وموقع سكنك في المدينة… أسئلة لم يجب عنها أحدٌ قبل الحرب ولا بعدها، وبقيت ألغاماً تنفجر في وجه المارّين في هذه البقعة من العالم.

أنا ابن الحرب التي أخذت استراحةً قبل ثلاثين عاماً ولم تنتهِ يوماً منذ قرنين، ويورثها أهلها من جيلٍ إلى جيل، ويوصون أبناءهم بعاداتها السيئة ويورثونهم جراحها. حربٌ كلما تجمّع عشرة لبنانيين في شارع من شوارع مدنها، بشّرونا بأنها انتهت من دون أن يعيّنوا الغالب ولا المغلوب، ولا القاتل ولا المقتول، وحين ينتبهون إلى اختلاف لهجاتهم وأسماء آبائهم ومعارفهم عن تاريخهم الذي لم يكن يوماً لهم ولم يشاركوا في كتابته، يسحبون خناجر هوياتهم… ثم يقتنعون أنهم، مثلي أيضاً، أبناء حربٍ لم تنتهِ بعد.

 

من ملف “لبنان: حربٌ لم تنته”

 
×