يعيشُ لبنان منذ أشهر أزمة نقص في الدواء، وتتسعُ هذه الأزمة مع الوقت ليزداد معها عدد الأدوية المفقودة في الصيدليات، لا سيما تلك المخصّصة للأمراض المزمنة، وهو ما بات يشكل مشكلة حقيقية تهدد حياة بعض المرضى، كأولئك الذين يعانون من أمراض قلبيّة، بسبب توقفهم عن تناول عدد من الأدوية المخصّصة لهم، التي لم يجدوا طريقة لتأمينها.

الأزمة هذه لا يُلقي لها الناس بالاً كما يجب على ما أعتقد، ربما لكثافة المصائب التي يعيشونها منذ أشهر عدة، بالإضافة إلى أنّها لا تلامس بشكل مباشر سوى المرضى منهم.

وفي محاولة مني لأستوعب، ولو لمرة، إحدى أزمات هذا البلد العصيّة على الفهم، جربتُ أن أفهم سبب أزمة الأدوية تلك، فتجوّلت بين تصريحات المسؤولين والمعنيين بالأمر وبعض الصحافيين، وتوصلتُ إلى استنتاجات عدّة، من قبيل تأخّر موافقة المصرف المركزي على صرف الاعتمادات، ونقص الدولار، وتخزين المواطنين للأدوية (!) خوفاً من رفع الدعم عنها وبالتالي ارتفاع أسعارها، فضلاً عن التهريب الذي ينشط في الأونة الأخيرة. كل هذا على ذمّة الرواة.

ولضآلة وعيي الاقتصادي ـ أقصد اقتصاد هذا البلد لأنّه يشكل حالة استثنائية فريدة – ولنقصٍ في معرفتي بدهاليز السياسة اللبنانية، أدّت محاولتي هذه إلى جعل أسباب الأزمة أكثر غموضاً وتعقيداً في ذهني.

لم يكن اهتمامي هذا نابعٌ من رفاهية شخصية أو قلق من أزمة القطاع الصحي الذي يعاني كسائر القطاعات الأخرى، لكن بصراحة كان سبب ذلك أنّي من الفئة المتضررة بشكل مباشر، ولولا ذلك لربّما لم أنتبه إلى الأمر برمّته، ولتعاملتُ معه كما نتعامل في العادة مع الأزمات كافة، بتسليم واستسلام.

فمنذ أسبوعين تقريباً وأنا ألجأ إلى الصيدليات، محاولاً إيجاد أدويتي التي عليّ أن أتناولها يومياً مدى الحياة، والقيام بذلك هذه الأيام أشبه بالبحث عن جملٍ في الإسكيمو. عشرات الصيدليات دخلتُ إليها من دون أن أجد طلبي، كان الردّ واحداً دائماً: “ما في، مقطوع”. تواصلتُ مع أصدقاء في مناطق عدة، ومع صديقة صيدلانية، ولم يفلح الأمر. فصرتُ أفكر بالخطة البديلة، أي التوصية عليها من دول أخرى، من سوريا مثلاً. ألا يقولون إنّ بعضها يهرّب إلى هناك؟ من الجيد إذاً إعادة بعض العلب بطريقة نظامية.

الجدير بالذكر أن الأدوية هذه بدائل عن الأدوية الأصلية التي صارت مفقودة ولم يعد من سبيل للحصول عليها.

كنتُ أدخلُ إلى الصيدلية وأنا كلّي خجل، كأني أطلب شيئاً ممنوعاً، أو كمراهق يريد أن يشتري واقياً ذكرياً، أقترب من الصيدلي أو الصيدلانية بهدوء، وأهمسُ من خلف الكمامة: “ممكن لاقي من هدول”، محاولاً إظهار ابتسامة الرجاء من خلال عينيّ.

إثر نظرة خاطفة إلى وصفة العقاقير كان يأتي الرد سريعاً: “ما في، ما عاد أجى أدوية”.

أنسحبُ وأنا أشكرهم بحياء كما دخلت.

في المرات الأخيرة رحت أستبق المشهد وأبادر بقولي: “بعرف إنو ما في عندكم منن بس إنو بسأل، بلكي فيه”.

ـ “طبعا ما في”.

بينما أدفع ثمن الدواء، اختلستُ نظرةً إلى الخزانة الخشبية: كانت علب عدّة من العقاقير نفسها مستلقية داخلها كسبائك من ذهب

صار المشي واكتشاف صيدليات جديدة عادةً يومية. أعلم أنّي لن أجد طلبي، لكنّي كحال ضائعٍ في الصحراء، لا جدوى من توقفي. قررت أن أسير حتى أسقط. ورحت أفكر في الطريق بكبار السن من المرضى؛ أدوية الضغط، أدوية السكري أو القلب… هل يحصلون عليها؟ ما حالهم؟

ثم تحوّل المشوار اليومي إلى نوع من التسلية، فمرةً أتخيل في طريقي أنّي سأسطو على مستودع للأدوية لأوزعها على الفقراء والمرضى مجاناً، أتحوّل إلى روبن هود مختص بالأدوية، ومرةً قررت أن أستغلَّ الأمر وأحوّله إلى نوع من الرياضة، فرحتُ أمشي كما لو كُنت مهرولاً، ووجدتُ نفسي أغنّي بصوت عالٍ طوال الطريق؛ “أعطني أدويتي، أطلق يديَّ”.

في الدروب إلى الصيدليات أتذكر أنّي سمعتُ، أو قرأت على “فيسبوك”، أن إحداهن أصيبت بفايروس كورونا وأوصاها الطبيب بتناول قرص “بنادول” كل أربع أو ست ساعات، لكن حين ذهبتْ إلى الصيدلية، أخبرها الصيدلي أنه لا يستطيع أن يعطيها أكثر من علبة واحدة. تساءلتْ بطرافة حينها صاحبة الحادثة، أو هكذا تخيلتُ أنا، هل عليها أن تُشفى قبل أن تنتهي أقراص الباندول؟ هل سيستلقي جسدها المريض مراقباً سباقاً بين الفايروس والباندول؟

بعد أسبوع من جولاتي اليومية على الصيدليات، حدث أمرٌ جلل لم يكن في الحسبان. كنت قد خرجتُ من المنزل كالعادة باليأس ذاته، يأس المريض المتمسك بوصفة أدوية، لكنه يأسٌ يشعرك بالسلام الغامض ويدفعك للتفاؤل في الوقت عينه، وهذا من ميزات بلداننا. المهم أني، في ذلك اليوم، دخلتُ إحدى الصيدليات، وكالعادة باستحياء وشعور بالذنب، سلمت الوصفة للصيدلانية منتظراً الرد المعتاد.

لكن الصيدلانية هذه المرة تصرفت بشكل طبيعي وكأنّها من زمن سابق. توجهتْ دون تفكير إلى خزانة خشبية وجلبت الأدوية ببساطة ومنحتني إياها: تفضل.

ارتبكتُ للحظة، ولم أعرف ماذا أفعل، هل آخذها؟ أمسكتها بيدي وقلّبتها لأتأكد منها، ومن شدة لهفتي شعرتُ بأن ابتسامة كبيرة ارتسمت فوق الكمامة.

سألتُها بتردد: “فيني أخدن يعني”؟

ضحكتْ وقالت لي: “أكيد مسيو”.

رغبتُ لو احتضن مخلصتي تلك، ولولا الكورونا والخوف من سوء الفهم لفعلتُ ذلك، وبينما أدفع لها ثمن الدواء اختلستُ نظرةً إلى الخزانة الخشبية. كانت علب عدّة من العقاقير نفسها مستلقية داخلها كسبائك من ذهب. فكرتُ للحظة أن أطلب علبة أخرى، لكن ما تبقى في داخلي من ضمير همس لي: “أحد أسباب انقطاع الأدوية تخزين المواطنين لها، خذ حاجتك واترك الباقي لغيرك”. حاولتُ أن أسكته وأقنع نفسي بأن حاجتي لا متناهية، فالعلبة ستنتهي قريباً وسأحتاج إلى أخرى. حينها من المتوقع أن أعود إلى البحث مرة أخرى. تصارعت مع بقايا ضميري للحظات، ثم خرجت بعلبة واحدة من كل دواء.

أخذتُ الأدوية بسرعة إلى الخارج، وأنا أقفز وأردد بكلمات مثل:

.Oh my Gosh. Oh my God. Yes, yeees.

كنتُ أضحك فرحاً وأنا أقوم بذلك، كما لو أنّي نجحتُ بسرقة أحد البنوك. انتبهتُ في تلك اللحظة إلى أن تأثير الأفلام عليّ كان واضحاً في هذا المشهد، الأمر الذي زاد من ضحكي.

عدتُّ إلى البيت وتناولت كل حبّة دواء كما لو أنها أول سيجارة بعد صيام طويل، وأحسست بطمأنينة مصدرها فترة الراحة القادمة، الراحة المؤقتة، من البحث مجدداً عن الأدوية.

ومن حينها أضع الأدوية أمامي ولا تغيب عن ناظري. أراقبها كصديقة عزيزة بعد غياب. وفي الليل تستلقي بجانبي في السرير مثل أحذية الأعياد في طفولتنا. وأفكر قبل النوم بينما أتأملها، هل أمتنع عن تناول أدويتي بشكل يومي، وأوزعها على الأيام بشكل أقل، وبهذا أحافظ عليها لفترة أطول، أم أتناولها دفعةً واحدة؟

المزيد من هذا المؤلف

غروبُ بيروت

بحر وجبل

 
×