حمص / 1995
كنت في الصفّ الأول الابتدائيّ، حين شاهدت، للمرة الأولى، طائرات الـ”هيليكوبتر” تحوم على علوٍّ منخفض وتُلقي أشياءَ ملوّنةً في السماء. قال لي أبي “هدول مظليين”، وراح يشرح: يقفزون من الطائرة ويشدّون حبلاً إلى جانب الكتف، فتُفتَح المظلة التي تشكّل مصدّاً للهواء فتُبطئ سرعة نزولهم نحو الأرض، وبوساطة حبال الجوانب يتحكمون في توجيه المظلة حتى يُنفّذوا هبوطاً سليماً في ساحة الكلية الحربية.
يومها فقط، علمت أنّ هناك كلية حربية بجوار بيتنا، وعلمت أيضاً أنّ “الأشياء الملوّنة” سوف تظهر في السماء مجدداً، بعد عامٍ كامل، بمناسبة يوم الشهداء / 6 أيّار.
عامٌ مرّ والفكرة في بالي: أريد أن أثقبَ مظلّة أحدهم. ولن يموت، فهو، على حسب ما قال لي أبي، يملك مظلة احتياطية للطوارئ.
حمص/ 1996
في 5 أيّار، حضّرت كرة القدم “النمرة 5″ ورحت أذكّر نفسي بتلك التسديدة الّتي قال لي عبيدة، الولد الوحيد الأكثر شرّاً منّي في حارتنا، إنّها قوية للغاية.
جاء 6 أيّار.
صعدت إلى سطح البناء الّذي كنّا نسكنه، ثمّ وقفت فوق خزّان ماءٍ مرتفع، فوجدت نفسي في أعلى نقطةِ نظرٍ ممكنة، ورحت أتأمل السماء في انتظار الـ”هيليكوبتر”.
بدأ صوت الحوّامة يقترب. نهضت واستنفرت، ثمّ راحت الأشياء الملوّنة تظهر في السماء.
“المظلّة الزرقاء؟ لون نادي الكرامة الّذي أشجع، لن أصطادها. ماذا عن الحمراء؟ تبدو بعيدة بدرجة ما. هذا صاحب المظلة الملونة يبدو قريباً” قلت في نفسي.
أخذت موقعاً ثابتاً على الخزّان، وفي لحظة شجاعة ركلت الكرة بكل ما أوتيت من قوة.
شاهدت ضوءاً يتوهّج تارةً ثم يخفت ثمّ يتوجه ثم يخفت، وسمعت أصواتَ “بوم بوم… بوم بوم بوم”.
رفعت رأسي ونظرت نحو السماء. صاحب المظلّة الملونة ما زال يتنقّل من سحابة إلى سحابة، وزملاؤه كذلك. حسناً، ما هذا الّذي انفجر وأضاء إذاً؟

بدأ صوت الحوّامة يقترب.. نهضت واستنفرت، ثمّ راحت الأشياء الملوّنة تظهر في السماء

نزلت إلى الشارع، فشاهدت عدداً من الأهالي واقفين أسفل المسافة الواصلة بين عمودي الكهرباء، حيث سقطت كرتي وجعلت شريطاً يصطدم بآخر فانفجر ما انفجر وأضاء ما أضاء.
جميع الواقفين راحوا يلعنون أولاد الشوارع، قرود الأرض، شياطين الحارة، الّذين تسببوا في انقطاع التيار عن الحارة.
كنت أفكّر في إمكانية استعادة الكرة. أريدها، لكنّها في يدِ “أبي شعلان” الّذي ما انفكّ يكرر “بس أمسك اللي شاط الطابة بدّي علّقه من أدنيه”. استسلمت لواقع الحال، لعنت أولاد الشوارع معهم وانصرفت.
حين كبرت قليلاً، أدركت أنّ كرة القدم “النمرة 5” لن تصلَ إلى كعب حذاء المظليّ حتّى وإن ركلها روبيرتو كارلوس كما فعل حين سجل هدفه الّذي لا ينسى في مرمى فرنسا عام 1997.
حمص / 2012
المعارضة المسلّحة تحصّنت في بابا عمرو، والجيش السوريّ حاصرها. رحنا نسمع قصصاً عن ضحية هنا وجريحٍ هناك.
الكلية الحربية، القريبة من بيتنا، كانت تدكّ الحيّ المحاصر بقذائف لم أكن أستطيع أن أحدد نوعها. بعضُ الجيران يقولون إنها رشقات هاون، والبعضُ الآخر يقول إنها صواريخ.
للمحاصرين في بابا عمرو أقرباء في الوعر. بعضُ هؤلاء حاولوا أن يُسقطوا نقطة مراقبة للجيش السوري على سطحِ المستشفى الوطنيّ الجديد، فأطلقوا قذيفة “آر بي جي” لم تنل من الإسمنت المسلّح، وأثارت غضب القناص الّذي أغلق الحيّ ومنع التجوّل فيه أسبوعاً بحاله.
فُكّ حظر التجوّل. صعدت إلى سطح البناء الّذي نسكنه. رحت أتأمل المشهد:
ضوءٌ يعبر في السماء، ثمّ “بووووم”… ضوء يرجع من الجهة المعاكسة، ثمّ “بووووم”.
كل ضوء و”بوم” يعنيان أنّ بناءً في المدينة يسقط، وأنّ أحدهم يموت، وأنّ آخر يُجرح، وأنّ حقداً يتنامى، وأنّ حرباً تتسع، وأنّ الخلاص يصير أبعد.
استرجعت ذكريات 6 أيّار. عيد الشهداء. هي كوميديا سوداء بدرجة ما، ففي “حمص 2012” كانت كلمة “شهيد” تستعمل أكثر من الـ”مرحبا”.
وددت لو أنّني أمتلك عدداً كبيراً من الكرات “النمرة 5”. لا شكّ في أنّ قدمي باتت أقوى، وصرت قادراً على جعل الكرة تصل إلى ارتفاعٍ أعلى.
تخيّلت نفسي أقف على الخزان إيّاه، وأُسقط كلّ صاروخٍ وكل قذيفة بكرة. ربّما يصطدم شريط كهرباء بآخر، فتُضاء السماء ونسمع “بوم بوم… بوم بوم بوم”، لكنّ أبا شعلان لن يجد وقتاً كي يهددني بتعليقي من أذنيّ، فهو يبكي واحداً من أحبّائه الّذين قضوا في الحرب…

 

 

 
×