Image Credit: Burak Kara/Getty Images

“لماذا أنا أرملة؟ ولماذا يأخذ مدير المخيم دور الوصي على أطفالي، فيهددهم بالضرب أو العقوبة عند ارتكاب أي مخالفة بسيطة؟ إلى متى سأبقى هنا يا إلهي؟”. تتكرّر المواقف التي تجعل مثل هذه الأسئلة تدور في رأس أم محمود التي تعيش في مخيم خاص للأرامل في ريف إدلب، كانت قد لجأت إليه عقب مقتل زوجها.

هي واحدة من بين كثيرات فقدن معيل العائلة الوحيد بعد اندلاع الحرب، فوجدن أنفسهن عُرضة لظروف اجتماعية واقتصادية شديدة القسوة.

الحرب ومخيمات الأرامل 

أُنشئ أول مخيم للأرامل في سوريا منتصف عام 2012، قرب الحدود السورية التركية. بعد ذلك، ونتيجة توسع دائرة النزوح وارتفاع عدد النساء الأرامل وفاقدات المعيل، وصل العدد إلى 24 مخيمًا وتجمعًا للنساء الأرامل حتى منتصف عام 2021، بحسب مسؤول العلاقات الإعلامية في “حكومة الإنقاذ” السورية العاملة في محافظة إدلب وريفي حماة الغربي وحلب الغربي الخارجين عن سيطرة القوات النظامية، فيما بلغ عدد العائلات في هذه المخيمات 2495 عائلة، علمًا بأن العدد الإجمالي للمخيمات يصل إلى 1127 تقطنها أكثر من مئتي ألف عائلة في مناطق إدلب.

نساءٌ كثيرات فقدن أزواجهن بسبب الحرب، فضاقت بهن سبل الحياة ولم يبقَ لهن خيارٌ سوى اللجوء إلى مخيمات ترعاها منظمات دولية أو محلية، من أجل تأمين أبسط مقومات الحياة من غذاء وماء، ومن شعور بالأمان النسبي.

نزحت أم محمود من ريف حماة مع ثلاثة أطفال تسكن معهم اليوم في مخيم الأرامل في منطقة أطمه، شمالي إدلب. خارج المخيم، كان الوضع ليكون أسوء بالنسبة لأم محمود. ما رأته بعد وفاة زوجها رسّخ هذه القناعة لديها.

تقول: “أسكن وأطفالي هنا منذ عامين، بعد مقتل زوجي بظروف غامضة في إحدى المناطق التي نزحنا إليها في إدلب. هنا أشعر بالقليل من الأمان مع أطفالي، جميع من حولي نساء وأطفال صغار، المكان مُغلق، وهو أشبه بقرية صغيرة لا يضيع من فيها، إضافة إلى الطعام المُؤمّن لي ولأطفالي”.

أم اسماعيل هُجّرت، بدورها، من محافظة حمص بعدما قُتل زوجها بقصف صاروخي طال حيّهما السكني قبل أربع سنوات. لديها طفلان أكبرهما في السادسة من عمره، هُجّرت وحملتهما معها إلى محافظة إدلب. “لم أعرف حينئذ أين أذهب بأطفالي، ومَن سوف يُطعمنا”.

ضاقَ الحال بأم اسماعيل، فلم يكن أمامها الكثير من الخيارات. “دلّوني وقتها إلى منظمة لم أعد أذكر اسمها، قالوا إنها أنشأت مخيمًا خاصًا بالأرامل، فذهبتُ إليها وباشرت إدارة المخيم بإجراءات إقامتي فيه شريطة ألا يكون معي أطفال ذكور تتجاوز أعمارهم الثانية عشرة، إضافة إلى قوانين أخرى تلتزم بها جميع النزيلات من الأرامل، منها عدم الخروج ليلًا إلا في ظروف طارئة كالذهاب إلى المستشفى برفقة إحدى مشرفات المخيم”.

يترتب على الوضع غير الطبيعي الذي تعيشه النساء في مخيمات الأرامل تبعات، ليس أقلها الاضطرابات النفسية

كان مُخيم الأرامل الحل الوحيد أمام أم اسماعيل، ففيه كما تقول يوجد مَن يهتم بها ويؤمّن احتياجات عائلتها. لا يعني أنها بأفضل حال فيه، لكنه “أفضل من العيش وحيدة وغريبة في بيئة تعمّها الحرب والفوضى”.

لا تقتصر مُعاناة الأرامل على إيجاد مسكنٍ يأويهن بقدر ما يبحثن عن الأمان الذي كنّ ينعمن به حينما كان أزواجهن بجانبهن، لا سيما أن غياب الزوج يُثير مخاوف المرأة من نظرة المجتمع إليها، إضافة إلى خوفها على أطفالها من نتائج الحرب.

قوانين صارمة

يوضح محمد العبود، وهو معاون مدير شؤون المخيمات، أن شروط قبول النساء للإقامة في مخيمات ودور الأرامل، هي أن تكون أرملة أو زوجة معتقل أو مفقود، وألا تتجاوز أعمار أطفالها الذكور الثانية عشرة، وأن تحترم بشكل تام شروط الخروج من المخيم صباحًا والعودة قبل السادسة مساءًا، بينما يُسمح للنساء بإجازة لمدة أسبوع تقضيها خارج المخيم، مع الأخذ بالاعتبار الظروف الإنسانية للسماح بالخروج.

هذه الشروط الصارمة تُبعد عيون الفضوليين والراغبين بتقصي المزيد عما يدور داخل عالم الأرامل ذاك، فللمخيم سورٌ مرتفع يحيط به وبابٌ مغلق على الدوام، يتناوب عليه حرس نهاري وليلي، وتتولى فيه ست مشرفات مقيمات مساعدة الأرامل في تسيير أمورهن.

يترك الشرط المرتبط بعمر أطفالها الذكور الأرملة في حيرة، فعليها أن تختار إما السكن بعيدًا عن أطفالها أو تركهم بمفردهم في الخارج، لا سيما أنهم صغار وبحاجة إلى رعاية.

أم أحمد تبلغ اليوم من العمر 55 عامًا. هي من منطقة ريف إدلب الجنوبي، وتقيم مع بناتها الأربعة وأصغرهن عمرها 19 سنة، أما ولداها أحمد (16 عامًا) وبلال (14 عامًا) فيقيمان في مدرسة داخلية للأيتام في إدلب.

بعد اعتقال زوجها عام 2011، اضطرت أم أحمد للنزوح إلى منطقة حارم، لتقيم في مخيم خاص بالأرامل عام 2013، لكن بعد أربع سنوات تم إخراج ابنها أحمد من المخيم عندما تجاوز السن المسموح به لبقاء الذكور. وبعد عام أيضًا، أرسلت الأم ابنها بلال ليكون جنب أخيه في مدرسة الأيتام.

همّ الذكور ليس وحده ما يشغل أم أحمد، فهي تحزن على بناتها كما تقول، موضحة بأن “من في سنهن قد تزوجن، لكن وجودهن في بيئة خاصة للنساء فاقدات المعيل، يسبب لهن الإحباط والاكتئاب، لأنهن محرومات من الحياة الطبيعية في المجتمع ومن العلاقات الأسرية الصحيحة”.

ما اضطرت أم أحمد إلى الخضوع له رفضته أم سعيد التي عاشت وأطفالها الثلاثة أربع سنوات في مخيم الأرامل، قُرب قرية بابسقا شمالي إدلب، إذ اختارت مغادرته إلى مخيم تسكنه عائلات في مشهد روحين إثر بلوغ أحد أطفالها السن المُلزَم فيه بالخروج.

شعرت أم سعيد وأطفالها بالأمان والراحة بعد انتقالها إلى مخيم مشهد روحين، حيث وجدت فيه جلّ أقاربها وجيرانها في البلدة التي نزحت منها، وهذا ما تقول إنها افتقدته طيلة السنوات الأربع مع الأرامل.

رهاب الذكور

يترتب على الوضع غير الطبيعي الذي تعيشه النساء في مخيمات الأرامل تبعات، ليس أقلها المشكلات والاضطرابات النفسية، وهو ما تتحدث عنه رئيسة مجلس إدارة “منظمة دعم المرأة” جمانة محمد خير بزبوز شارحة بأن “الأمهات هناك يواجهن صعوبات من نواحٍ كثيرة، حيث يعانين من التضييق عليهن ومن شدة المراقبة بسبب الصورة النمطية السلبية التي تكرّس المخاوف من مشاكل أخلاقية تسيء لسمعة الأرامل”.

تعيش الأرامل في المخيمات عزلةً اجتماعية وغربةً عن المجتمع الطبيعي، فضلًا عن القلق والخوف اللذين يسيطران على أمهات الذكور مع اقتراب السن المفروض عليهم لمغادرة المخيّم. كما تظهر الانعكاسات السلبية لدى الأرامل بسبب ابتعادهن عن ألوان المجتمع والحياة الطبيعية، و”كأن حياة الأرملة فقد بعد فقد بعد فقد”، على قول بزبوز.

أما المشكلة الأكثر وضوحًا كما ترويها نساء وعاملات في هذا النوع من المخيمات، فهي مشكلة الفتيات العازبات، بنات الأرامل، إذ تُختصر صورة العالم بالنسبة إليهن بمجتمع نسوي ضعيف وحزين، يعاني من الفقد ويسعى للقمة العيش، فتتكوّن شخصياتهن على أساس من الضعف والإحساس بالقهر، عدا عن أنه يُظهر العنصر الذكري كأنه خطر عليهن أو محرم التعامل معه، فيُنمّي لديهن عقدة خوف ورهاب التعامل مع الرجال.

 

* أُنجزت هذه المادة في إطار برنامج تدريب يضم صحافيين من سوريا واليمن وفلسطين/غزة والسودان، من تنظيم “أوان” وبدعم من منظمة “دعم الإعلام الدولي”

 
×