في محافظة إدلب التي جمعت أكبر أعداد النازحين والمهجرين داخليًا خلال سنوات الحرب السورية، يُعتبر الاستهداف وخطر القصف والموت واقعًا يوميًا لأكثر من ثلاثة ملايين شخص، خصوصًا إن كان أحدهم عاملًا في منظمة إغاثية تقدم خدماتها على خطوط التماس مع الجيش النظامي، وهو ما تكرّر مراراً خلال الأعوام السابقة.

ولا يواجه العاملون في المنظمات الإغاثية الذين يقضي عملهم بالاستجابة لحاجات المخيمات التحدي الأمني فحسب، بل يجدون أنفسهم بمواجهة ضغوط واتهامات مجتمعية.

حين حاول فريقٌ من مجموعة “هذه حياتي التطوعية” توثيق عملهم في مخيم “خير الشام”، في ريف إدلب الشمالي، بداية شباط/ فبراير الماضي، تعرضوا لإطلاق نار عشوائي، “بث الهلع بكادر المجموعة”، كما كتب مدير مكتبها في إدلب سارية بيطار عبر حسابه على فيسبوك، ليتضح لاحقًا أن مطلق النار هو أحد النازحين الذي استفزته طائرة التصوير (الدرون)، ولم يرَ في تخريبها أمرًا جللًا، محولًا استياءه من المنظمات إلى رصاص.

تلاحق المنظمات الإغاثية تهمٌ بالسرقة والتربح من آلام النازحين، ويُعتبر استهدافهم بالتخريب من المحتاجين تهديدًا قائمًا، وإن كان قد اقتصر لغاية الآن على حوادث بسيطة، لكنها حملت ملامح عامة من الاستياء والشعور بالظلم.

تهم “جاهزة”… إهمال وتحيز وسرقة

لا يجد عبد العزيز، النازح في مخيم “السلام” في ريف إدلب الشمالي، وصفًا للعاملين الإغاثيين سوى أن “أغلبهم من النصابين والمحتالين”، مشيرًا إلى أنهم لا يؤدون عملهم بالإخلاص المطلوب.

“معاملتهم لا تكون جيدة بشكل عام، إلا من رحم ربي”، بحسب رأي الأب لثلاثة أطفال حُرموا برأيه من المساعدات الخاصة بسوء التغذية برغم حاجتهم لها.

“يُضيّع العاملون الإغاثيون وقتهم ولا اهتمام لديهم بتغطية احتياجات كافة سكان المخيم حين يزورونه”. يؤكد عبد العزيز على اتهامه للمنظمات الإغاثية، مستطردًا بالقول إنهم يضعون العوائق أمام المحتاجين عند توزيع الإعانات، مطالبين بالوثائق الثبوتية التي فقدها الكثير من السكان أثناء نزوحهم.

مدير المخيم الذي يقيم فيه عبد العزيز، غياث الشمالي، لا يتفق معه، بل يعتبر أن اتهامات المنظمات تأتي جاهزة من قِبل كل من لا يحصل على المساعدة، في حين أن المنظمات موجهة للعمل “وفق إداراتها”.

برأي الشمالي، فإن نقص العدالة في التوزيع يكون مرده غالباً “أخطاء” من مدراء المخيمات، فـ”البعض يسعى لملء حقيبته وينسى أنه موكل بجميع المهجرين وساكني الخيم”.

يحتل الطعام رأس هرم المساعدات الواصلة إلى شمال غربي سوريا، في حين لا تحتل مساعدات كسب الرزق والمعيشة سوى 4%

تبعية المنظمات لإداراتها هو سبب نقدها كما يرى النازح في مخيم “الغاب” إبراهيم الحمد، لأنه يقود إلى “الانحياز”، وهو ما يسبب اتهامات “الخيانة” و”السرقة” لكوادرها الذين يرى أنهم “واسعو الصدر كي يتحملوا كل الكلام المسيء الموجه إليهم”.

من جهته، يعتبر مدير مخيم “التح” عبدالسلام اليوسف أن نقص تأهيل الكوادر الإنسانية هو سبب المشاكل التي تواجهها المنظمات في التعامل مع النازحين، ويعلق قائلًا: “يُفترض بمن يعمل في المنظمات أن يخضع لدورات في مجال الإدارة والعمل الإنساني أو أن يكون ضمن جمعية أو فريق تطوعي قبل أن ينضم للمنظمة”.

وينفي اليوسف احتمال السرقة أو الاختلاس عن المنظمات لأنها “تحت العين”، مشيرًا إلى أن جهات متعددة تراجع إنفاق المخيمات، من مدراء ووحدات تنسيق ودعم وغيرها، إضافة إلى أن معايير القبول والرفض للمستفيدين تكون وفق أسس يحددها الداعمون أو الأمم المتحدة، لذلك لا يجد مبررًا لاتهام كوادرها بالسرقة أو لتخريب أعمالها.

حاجات تفوق القدرة

في إدلب 1.3 مليون نازح داخلي و1088 مخيمًا، مقابل 17 منظمة إغاثية فاعلة، وفقًا لبيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA).

“الاحتياج أكبر من القدرة على التلبية”، بحسب ما يقول مدير مكتب منظمة “تكافل الشام” الخيرية عبد الخالق حلي، مشيرًا إلى أن ما تتعرض له المنظمات هو بأغلبه اتهامات بسرقة المساعدات ومحاباة الأقارب والأصدقاء.

عند نقص أحد أصناف الحصص الإغاثية المعتادة من الجهة الداعمة، تنطلق الاتهامات مباشرة، وفق حلي، الذي يوضح أن المنظمة تتواصل مع الأشخاص المجتمعيين الفاعلين ومدراء المخيمات والمجالس المحلية لشرح أسباب النقص، عبر جلسات نقاش، تتضمن توضيح معايير الاستضعاف كذلك.

حوادث التخريب، على قلّتها، تُعزى لعدم استفادة أحد الأشخاص، كونه من غير المسجلين أو غير المطابقين للمعايير، وفي حال كانت أضرار التخريب كبيرة، يتم إيقاف العمل في المنطقة التي وقعت فيها الحادثة، حرصًا على سلامة الفريق والمستفيدين.

برأي مدير برنامج التعافي المبكر في منظمة “بنيان” أحمد قطان، فإن حوادث التخريب تعود لقلة الوعي، وهو ما تحاول المنظمات تغييره عن طريق حملات التوعية والاتصال المباشر بسكان المخيمات والحرص على “الشفافية التامة” في التعامل، سعيًا لتمكين كل شخص من طلب المساعدة دون أدنى شعور بالحرج، على حد وصفه.

هذه الحال تجعل الوثائق الرسمية التي يفتقدها 36% من النازحين داخليًا و31% من المقيمين في القرى والمدن، شمالي غربي سوريا، مطلبًا أساسيًا للحصول على المساعدات الإغاثية، وغيابها كان السبب بحرمان 2% من السكان من حصصهم، بحسب أحدث تقييم لمبادرة “REACH” للأوضاع الإنسانية في المنطقة، الخاص بحزيران/ يونيو الماضي.

في المقابل، ينفي قطان أن يكون غياب الوثائق سببًا للحرمان من المساعدات، لأن المنظمات تقبل بالبديل عن الهوية الشخصية، مثل دفتر العائلة أو البيان الشخصي، أو أوراق تثبت هويته من المختار أو المجلس المحلي التابع له.

ويُبيّن تقييم مبادرة “REACH”، القائم على استبيان جُمع من 891 تجمعًا سكنيًا في شمال غربي سوريا أن 12% من النازحين و15% من المقيمين لا يحصلون على المساعدات الإغاثية، بينما يعزو 5% من المقيمين سبب استثنائهم إلى عدم مطابقتهم للمعايير المطلوبة و5% غيرهم يُرجعون السبب للتمييز والانحياز بالتوزيع، في حين كانت تلك النسبة 6% لدى النازحين.

معايير الاستضعاف الإنسانية، كما يشرح عبد الخالق حلي، تشمل حالة رب الأسرة، وما إذا كانت تعيلها امرأة أو مسن أو من ذوي الإعاقة، وتركيبة الأسرة، وما إذا كانت تضم أفرادًا مصابين بأمراض مزمنة أو من ذوي الإعاقة أو أطفال تحت سن الخامسة أو نساء حوامل أو مرضعات، فضلًا عن الوضع المادي للأسرة وما تملكه وما إذا كانت قد تعرضت للتهجير أم لا.

ويدرك معظم المقيمين والنازحين أن سبب عدم استلامهم للمساعدات، أو قلتها في حال استلامها، هو عدم توفرها بالأصل. لكن حتى عند توفرها، فقد وجد 59% من النازحين أن المساعدة المقدمة ليست مرتبطة باحتياجاتهم، وكذلك كان حال 56% من المقيمين.

يحتل الطعام رأس هرم المساعدات الواصلة إلى شمال غربي سوريا، في حين لا تحتل مساعدات كسب الرزق والمعيشة سوى 4%، مع أنها تمثل المطلب الأول للسكان، بنسبة 60% للنازحين، و70% للمقيمين.

*أُنجزت هذه المادة في إطار برنامج تدريب يضم صحافيين من سوريا وفلسطين/غزة واليمن والسودان، من تنظيم “أوان” وبدعم من منظمة “دعم الإعلام الدولي” (International Media Support). 

 
×