“تعرّضنا للضرب، واستُهدفنا بقنابل مسيلة للدموع في صنعاء. لا أعلم ما السبب. قاموا بإتلاف تقريري الطبيّ وشهادة ميلادي وسائر وثائقي الخاصّة أمامي”.

تقول لينسا أثناء حديثها إلينا إنها أتت من إثيوبيا إلى اليمن عام 2016، قبل أن تقدّم طلب لجوء لم تحصل عليه حتى اللحظة. وعندما وضعت مولودها الثاني، لم تجد، وفق قولها، أي اهتمام من جانب منظمات الإغاثة، ولا هي حصلت على الرعاية الصحيّة أو التغذية اللازمين لها ولطفلها أثناء وجودهما في المشفى.

حالها يشبه حال بيزا التي تبلغ التاسعة عشرة من العمر، والتي تؤمّن قوت يومها من خلال عملها في تنظيف السيارات والتسوّل، برغم حصولها على بطاقة اللجوء من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. غير أن بيزا تقول إن البطاقة تلك قاصرة عن توفير حاجياتها، إذ إنها تتيح لها الحصول على مبلغ شهري لا يتجاوز 50 ألف ريال يمني.

قُتل والد بيزا في إثيوبيا بسبب نشاطه السياسي، وهو ما اضطرها ووالدتها للقدوم إلى اليمن يوم كانت في الثالثة من العمر. “نعاني من المطر والشمس، ولا توجد لدينا حمامات هنا”، تقول بيزا، قبل أن تضيف: “نستعمل الخلاء أمام الناس، سواء لقضاء حاجتنا أو للاستحمام، ونتعرّض للتنمّر من البيئة المحيطة بنا. كُثر ينظرون إلينا على أننا بائعات هوى”.

لينسا وبيزا ونحو 350 مهاجرًا إثيوبيًا يقطنون في عشش عشوائية في الخلاء أمام ساحل أبين، في مديرية خورمكسر بمحافظة عدن. بعضهم أتى حديثًا إلى اليمن، فيما البعض الآخر كان متواجدًا لفترة طويلة في صنعاء، وتم ترحيله بسبب أعمال عنف تعرّض لها هناك، بحسب قوله.

والجدير ذكره أن بعض هذه العائلات اللاجئة باتت مشتّتة بين صنعاء وعدن. هذا حال خليفة أحمد إدريس، على سبيل المثال، الذي يعيش في مخيم اللاجئين على ساحل أبين وحيدًا، فيما عائلته وأطفاله الخمسة ما زالوا موجودين في صنعاء، وهو يكتفي بالتواصل معهم هاتفيًا. يقول إدريس إنه مضطر للعيش على بقايا الطعام الذي يحصل عليه من المطاعم المجاورة، برغم حصوله على بطاقة لجوء، وفي غالبية الأحيان، لا يحصل، شأنه شأن غالبية الموجودين في المخيم، على أكثر من وجبه واحدة في اليوم.

اتفاقية 1951 وبروتوكول 1967 حول اللاجئين

يُعتبر اليمن البلد الوحيد في شبه الجزيرة العربية الذي وقّع على اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1951 الخاصة باللاجئين وبروتوكول 1967 الملحق بها، والذي ألغى القيود الجغرافية والزمنية من الاتفاقية. وبحسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يتمثل المبدأ الأساسي لهذه الاتفاقية بعدم جواز إعادة اللاجئ قسريًا إلى بلد يمكن أن يواجه فيه تهديدًا خطيرًا لحياته أو حريته.

تقول لنا مارجوري كابرول، مديرة مكتب الحماية في المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إن الخطر الأكبر الذي قد يواجهه المهاجرون الإثيوبيون يتمثل بتعاملهم مع المهرّبين أثناء انتقالهم إلى اليمن، الأمر الذي قد يعرّضهم للاستغلال وللاعتداء الجسدي بما في ذلك الجنسي. وفور وصولهم إلى الشواطئ اليمنية، يواجه المهاجرون صعوبة أخرى تتمثل بالاندماج في البيئة المحلية، في ظلّ مصاعب الحرب في اليمن والوضع الاقتصادي المتردّي أيضًا.

لا تمتلك الحكومة اليمنية الإمكانيات اللازمة لترحيل اللاجئين الإثيوبيين غير الشرعيين إلى بلدهم

“بشكل عام، يدخل كثير من المهاجرين الإثيوبيين إلى اليمن، لكن قلّة منهم فقط تطلب اللجوء من قبل المفوضية. نحن نقوم بتوعيتهم من خلال الفرق الميدانية في حال رغبتهم بتقديم اللجوء، ونُعلِمْهم بحقوقهم وبالخدمات التي ستُقدّم لهم في حال نالوا صفة اللجوء، وكذلك بالعناوين أو الشروط الخمسة للجوء، المتصلة بالرأي السياسي، أو الصراعات الدينية، أو الجندر، أو الصراعات العرقية، أو الفكر الخاص”، تقول كابرول.

500 ألف مهاجر إثيوبي… والغرق مستمر

وفق مكتب حقوق الإنسان في وزارة الداخلية اليمنية، بلغ عدد المهاجرين الإثيوبيين بين عام 2014 ومنتصف عام 2018 نحو 500 ألف مهاجر، وما زالت الأعداد في ارتفاع.

يصف مدير عام حقوق الإنسان في وزارة الداخلية في حكومة عدن العميد عارف عريم الطريقة التي يعبر بها المهاجرون الحدود اليمنية قائلًا إن المهرّب يكدّس ما بين 80 و90 شخصًا على متن القارب، ولدى اقترابهم من الشواطئ اليمنية، يُجبرون على السباحة مسافة قد تصل إلى ثلاثة كيلومترات للوصول إلى الساحل. وقد نتج من ذلك إنشاء مقابر جماعية في منطقة أحور، لدفن الغرقى الذين يلفظهم البحر.

في شهر يونيو 2021، قال رئيس المجلس الانتقالي في مديرية المضاربة ورأس العارة في لحج، جليل أحمد، في تصريح إلى صحيفة “الأيام” المحليّة، إن “أحد القوارب انقلب في عرض البحر، على بعد أكثر من عشرين ميلًا بحريًا من سواحل رأس العارة، وكان على متنه وفق معلومات أولية ما بين 200 و 300 مهاجر أتوا من أفريقيا، وقد شاهد صيادون موجودون في المكان جثث بعضهم”.

لا تمتلك الحكومة اليمنية (سواء في عدن أو صنعاء) الإمكانيات اللازمة لترحيل اللاجئين الإثيوبيين غير الشرعيين إلى بلدهم. كذلك فإن الفوضى والصراعات التي تشهدها البلاد تضاعف من صعوبة تخصيص ميزانية لإرجاع المهاجرين.

“الخطر” الذي يخيف السكان المحليين

تسيطر على بعض السكان المحليين مخاوف من المهاجرين، تتّصل باحتمال إضرارهم بالنظام العام أو نقلهم الأمراض والأوبئة. يصف نائب مدير عام شرطة عدن أبو بكر الشعيبي بعض المهاجرين غير الشرعيين بـ”الشرسين الذين يسلبون بقوة السلاح بسبب حاجتهم إلى المال والغذاء”، ويقول إن السلطات المحلية “حاولت تشغيلهم في أعمال النظافة، لكنّ ارتكاب بعضهم جرائم سرقة وغيرها أدى إلى منعهم من مزاولة هذه الأعمال”. ويشدّد الشعيبي على ضرورة متابعة شؤون اللاجئين في أبين من قبل “منظمة الهجرة الدولية” وفتح مراكز إيواء وتقديم المساعدة لهم.

لم نتمكن من إجراء مقابلة مع ممثلي “منظمة الهجرة الدولية” لتقصّي موقفها من المسألة، ولدى التواصل معهم إلكترونيًا وسؤالهم عن الخدمات التي يقدمونها، حصلنا على رد عام يفيد بأن المهاجرين “هم من بين الفئات الأكثر ضعفًا في اليمن، وهم يستحقون المساعدة بغض النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، وفي حين ما زال دعم المهاجرين في اليمن محدودًا، تقدم المنظمة مساعدات طارئة لهم في شكل رعاية صحية وطعام وماء طارئ ومأوى وخدمات حماية في عدن ومناطق أخرى في البلاد، وهي تواصل الدعوة إلى تحسين معاملة المهاجرين وخدماتهم في جميع أنحاء البلاد”.

ليس لدى السلطة المحلية لمديرية خورمكسر أي خطط لنقل المهاجرين الإثيوبيين فيها إلى مناطق أخرى تتناسب مع العيش الآدمي في ظل غياب الإمكانيات اللازمة. وفي حين يعبّر مدير عام مديرية خورمكسر عواس أحمد الزهري لنا عن “مخاوفه من أن يصبح المجتمع المحلي أقلية بسبب كثرة الهجرة الأفريقية”، يوضح أنه سيُعقد لقاء مع المحافظ وإدارة الأمن و”منظمة الهجرة الدولية” لمناقشة الوضع القائم، ولتسريع تصنيف المهاجرين وتوفير سبل العيش للاجئين منهم، وترحيل من لا تنطبق عليهم شروط اللجوء.

في المقابل، يأمل اللاجئون الإثيوبيون في خورمكسر، شأنهم شأن الآلاف غيرهم في أنحاء مختلفة من اليمن، بالحصول على مساعدات تتيح لهم العيش بالحدّ الأدنى من الكرامة الإنسانية، ريثما يُحسم أمر بقائهم في اليمن من عدمه.

 

* أُنجزت هذه المادة في إطار برنامج تدريب يضم صحافيين من سوريا واليمن وفلسطين/غزة والسودان، من تنظيم “أوان” وبدعم من منظمة “دعم الإعلام الدولي”

 
×