Image Credit: Hani Al-Ansi/picture alliance via Getty Images

شعورٌ حزين عاشته حليمة (17 عاماً) وهي ترى حلمها بإكمال دراستها ينهار أمام عينيها. هروب عائلتها من منطقة الكدحة بسبب الحرب والإقامة في مخيم للنازحين في مديرية المعافر، غربي تعز، جعل من مواصلة الدراسة بالنسبة لحليمة أمراً مستحيلاً.

“درستُ حتى صف الثاني إعدادي، وبعدها وصلت الحرب إلى قريتنا، فنزحنا مع عدد من الأسر من دون أي هدف واضح”، تروي حليمة. وتتابع قائلة “هكذا، بتنا نقيم في مخيم نازحين، معدمين من كل شيء، ولا نعيش إلّا على ما نحصل عليه من مساعدات من المنظمات، كما أنه ليس لدينا مال لمواصلة الدراسة”.

في مخيم النازحين الذي تقيم فيه حليمة، تعيش نور التي دخلت عامها الحادي عشر دون أن تتسنى لها فرصة الالتحاق بالمدرسة، حتى بقيت الأخيرة مجرد حلمٍ يسكن قلبها، ويُشعرها بالحزن كلما رأت فتيات من سنها يحملن حقائبهن في الطريق إلى مدارسهن.

في عيني نور كثير من الدموع، وفي قلبها حسرة تكبر معها منذ وعت على ظروف الحرب وصعوبة الوصول إلى واحد من أبرز حقوقها الطبيعية. “أشتي [أريد] أدرس، ويكون معي دفاتر وكتب وأقلام، ومعي مدرسة، لكن إحنا فقراء وأبي مش قادر يدرسني، لأن الدراسة تحتاج فلوس كثيرة، وإحنا ما معنا فلوس”.

حملات النزوح بفعل الحرب، تسببت بتسرّب كثيرات من المدارس، كما هو الحال مع تهاني (20 عاماً) التي توقفت منذ أربعة أعوام عن إكمال تعليمها.

تقول تهاني إن الحرب أرغمت أسرتها على النزوح من العاصمة صنعاء إلى عدن، وخلال محاولتها نقل ملفها الدراسي للالتحاق بإحدى مدارس عدن، اضطرت أسرتها للنزوح مرة أخرى إلى ريف تعز. بعد جهد كبير، نجح والدها بنقل الملف الدراسي الخاص بها، لكن فقدانه لعمله جعله عاجزاً عن توفير متطلبات تدريسها، فاضطرت لوقف الدراسة وتعلم الخياطة كي تساعد أسرتها في توفير متطلبات العيش.

أفراح (14 عاماً) وصلت فقط إلى الصف الثالث الابتدائي، قبل أن يرغم الوضع الاقتصادي والدها على وقفها عن الدراسة ودفعها باتجاه رعي الأغنام.

“بسبب الحرب، لم يعد أبي قادراً على دفع تكاليف دراستنا، فقرر أن يوقفنا، أنا وأختي الصغيرة، عن الدراسة، بينما تابع أخونا تعليمه، فحسب والدي هو رجل ولازم يدرس، أما نحن البنات سنكبر ونتزوج ولا داعي لدراستنا”.

تعكس قصص هذه الفتيات واحداً من جوانب التمييز التي يمارسها المجتمع اليمني ضد الإناث، والتي تصبح في فترات الحرب وعند الحاجة أكثر حدة.

حكاية سهام التي أرغمها والدها على الزواج وحرمها من إكمال دراستها تُظهر التمييز كذلك.

تتحدث سهام (18 عاماً) عن تجربتها وهي تحمل طفلها بين أحضانها. تقول: “درست حتى صف الأول إعدادي، وكنت مجتهدة، وأحلم أن أكون دكتورة، لكن أبي زوّجني، قلت له ما أريد أتزوج أريد أدرس، لكنه قال لي إن المرأة ما لها إلا زوجها وزوّجني غصباً عني لابن عمي”، وتضيف متحسرة “انشغلت بمسؤولية الزواج، ثم أنجبت طفلاً فزادت المسؤولية، وفقدت الأمل نهائياً بمواصلة الدراسة”.

تُسهم الأعراف القبلية التي تجبر البنات على الزواج المبكر، إضافة إلى الظروف المعيشية والاقتصادية التي فاقمتها الحرب، في مضاعفة عملية التسرب

تشير عفاف مكي، وهي مسؤولة قطاع المرأة في مكتب التربية والتعليم في محافظة تعز، إلى تسرّب أعداد كبيرة من الفتيات من مدارسهن خلال الأربع السنوات الأخيرة من الحرب، أي منذ عام 2018، ليتجاوز عدد التسرب في الصفوف الأولى (من الصف الأول حتى الصف الخامس) نسبة 7.2% أي بواقع 1,538 طالبة، ومن الصف السادس حتى الصف الثامن تقلّ نسبة التسرب بين الفتيات لتصل إلى 4.6% أي بواقع 1,384 طالبة. ومن الصف التاسع حتى الصف الثاني ثانوي، ترتفع نسبة التسرب بشكل كبير لتصل إلى 11.2% بواقع 3,037 طالبة.

ووفق مكي، تُسهم الأعراف القبلية التي تجبر البنات على الزواج المبكر، إضافة إلى الظروف المعيشية والاقتصادية التي فاقمتها الحرب، في مضاعفة عملية التسرب.

تشير إحصائيات كانت قد صدرت عام 2008 عن وزارة التربية والتعليم، بعمل تعاوني بين الحكومة اليمنية والبنك الدولي، إلى أن نسبة التحاق الفتيات في المرحلة التعليمية الابتدائية بلغت 76% بينما وصلت النسبة عند الذكور إلى 94%.

وكلما ارتفع المستوى التعليمي يتراجع عدد الإناث الملتحقات، ففي المرحلة الأساسية بلغت نسبة الإناث 42% لترتفع إلى 84% لدى الذكور، أما في المرحلة الثانوية، فقد بلغت نسبة التحاق الإناث بالتعليم 23% مقابل 43% لدى الذكور، وبالنسبة للتعليم الجامعي تقدّر نسبة الفتيات بـ5.7% مقابل 18% عند الذكور. وتكشف هذه الأرقام ليس فقط التمييز على أساس الجنس في التعليم، وإنما أيضاً عن نسب مرعبة للتسرّب من التعليم لدى الجنسين سببه الأوضاع السياسية والأمنية المتردية والحرب التي فتكت بكل حقوق الإنسان.

وإذا انتقلنا إلى العام الحالي، يؤكد تقرير حديث لمنظمة “يونيسف” أن التعليم في اليمن هو أكبر ضحايا الصراع، مشيراً إلى أن مليوني فتاة وفتى في سن الدراسة خارج المدارس حالياً، عازياً ذلك لأسباب كثيرة منها الفقر والصراع وانعدام الفرص.

مشكلة تسرب الفتيات من المدارس في اليمن تعد من أبرز القضايا المجتمعية ذات الأسباب المتعددة، ما يستدعي تكاثف الجهود بين الدولة والمجتمع لمعالجة هذه القضية التي تلقي بأثارها السلبية على المجتمع ككل، وتهدد مستقبل الأجيال القادمة.

وفي هذا السياق، يشير مختصون حقوقيون إلى واجب الدولة في معالجة هذه القضية بدءاً من فرض التعليم الإلزامي، ووضع القوانين الناظمة لذلك، بالإضافة إلى تبني مجانية التعليم، بما يسهم في تذليل الصعوبات التي تعيق تعليم الفتيات.

ولمزيد من الفعالية في هذا الإطار، يتحدث هؤلاء عن الدور المجتمعي الذي تتبناه منظمات المجتمع المدني، من خلال الأنشطة والبرامج التوعوية بحقوق الإنسان وحقوق المرأة، وفي مقدمتها الحق بالتعليم والذي يعد واحداً من الحقوق الأساسية التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

كما أن الوضع الاقتصادي المتردي للدولة يُعد واحداً من أبرز التحديات التي تعيق تعليم الفتاة، والتي زادت من نسبة تسرب الفتيات اليمنيات من التعليم، وهو ما يستوجب على المنظمات الدولية أن تضع ضمن أولوياتها معالجة هذه القضية، عبر مساندة قطاع المرأة في وزارات التعليم، وتقديم الدعم لمدارس البنات ما يسهم في الحد من ظاهرة تسرّبهن.

 

* أُنجزت هذه المادة في إطار برنامج تدريب يضم صحافيين من سوريا وفلسطين/غزة واليمن والسودان، من تنظيم “أوان” وبدعم من منظمة “دعم الإعلام الدولي International Media Support”.

 
×