محاولتان فاشلتان لفاطمة (43 عاماً) في سبيل تحقيق حلم الأمومة، كلّفتاها خسائر مادية ونفسية كابدتها لوحدها أثناء غياب زوجها المقيم خارج سوريا منذ أكثر من سبع سنوات، فيما تخضع حالياً لمحاولة ثالثة وأخيرة لعلها تكون ناجحة وسط تعثر محاولاتها للقاء الشريك.

تقول فاطمة: “يصغرني زوجي بخمس سنوات، سافر إلى ألمانيا للعمل بعد زواجنا بثلاثة أشهر، ومنذ ذلك الوقت ونحن نحاول إنجاب طفل. قبل سفره خضع لإجراء تجميد النطاف، بينما بدأت أنا رحلتي الطويلة بتجميد البويضات ومحاولات الحمل”.

تمكنت فاطمة من تجميد ثلاث بويضات، احتفظت اثنتان منهما بفعاليتهما المطلوبة للتلقيح، فيما فقدت الثالثة جودتها بفعل درجة التجميد المفرطة، وفق ما تشرح فاطمة معلقة بحزن: “كان يتعين علي انتظار 14 يوماً للقيام بتحليل الحمل، لكن النتيجة كانت سلبية للأسف”.

أصيبت فاطمة بالإحباط والدهشة جراء فشل العملية، خاصة أنها خضعت لسلسلة علاجات صارمة. أخبرها الطبيب المشرف أن السبب هو العمر الذي يشكل عائقاً أمام الحمل، وحين واجهته بأنه لم يخبرها بذلك منذ البداية وأنه غيّر أقواله ولم يكن على قدر الثقة، أصر على حجة العمر وتنصّل من المسؤولية كاملة طالباً منها الذهاب إلى طبيب آخر.

مع ذلك لم تفقد الأمل. توجهت فاطمة إلى أحد الأطباء ذائعي الصيت لإعادة التجربة، بعد أن أخذت منه كافة التطمينات المطلوبة، لكنها أصيبت مجدداً بالصدمة بعدما باءت العملية بالفشل.

تقول: “دخلت في اكتئاب عميق، نهشتني المخاوف والهواجس من أن يهجرني زوجي، أو يتزوج امرأة أخرى ليُرزق بطفل، لا سيما أنه يقيم في الخارج، أصبحت حياتي مهددة بعدم الاستقرار وعلى شفير الانهيار،  فظاهرياً يدّعي زوجي أنه لا يكترث للأطفال، لكنه في الحقيقة يكذب، ألتمس ذلك من نظرات الشفقة والنقص نحوي، إنه شعور في غاية الألم والقسوة معاً”.

خلّفت هذه التجربة العديد من الجروح النفسية والجسدية، فتسببت أدوية الإباضة والتنشيط بآلام وإرهاق رافقوا فاطمة لأشهر طويلة، ناهيك عن الألم النفسي، بالإضافة إلى الأعباء المادية، إذ تكبدت حوالي سبعة ملايين ليرة سورية (2,200 دولار)، وهو مبلغ يعد كبيراً بالنسبة للدخل في سوريا حالياً.

مع ذلك، ستحاول فاطمة للمرة الثالثة، كما تقول، وهي لا تنكر أن أحد أسباب محاولاتها المستمرة بالحمل والإنجاب هي المجتمع ونظراته لها، كما لو أنها “كائن ناقص لا يكتمل إلا بإنجاب طفل”.

القانون السوري وموقف الحياد

تصف فاطمة الأطباء بـ”التجاريين” الذين يسعون وراء الربح حصراً، غير عابئين بهموم ومشاعر النساء، و”يفتقر معظمهم لمعايير الإنسانية والمهنية”.

تتمنى السيدة لو أن القانون والشرع السوري يسمحان بالتبرع بالبويضات أسوة بالدول الأوروبية، معلقة: “ليتني أستطيع الحصول على واهبة، الأمر بغاية الصعوبة، فهو ممنوع دينياً وقانونياً ويندرج تحت التجارة بالأعضاء البشرية، لو كان الأمر مسموح لأنهى معاناة العديد من النساء وأنقذ زواج العديد وحقق حلمهن بالأمومة، وأنا أولهن”.

حول هذه القضية، يشير مصدر في وزارة الصحة، لم يكشف عن اسمه، إلى أنه لغاية الآن لم يصدر أي قانون يمنع أو ينظم إجراء تجميد البويضات في سوريا، فالعملية غير مخالفة قانوناً وفي الوقت نفسه غير منظمة، إلا في حال وجود كتاب معمم من قبل وزارة الصحة يضع شروطاً وتوصيات، أو عندما يصدر قانون يمنع إجراءها فتعتبر مخالفة، حسب قوله.

هذا الواقع يؤكد عليه المحامي قيس أنزور قائلاً إن “القانون السوري لم يتطرق إلى مسألة تجميد البويضات والأجنة، لكنه تطرق إلى موضوع تأجير الأرحام الذي يعود للمحاكم الشرعية، وقانون الأحوال الشخصية السوري مستمد من أحكام الشريعة الإسلامية، حيث أن فقهاء الأمة قد أجمعوا على تحريم استئجار الرحم”.

وكان القانون المدني السوري قد نهى في المادة 136 منه أنه إذا كان محل الالتزام مخالف للنظام العام والآداب العامة كان العقد باطلاً، وبالتالي لا يمكن وصف عملية تأجير الأرحام بالقانونية أو البحث في انطوائها تحت مؤسسة عقد الإيجار المعروفة والشائعة في الفكر القانوني لعدم توافر الأركان المطلوبة لقيام هذا العقد.

وصمة المجتمع

مهما بلغت المرأة من مكانة مرموقة في المجتمع، يبقى تأطيرها في إطار الإنجاب مهيمناً على العديد من المجتمعات، ليتم التعامل معها وفق هذا الدور فقط.

دارين التي تبلغ من العمر 36 عاماً، لم تتزوج بعد، وهي تشكو من المحيط الذي يتدخل بأكثر قرارات الشخص خصوصية، كالزواج وإنجاب الأطفال.

لم تجد الشابة الشريك المناسب، فقد مضى على آخر علاقة جدية لها أكثر من عامين. بعد انفصالها الذي تعزوه لـ”عدم وجود توافق فكري”، فكرت بإجراء تجميد البويضات كي لا تضطر لاحقاً للزواج من رجل لا يفهمها، ولإيقاف دوران الساعة البيولوجية للإنجاب والحفاظ على حقها بالأمومة.

“من الآن وصاعداً، لست مجبرة على الخضوع لقوانين المجتمع البالية أو الموافقة على عرض زواج لا يناسبني”، تقول دارين.

توافقها في الرأي آلين (33 عاماً)، وهي عزباء بدورها. بدأت آلين بتناول الأدوية المحرضة للإباضة مؤخراً، وذلك تحضيراً لإجراء تجميد البويضات، بعدما قامت ببيع قطعة ذهبية ثمينة كانت تدخرها لتسديد نفقات العملية.

“أنا متحمسة للغاية لهذه الخطوة، هكذا أكفل حقي بالإنجاب، دون أن يعيّرني المجتمع بذلك ولا أتنازل عن مواصفات الشريك التي أريدها”، تقول الشابة التي ترى أنها تجرأت على القيام بتجميد بويضاتها بعد فسخ خطوبتها  من شريكها السابق بسبب الفقر وعدم قدرته على تحمل نفقات المعيشة وتوفير نفقات طفل.

بالرغم من كون نرجس (30 عاماً) أماً لطفلة ذات أربع سنوات، لكنها خضعت لإجراء تجميد البويضات بعد أن مضى أكثر من خمس سنوات على غياب زوجها الذي أصبح في عداد المفقودين جراء الحرب.

عن تجربتها تقول: “حين كنت حاملاً بطفلتي، فُقد زوجي أثناء توجهه إلى العمل في ريف دمشق، انقطعت أخباره عنا، ولم يعد منذ ذلك الحين إلى المنزل، فقدت الأمل بعودته، أعتقد أنه قتل”، وتتابع حديثها: “ما زلت شابة، ولذلك أفكر بالزواج حين تدخل طفلتي إلى المدرسة، وقد أقدمت على تجميد البويضات كي لا أندم لاحقاً إذا تزوجت من رجل يرغب بإنجاب طفل مني”.

الازدياد الملحوظ لإقبال العازبات على تجميد البويضات زاد من سعي النساء لمعرفة تفاصيل أكثر حول العملية وتقنياتها.

حول آلية تجميد البويضات، تشرح الطبيبة في الأمراض النسائية والتوليد والعقم إيسال الحسن بأنها “عملية تخضع فيها المريضة لبروتوكول تحريض الإباضة عبر إبر تنشيط خاصة”.

ثمة فكرة سائدة تثير مخاوف غير المتزوجات لجهة هذه العملية، لكن الطبيبة توضح أن سحب البويضات يتم للعازبات عن طريق المعدة، وهي عملية مشابهة لعملية التنظير الهضمي، بينما تكون عبر المهبل للمتزوجة ليتم تلقحيها لاحقاً عند الاستعمال حين يقرر الطرفان ثم إعادة زرعها في الرحم.

الازدياد الملحوظ لإقبال العازبات على تجميد البويضات زاد من سعي النساء لمعرفة تفاصيل أكثر حول العملية وتقنياتها

وتتراوح نسبة نجاح إعادة فك تجميد البويضات ما بين 40 إلى 60 في المئة، فيما تصل تكلفة هذا الإجراء إلى حوالي خمسة ملايين ليرة سورية (ألفي دولار بحسب سعر المصرف المركزي)، تشمل جميع المراحل بدءاً من بروتوكول تحريض الإباضة وعملية سحب البويضات وصولاً إلى أجور التجميد والحفظ  التي تصل إلى 10 سنوات، حسب كلام الحسن.

وتُشير الطبيبة إلى أن البويضات أو الأجنة المجمدة تُتلف في حال وفاة أحد الزوجين، نافية استخدامها لغايات البحث العلمي.

وفق الحسن، فبسبب الحرب وتناقص عدد الذكور من فئة الشباب، بين مقتول ومفقود ومسجون ومهاجر، كثر استخدام  تجميد البويضات، مع ذلك تتحفظ العازبات على خضوعهن للإجراء وتشترطن السرية الكاملة خوفاً من نظرة المجتمع لهن.

بين نظرة المجتمع والواقع المستجد

بحسب القاضي الشرعي الأول في دمشق محمود معراوي، قد وصلت نسبة تأخر سن الزواج خلال عامي 2019 و2020 إلى نحو 70 في المئة، عازياً السبب إلى ظروف الحرب المستمرة منذ سنوات، وما رافقها من انخفاض أعداد الذكور سواء ممن توفوا في الحرب أو خطفوا أو سافروا، إلى جانب الأعباء المالية وتكاليف الزواج والمهور المرتفعة والغلاء، مشيراً إلى تساهل القضاء الشرعي مع تعدد الزوجات وإسقاط شرط الكفاءة الاقتصادية للزوج، حسب تعبيره.

هذا الواقع الذي فرضته الظروف الأمنية والاقتصادية ما زال يتخبط مع نظرة المجتمع والتربية التي تفرض منذ الصغر على المرأة ممارسة دورها الإنجابي وحصرها فيه، متسببة للمرأة بضغط نفسي وجسدي كبير، وفق الطبيبة المختصة في الطب النفسي لانا سعيد التي ترى في تقنية تجميد البويضات مصدر اطمئنان، فهو بمثابة بنك يضمن للمرأة ممارسة دور الأمومة في المستقبل، ويخفف منسوب القلق الذي قد يسيطر عليها مع تقدم الوقت أو تعقد ظروف الإنجاب.

* أُنجزت هذه المادة في إطار برنامج تدريب يضم صحافيين من سوريا وفلسطين/غزة واليمن والسودان، من تنظيم “أوان” وبدعم من منظمة “دعم الإعلام الدولي (International Media Support)”.

 
×