في 18 أيلول/سبتمبر 2016، أصدر الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي قرارًا جمهوريًا يقضي بنقل البنك المركزي من العاصمة صنعاء إلى محافظة عدن جنوب اليمن. في المقابل، احتفظت جماعة “أنصار الله” وسلطتُها الناشئة ببنك صنعاء كمصرف موازٍ خاص بتعاملاتها المالية ونشاطها الاقتصادي، يرسُم السياسة النقدية لصنعاء ويدير قطاعها المصرفي.

في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، شرعت حكومة عدن بطبع أوراق نقدية جديدة قُدرت بنحو ترليون و700 مليار ريال، فقابل “الحوثيون” هذا الاجراء بقرارات تحظر تداول الطبعة الجديدة من العملة في نطاق سيطرتهم، ما أدى إلى تباين في أسعار الصرف بين المحافظات اليمنية، وأنتج انقسامًا نقديًا ألقى بظلاله على مختلف المناحي الاقتصادية والمعيشية في البلاد، فأصبح للعملة في مناطق سيطرة “أنصار الله” سعرٌ تختلف قيمته عن سعرها في مناطق سيطرة حكومة هادي.

عملتان لبلد واحد

صارت لليمن إذًا عملتان مختلفتان في الشكل وفي القيمة. ومع تعمّق الانقسام النقدي، ظهرت القيود والمعوقات أمام التحويلات المالية بين المحافظات، ووقعت البلاد في أزمةٍ اقتصادية وإنسانية حادة، وفق توصيف بعثة “صندوق النقد الدولي” إلى اليمن في تقريرها الصادر في الثالث من حزيران/يونيو 2021.

أشار التقرير إلى أن الصراع الدائر في البلاد منذ ستة أعوام تسبّب في إعاقة الاقتصاد اليمني وتقسيم البلاد فعليًا، في الوقت الذي شارفت فيه احتياطيات النقد الأجنبي على النفاذ، وزادت الضغوط على الموازنة بشكل حاد. كما ضاعفت جائحة “كوفيد-19” من الأزمة مع تراجع تحويلات العاملين في الخارج بشكل مضطرد، وانخفاض أسعار النفط وإيراداته، الأمر الذي أدى بدوره إلى هبوط سريع في سعر صرف العملة اليمنية، وارتفاع حاد في أسعار الغذاء.

أدى قرار طبع العملة الجديدة إلى بروز مشكلة تمثلّت بتضخّم رسوم الحوالات المالية من مناطق حكومة عدن إلى مناطق سيطرة “أنصار الله”، والتي تجاوزت في الآونة الأخيرة الـ 62%، فارتدّ ذلك سلبًا على الحياة المعيشية لليمنيين، لا سيما في محافظات سيطرة حكومة عدن.

وتباينت أسعار الصرف بين المحافظات التي تديرها حكومة هادي وتلك الواقعة تحت سيطرة “الحوثيين”. إذ تضبط حكومة “أنصار الله” سعر الصرف في المناطق الخاضعة لها من خلال كبح الطلب وتقليص المعروض النقدي من العملات الأجنبية، نتيجة استخدامها النظام المصرفي الثابت، وإن كان ذلك بشكل غير معلن رسميًا.

ويقول الصحافي الاقتصادي وفيق صالح لـ”أوان” إن هذا النظام المصرفي مناقض بشكل كلّي للنظام المصرفي الذي تعتمده حكومة عدن، وهو نظام التعويم الحر. ويشير إلى أن نظام التعويم الكامل يفتح المجال واسعًا أمام عملية المضاربة والطلب على شراء العملات الصعبة في السوق المصرفية، وهو ما يجعل عملية تحديد سعر الصرف خاضعة لآلية العرض والطلب في السوق المصرفية.

الحوالات الداخلية: توقف جزئي 

أم يوسف (45 عامًا) ربة منزل تقطن في صنعاء، تشكو من توقف الحوالات المالية المعتادة التي كانت تحصل عليها بشكل شهري من نجلها الذي يعمل في محافظة تديرها حكومة عدن، فهو صيدلاني نزح مع أسرته إلى مأرب، وكان يُسهم في تأمين مصاريف أهله.

تروي أم يوسف لـ”أوان” أنها نادرًا ما باتت تحصل على نقود يُرسلها لها ابنها، وتضيف أن “شركات ومحلات الصرافة تخصم أكثر من نصف المبلغ المحول، كعمولة إرسال، بحيث لم يعد المبلغ المتبقي يفي بحاجات العيش”، وهو ما دفع نجلها إلى التوقف عن إرسال الحوالات المالية إلى والدته.

وعلى المنوال نفسه، تشير الصحافية التي تعيش في عدن سعيدة الوصابي إلى أن راتبها لا يكفي لتغطية النفقات المتوجبة عليها، وإلى أنها لم تعد قادرة على مساعدة أهلها القاطنين في صنعاء على مواجهة المصاعب الاقتصادية.

يرى الباحث لدى “اللجنة الاقتصادية العليا” رشيد الحداد، أن ابتداع الحلول لمشكلة الانقسام النقدي، يتمثل بتوحيد قنوات الإيرادات للبنك المركزي في صنعاء وعدن تحت إدارة محايدة

ويرى رئيس “مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي” اليمني مصطفى نصر في حديث لـ”أوان” أن أزمة فارق الصرف بين العملتين في البلاد وما يترتب عليها من رسوم الحوالات، تتطلب تدخلًا عاجلًا من قبل حكومة هادي و”أنصار الله” لتغطية احتياجات السوق المحلية من العملات الأجنبية، ووقف عملية طباعة العملة المحلية والمضاربة بها، في غياب أي غطاء من النقد الأجنبي.

ويلفت نصر إلى أن رسوم الحوالات بين مناطق الحوثيين والحكومة هي “نتيجة مقاصة، بمعنى أن الصراف ملزم في مناطق الحوثيين بأن يعتمد سعر صرف للدولار يساوي 600 ريال يمني، فيما المبلغ نفسه من العملة الجديدة (أي 600 ريال يمني) يساوي 80 سنت”.

انقسام مجتمعي 

بالنسبة لسكان محافظة صنعاء، فإن أسعار الصرف ثابتة ورسوم الحوالات ما زالت ثابتة بدورها، لكن بينهم من يتألم لمعاناة أقاربه القاطنين في مناطق سيطرة حكومة عدن. تقول أم سارة (45 عامًا) إن الفارق في سعر الصرف ووجود عملتين مختلفتين في البلاد، خلقا نوعًا من الانقسام المجتمعي، فـ”في صنعاء لا نتداول بالعملة الجديدة، بل نخاف من امتلاكها ونسعى إلى التخلص منها سريعًا، فيما الأمر يختلف بالنسبة لساكني مناطق الحكومة اليمنية”.

وفي الوقت الذي تعتبر حكومة هادي أن الأزمة نجمت عن قرار “الحوثيين” منع تداول العملة الجديدة في مناطقها، وهو رأي يؤيده الباحث الاقتصادي مصطفى نصر، يرى “الحوثيون” أن سبب الانقسام النقدي وارتفاع عمولة الحوالات يعود في الأساس إلى طباعة حكومة عدن أوراقًا نقدية جديدة من دون غطاء من النقد الأجنبي.

وفي هذا السياق، يوضح رشيد الحداد، الخبير الاقتصادي الذي يعمل مع “اللجنة الاقتصادية العليا” التابعة لحكومة صنعاء، أن قيام حكومة عدن بـ”طباعة العملة من دون غطاء نقدي له آثار تضخمية على الأسعار الأساسية وعلى القوة الشرائية للعملة المحلية”، مضيفًا أن “رسوم الحوالات المالية تشكّل واحدة من أسوأ تداعيات الانقسام النقدي، التي يدفع ثمنها المواطن المغلوب على أمره”، وهو لذلك يشدّد على ضرورة تحييد ملف الاقتصاد عن الصراع الدائر في البلاد.

أما الباحث في الشأن الاقتصادي عبد الواحد العوبلي، فيرى أن حكومة عدن “تقف موقف المتفرج والمتواطئ في قضية العملة”، لكنّه يحمّل أطراف النزاع في اليمن كافة مسؤولية ارتفاع رسوم الحوالات، ويرى أن “الحوثيين” بدورهم “يتحملون القسط الأكبر منها بسبب فرضهم رسوم تحويل الفارق بين العملات الجديدة والقديمة، للاستحواذ على 50 في المئة من هذه الرسوم”. في المقابل، فحين تُرسل الحوالات من المحافظات الواقعة تحت سيطرة “الحوثيين” إلى مناطق سيطرة حكومة هادي، لا تتجاوز الرسوم نسبة 3 في المئة من إجمالي المبلغ الذي يتم تحويله.

تقليص النفقات لتحسين العملة

هل يمكن البحث عن مخارج وحلول لوضع حد لأزمة الانقسام النقدي في اليمن؟

يدعو العوبلي الحكومة اليمنية إلى اتخاذ تدابير لتحسين قيمة العملة، كتقليص التمثيل الدبلوماسي وإغلاق السفارات في الدول التي لا يتواجد فيها رعايا يمنيين. وهو يشدّد على الحاجة إلى قيام الحكومة في عدن بإصدار قرار يقضي بإلغاء العملة القديمة وإعطاء فرصة زمنية للمواطنين لاستبدالها في البنوك، ويرى أن ذلك سيؤدي إلى “إنهاء الانقسام النقدي، والتقليل من حجم السيولة الموجودة في السوق من الريال اليمني”. ويضيف أن على الحكومة ضمان إتمام جميع العمليات المالية المتعلقة بالإيرادات أو النفقات، وفقًا لموازنة تقشفية، تتناسب مع ظروف الحرب التي تمر بها البلاد.

في المقابل، يرى الباحث لدى “اللجنة الاقتصادية العليا” التابعة لـ”الحوثيين” رشيد الحداد، أن ابتداع الحلول لمشكلة الانقسام النقدي وارتفاع عمولة الحوالات، يتمثل بتحييد الاقتصاد الوطني عن الصراع، ومنع طباعة عملة جديدة، وتوحيد قنوات الإيرادات للبنك المركزي في صنعاء وعدن تحت إدارة محايدة، تصرف رواتب موظفي الدولة، وتغطّي احتياجات البلد من الواردات الأساسية من الأسواق الخارجية.

 

* أُنجزت هذه المادة في إطار برنامج تدريب يضم صحافيين من سوريا واليمن وفلسطين/غزة والسودان، من تنظيم “أوان” وبدعم من منظمة “دعم الإعلام الدولي”

 
×