ليس ترفًا أن يخطط ابن غزة للسفر، بل بحثٌ عن بقعة يكون فيها أكثر أمنًا. فالطريق التي يسلكها للانتقال إلى العالم الخارجي مرهقة ماديًا وجسديًا.

المنفذ الوحيد أمام الغزّي إلى أي نقطة خارج القطاع هو معبر رفح الحدودي مع جمهورية مصر العربية. وغالبًا، لا يفكر بالسفر عبره إلا من كان صاحب حاجة، كمريض حصل على تحويل طبي مجاني للعلاج في مصر أو تركيا، أو طالب علم حاز قبولًا في جامعة عربية أو أوروبية، أو عائلة بأكملها قررت الرحيل عن بلدها، فاضطرت لبيع بيتها وتخلى أفرادها عن وظائفهم بحثًا عن فرصة حياة أخرى، بعيدًا عن الحروب والضغوط النفسية والمعيشية القاسية.

وليس سهلًا حين تعيش في قطاع غزة أن تقرر حزمَ حقائبك للسفر وقتما تشاء، فكلّ شيء في البقعة المحاصرة بثمن. وحتى لا تعاني مشقة الطريق عند الخروج من معبر رفح الحدودي إلى مصر ومنها إلى أي محطة أخرى، أمامُك خياران؛ إما الانتظار حتى يحين دورُك في كشف المسافرين فتتكبّد عناء التفتيش طيلة الطريق، أو “التنسيق” من خلال دفع مبلغ من المال.

و”التنسيق” وظيفته مساعدة المسافر على تفادي إرهاق الحواجز والكمائن التي تنتظر المسافرين لتفتيش حقائبهم أكثر من خمس مرات طيلة الطريق، بالإضافة إلى أنه يوفر وقت المسافر، فبدلًا من أن تستغرق رحلته يومين للوصول إلى مطار القاهرة، يمكنه الوصول بثماني ساعات.

و”التنسيق” معروف بين المواطنين الراغبين بالسفر، إذ يدركون سلفًا أن عليهم دفع أموال تُرسل لبعض المنتفعين من الجانب المصري، عبر وسطاء لهم في قطاع غزة.

سفر مكلف

بعد كل عدوان إسرائيلي على غزة التي تبلغ مساحتها 360 كيلومترًا مربعًا، ويخسر فيه الغزيون بفعل صواريخ الاحتلال وأسلحته المحرمة دوليًا عشرات الأرواح فضلًا عن تكبدهم مئات الإصابات، يبدأ كل فرد بإعادة حساباته بعد خروجه من المعركة سالمًا، فتراوده فكرة الهجرة أو السفر من أجل تحسين المزاج.

“سيف القدس” كان اسم الحرب الأخيرة التي دارت رحاها طيلة أحد عشر يومًا، وهي التي دفعت العشرات من العائلات إلى التفكير، ولأول مرة، بالخروج لتمضية عطلة صيفية بعيدًا عن الدمار والقلق. ومع أن الأمر مرهق ماديًا وجسديًا، إلا أن كثرًا قرروا خوض التجربة.

طيلة أيام العدوان الأخيرة، كانت الصواريخ تسقط بالقرب من بيت الشابة فرح (21 عامًا) التي تسكن في حي الرمال. تضرر بيتها وفقدت صديقتها وجيرانها من عائلة أبو عوف، وكادت أن تفقد حياتها وعائلتها بفعل صاروخ سقط في باحة بيتهم، لكنه لحسن الحظ لم ينفجر.

تمنع السلطات المصرية – لأسباب تصفها بالأمنية – دخولَ الفلسطينيين دون سن الـ40 أراضيها من دون سبب واضح للسفر

حين انتهت الحرب، قررت عائلة فرح زيارة أقاربها في الإمارات. كل من أفراد العائلة بحاجة إلى جواز سفر تكلفته 100 دولار، بينما تتجاوز تكلفة التأشيرة وتذكرة الطيران الـ500 دولار، وهي تكاليف سيدفعون أضعافها مقابل الخروج من قطاع غزة عبر “التنسيق” عند معبر رفح، والتي تصل إلى 700 دولار للفرد الواحد.

تقول فرح: “جرت العادة أن يأتي أقاربنا لزيارتنا في غزة، لكن هذه المرة وبإصرار منهم ورغبة منا، قررنا السفر، وبرغم أن الأمر مكلف ماديًا، فلا قيمة لذلك مقابل أن ننعم بأيام من الأمان بعيدًا عن صوت الزنّانة (طائرة إسرائيلية حربية تحوم في أجواء القطاع على مدار الساعة)”.

تروي فرح ما شعرت به عند وصولها. تقول: “بمجرد هبوط الطائرة في مطار دبي تنفست الصعداء، فلا صواريخ ولا أخبار عن موت ودمار، وطيلة الطريق إلى بيت أقاربنا كنت أظن أني سأرى بيوتًا مهدمة، فالصور لا تفارق خيالي، لكني انبهرت بالمباني الشاهقة والشوارع الممهدة”.

لم تستطع فرح منع نفسها من عقد المقارنة بين غزة وبين مكان إجازتها. تقول ساخرة من نفسها: “هل تصدقين أني اشتقت لغزة بمجرد أن خُتم على جواز سفري عند دخول الأراضي المصرية؟ اشتقت لقطع الكهرباء والماء. إنها لعنة غزة تصاحبنا في كل مكان”.

أما أشرف الشيخ (33 عامًا)، فهو متزوج وأب لثلاثة أطفال، وكان يعمل في القطاع الخاص ويتقاضى راتبًا يصل إلى 1500 دولار، وهو بذلك يُعتبر بالنسبة للغزيين في وضع مادي ممتاز، لكنه فضّل الرحيل عن غزة برفقة عائلته.

يحكي أنه بعدما انتهى العدوان الأخير، شعر بأنه فقير للحرية، فترك وظيفته وفرّ إلى تركيا بحثًا عن حياة آمنة.

يصف رحلته بالصعبة، لا سيما أنه اضطر إلى دفع أكثر من خمسة آلاف دولار للسفر خارج غزة، كونه ممنوع أمنيًا من السفر عبر معبر رفح من قبل السلطات المصرية، بسبب سنه، مشيرًا إلى أنه اضطر إلى دفع المبلغ بسبب غياب وسيلة للفرار إلا عبر هذا المنفذ الوحيد.

ما يزيد من صعوبة التنقل بالنسبة لكثير من الغزيين أن السلطات المصرية تمنع – لأسباب تصفها بالأمنية – دخولَ الفلسطينيين دون سن الـ40 أراضيها من دون سبب واضح للسفر، كحال الطالب الذي يحتاج إلى إكمال تعليمه، أو المريض الذي يحتاج إلى علاج، أو المسافر الذي يحتاج إلى تجديد إقامته أو تأشيرته أو عقد عمله.

“البعد عن الوطن والأهل ليس سهلًا، لكن حين أفكر بنفسي وصغاري أدرك أن ما فعلته هو الصواب، فأنا لا أريد خسارة حياتي وحياة صغاري بصاروخ حربي، وأنا بعيد عن ساحة المعركة”.

هذا ما يقوله أشرف في معرض شرحه لأسباب قراره بالهجرة، وهو الذي يُعتبر من الشباب المحظوظين في غزة، كونه يمتلك القليل من المال الذي يسمح له بالسفر من أجل مستقبل أبنائه.

وعند الحديث عن مستقبل أولاده، يُذكّر أنه خلال العدوان الأخير كاد أن يفقد عقله من هول الفزع الذي عاشه وصغاره، فدموعهم وتوسلاتهم إليه كي يحميهم جعلته ضعيفًا أمام حجم القصف المروع. لذا، فهو يرى أن السفر كان الحل الأنسب له.

إغلاق المعبر بشكل مفاجئ

ما دفع العشرات من الغزيين للسفر بحثًا عن الراحة بعد العدوان، هو أن الكثير من العائدين إلى القطاع والمقيمين في الخارج حين يأتون لزيارة الأقارب أو حضور مناسبة عائلية، غالبًا ما يعلقون بسبب إغلاق معبر رفح، وهو ما يجعلهم في بعض الأحيان يخسرون أعمالهم بسبب تغيبهم الطويل بفعل الإغلاق.

الشاب سليم صلاح (35 عامًا) الذي يعمل في مجال التجارة في تركيا، لم يحتمل البعد عن عائلته، فقرر أن يأتي لزيارتهم بعد العدوان الأخير والاطمئنان عليهم.

بعد تحسن عمل معبر رفح، قرر سليم العودة، فدفع المبلغ المطلوب للتنسيق حتى يصل كما يقول في اليوم ذاته من دون إرهاق، وحجز تذكرة العودة بعد ثلاثة أسابيع من الزيارة. لكنه بقي عالقًا لفترة أطول من المتوقع بسبب إغلاق المعبر بشكل مفاجئ.

خسر سليم تذكرة العودة، فاضطر للحجز من جديد، وفور الإعلان عن فتح المعبر حجز مقعدًا في باصات التنسيق ليضمن سفره.

يقول: “السفر في بلدي يُحسب له ألف حساب، فهو مرهق من كل النواحي، يجعلك قلقًا طيلة الوقت بسبب المعبر الذي يغلق بشكل مفاجئ، وعند فتحه تكون أولوية السفر لمن يدفع تنسيقًا”.

هكذا، لتخرج من تلك البقعة الجغرافية التي تتسع لمليوني نسمة، لا يكون قرار السفر بيدك في معظم الأحيان. فإن لم يكن لديك سبب طارئ، قد تنجح فقط في حال دفعت مبلغًا كبيرًا بالدولار، أو تخلّيت عن “تحويشة العمر”.

* أُنجزت هذه المادة في إطار برنامج تدريب يضم صحافيين من سوريا واليمن وفلسطين/غزة والسودان، من تنظيم “أوان” وبدعم من منظمة “دعم الإعلام الدولي”

 
×