قبل ساعات قليلة من الاستحقاق النيابي اللبناني، تبرز ثوابت انتخابية في منطقة المتن الشمالي تكاد لا تتغيّر بين دورة وأخرى: الزفت الانتخابي، الصور واللافتات من أقصى جبال المتن حتى ساحله، جولات المرشحين المرفقة بالكثير من الإيمان والتقوى، وتجلّيات المعركة بين “الأحزاب المسيحية” في أحاديث الناس.

تلعب شخصية المرشح دورًا رئيسيًا في المعركة الانتخابية في المتن، فيما تكاد البرامج الانتخابية تكون مجرد شكليّات ولزوم “العرس الانتخابي”، أقلّه في معظم الحالات. ولعلّ “أصدق” المرشحين هو ميشال المرّ الحفيد، إذ ورث زعامة جدّه النائب الراحل ميشال المر، ونال غطاء والده الوزير السابق الياس المر وجدّه الثاني رئيس الجمهورية الأسبق إميل لحود. لذلك لم يجد المرّ نفسه محتاجًا إلى تقديم برنامج انتخابي، وبصريح العبارة قال: “لم أعتد الكذب، لم أضع برنامج انتخابي كي لا تحاسبوني لاحقا لأنّي لم أنفّذه”.

في المتن الشمالي ست لوائح متنافسة: لائحة “متن التغيير” (الكتائب)، و”متن الحرية” (القوات اللبنانية)، و”كنا ورح نبقى للمتن” (التيار الوطني الحر)، و”متنيّون سياديّون” (مستقلون ومقربون من “الكتائب”)، و”معًا أقوى” (ميشال المر و”الحزب السوري القومي الاجتماعي” و”حزب الطاشناق”)، فضلًا عن لائحة “نحو الدولة” (حركة “مواطنون ومواطنات في دولة” ومجموعة “طلعت ريحتكم” وشبكة “مدى”). وبين اللوائح الست، وحدها لائحة المر مكتملة، فيما يخوض “التيار الوطني الحر” المعركة منفردًا بعد خسارته حليفيه “القومي” و”الطاشناق”.

الانهيار في مقدّمة البرامج

مهّد حزب “الكتائب” برنامجه المؤلف من 178 نقطة بقراءة عامة لواقع البلاد، خصوصًا الانهيار الاقتصاديّ الذي ردّه إلى “المحاصصة والفساد والسلاح والتعطيل الممنهج للمؤسسات الدستورية”، راميًا مسؤولية فشل الانتفاضة الشعبية عام 2019 على “المنظومة السياسية ومن خلفها حزب الله وأدواته المؤسساتية”.

في برنامجه، كما في خطابات مرشحيه، يصبّ حزب “الكتائب” هجومه بشكلٍ رئيسي على “حزب الله”، ويربط “حلّ الأزمة” بسحب سلاحه، معتبرًا أن لبنان “محتلّ” من قبل الأخير منذ انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية عام 2016، ومستثمرًا بهذا الخطاب لتعزيز العصبيّة في أوساط “اليمين المسيحي”.

وفي حين يعلن “التيار الوطني الحرّ” في برنامجه تبنّيه مطلب الدولة المدنية، والتزامه مكافحة الفساد وحماية حقوق المودعين وتحقيق العدالة في انفجار مرفأ بيروت، فإنّه لا يقدّم أيّ شرح لأسباب الانهيار الاقتصادي ومقدّماته. بينما يغيب تشخيص الأزمة الاقتصادية عن برنامج “القوات” التي ركّزت هجومها أسوة بالـ”الكتائب” على “حزب الله”، معتبرة أن الحل يبدأ بسحب سلاح الأخير توازيًا مع محاربة الفساد.

لا يذكر برنامج “مواطنون ومواطنات في دولة” قضايا تتصل بحقوق المرأة على نحو خاص، لكن النساء يشكّلن غالبية مرشحي اللائحة

في المقابل، يقدّم “الحزب السوري القومي الاجتماعي” رؤية عامة حول شكل الدولة والإصلاح السياسي، معيدًا الأزمة الاقتصادية الراهنة إلى الرّيع والمديونيّة والعمولات والاستهلاك والاحتكار.

أما حركة “مواطنون ومواطنات في دولة” فتقدّم برنامجًا مقتضبًا، هو عبارة عن ملخّص لكتابي “الدولة والاقتصاد” و”طقوسية اللا-دولة الطائفية: الانتخابات النيابية 2016-2019″، تركّز فيه على أزمة الحكم بشكلٍ عام، وتقدّم خطة عمل لإنقاذ لبنان تبدأ بتسليم السلطة لحكومة انتقالية ذات صلاحيات استثنائية.

حلول الأزمة المقترحة

تعود أسباب الأزمة الاقتصاديّة، بحسب “الكتائب”، إلى النموذج الاقتصادي الذي اعتُمد عقب اتفاق “الطائف”. من هنا يقترح الحزب إصلاح هذا النموذج عبر جملة من الإجراءات، بينها إقرار ضريبة تصاعديّة موحّدة على الدخل، وخفض الضريبة على القيمة المضافة للسلع الأساسية، وفرض ضريبة تضامنيّة على ثروات الأسر التي تتجاوز ثروتها عتبة محدّدة (5 ملايين دولار)، علاوة على ضريبة الدخل. كما يدعو الحزب الى التفاوض مع الدائنين وإعادة هيكلة حاسمة للدين الذي بات يقارب الـ 200% من الناتج المحلي الإجمالي، بهدف تخفيض حجمه إلى ما دون الـ 90% على مدى السنوات الأربع المقبلة، ويقترح في موازاة ذلك خصخصة بعض قطاعات الدولة.

بدوره، يعتبر “التيار الوطني الحر” أن حلّ الأزمة الاقتصادية يبدأ بتطبيق التدقيق الجنائي و”الكابيتال كونترول”، ويقترح إعادة هيكلة النظام المصرفي وإقرار “نظام عادل للضرائب”. ويتشارك التيار مع “الكتائب” و”القوات اللبنانية” مطلب إنشاء صندوق سيادي مؤقت، يضم أصول مصرف لبنان وأملاك الدولة ومؤسساتها، ويُدار من قبل جهة مستقلة تعيّنها الحكومة “لتحسين إدارة هذه الاصول”، على أن يسترد المودعون أموالهم من الأرباح التي تحقّقها هذه المؤسسات.

وفي حين تخوض هذه الأحزاب الثلاثة معركة شرسة على مقعد كاثوليكي (بين مرشح “القوات” ملحم الرياشي ومرشح “التيار الوطني الحر” إدغار معلوف) وآخر ماروني، برز منافس جديّ على المقعد الأخير هو المرشح جاد غصن عن لائحة “نحو الدولة”. ويقدّم غصن نفسه (ولائحته) كنقيض لهذه القوى وداعميها، على اعتبار أن حماستها لبيع أملاك الدولة بقصد إطفاء خسائر القطاع المصرفي، تجعل منها حليفًا موضوعيًا لشبكة من مالكي المصارف وكبار المستفيدين منها.

في المقابل، يعارض “الحزب السوري القومي الاجتماعي” المساس بممتلكات الدّولة واحتياطي الذّهب. وبرغم تقديمه مقاربة تولي أهميّة للحفاظ على دور الدولة وموجوداتها، فإن خوضه المعركة في المتن الى جانب آل المر يضعه بحسب خصومه أمام تناقض مع هذه الشعارات، نظرًا للصورة التي التصقت بآل المرّ لناحية توظيفها مقدرات الدولة بغرض تنمية شبكة المحسوبيات اللصيقة بها.

أما حركة “مواطنون ومواطنات في دولة” (لائحة “نحو الدولة” التي تضم غصن)، فتركّز على الحاجة إلى “توجيه الدخل المتحقّق أو المقتطع عبر الضرائب، بأقصى قدر ممكن، صوب الاستثمار الإنتاجي” بغرض تخفيف العجز المتراكم في ميزان المدفوعات، على أن يترافق ذلك مع إعادة صياغة النظام الضريبي وإعادة هيكلة النظام المصرفي قبل انتهاء أيّ تفاوض مع الدائنين، مع تحميل أصحاب المصارف تبعات إساءة الأمانة تجاه المودعين.

المرأة وتمثيلها

خلال انتفاضة 17 تشرين، برز دور فاعل للفتيات والنساء اللبنانيات كسر من الصورة النمطيّة حول غياب دورهنّ في النشاط السياسي. ورفعت خلال التظاهرات شعارات ومطالب تتصل بالحاجة إلى قوانين تحمي النساء وتجرّم التحرّش و”جرائم الشرف” والعنف الأسري، بالإضافة إلى المساواة في سوق العمل والأجور وتعديل قوانين الحضانة الظالمة بحق المرأة. في ما يلي قراءة سريعة لقضايا المرأة في برامج الأحزاب الرئيسية المشاركة، مقارنة بنسبة النساء في لوائح هذه الأحزاب:

ينصّ برنامج “الكتائب” على وجوب “إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة في قوانين الأحوال الشخصية والعقوبات والعمل والضمان الاجتماعي”، وعلى “تحديد 18 سنة كحدّ أدنى للزواج” و”اعتماد نظام الكوتا النسائية بنسبة 30% على الأقل في الانتخابات النيابية والبلدية وشتى مجالات الوظائف العامة”. أما نسبة تمثيل النساء في لائحة “الكتائب” في المتن فيبلغ 28.5%.

في المقابل، يدعو برنامج “الحزب السوري القومي الاجتماعي” إلى “إعطاء المرأة امتيازات في أنظمة التّأمينات في الدّولة لتحمّلها أعباء الحمل والولادة والحفاظ على التّرابط الأسري”، وإلى “إنزال أشدّ العقوبات بمرتكبي جريمة الشّرف”. وتتمثل النساء في لائحة “معًا أقوى” التي تضم الحزب بـ37.5%.

وفي حين يدعو برنامج “التيار” إلى “إقرار قانون الكوتا النسائية مرحليًا”، فإن العنصر النسائي في لائحته في المتن يمثل 0%. بينما يدعو برنامج “القوات” إلى “إزالة كل تمييز أو إجحاف بحق المرأة في منظومة القوانين اللبنانية” من دون تحديد ماهيّة الإجحاف وكيفيّة إزالته، علمًا بأن النساء يتمثلن في لائحة “القوات” في المتن بـ0% أيضًا، شأنها شأن لائحة “متنيون سياديون”.

أما برنامج “مواطنون ومواطنات في دولة”، فلا يذكر قضايا تتصل بحقوق المرأة على نحو خاص، لكن النساء يشكّلن غالبية مرشحي اللائحة (60% منهم).

 

* أُنجز هذا التقرير بدعم من “صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية” UNDEF ومنظمة “صحافيون من أجل حقوق الإنسان” Journalists for Human Rights.

المزيد من هذا المؤلف

 
×