تُحارب الصحافيات المستقلات في سوريا على جبهتين؛ تتمثل الأولى في نظام اجتماعي أبويّ يحصُر أدوارهنّ في مجالات محدّدة ويعرّضهنّ للعقاب في حال خرجن عن الأطر المرسومة لهنّ، وتتمثل الثانية في نظام سياسي تغيب فيه العدالة الاجتماعية ويغيب معها التمثيلُ النسائي أو يكاد.

وللنظامين بنية واحدة، أساسها الإقصاء وكتم الأصوات وسلب الحريات والسيطرة على الأجساد. وهما في سوريا يتقاطعان بشكل يضاعف من التحديات والعقبات التي تواجهها النساء في عملهن.

فبينما يقيّد النظام الأبوي حريّة الصحافيات ويعرضهن للتهميش، يكمل النظام السياسي دور الأخير عبر استبداد سياسي قائم على العنف الممنهج والاعتقال التعسفي والتغييب القسري.

كُحل وعتمة

“تفتيش عالواقف، حَسَّس عبطني. سكاكين مش لاقي، بس راح عَبَطني [….] ملعون أبو كل جندي قلّي وقّف، ملعون أبو كل شرطي قلّي وقّف”.

يعود بي هذا المقطع من أغنية “كحل وعتمة” لمغني الراب الفلسطيني “شب جديد” إلى قصة روتها لي صديقة تعمل في مجالَي الصحافة وإنتاج الأفلام وثائقية، بينما كنا نقضي العطلة في أحد الأماكن الجبلية على الساحل السوري.

“كنت في طريقي إلى الغرفة التي استأجرتُها حديثًا في حيٍّ شعبي، عندما لمحتُ في زاوية الشارع مجموعة من المسلحين يلبس بعضهم الزيّ العسكري، وتقف على مسافة قريبة منهم ثلاث نساء يرتدين عباءات سوداء مع حجاب للرأس. كان هذا في مطلع عام 2016، يوم كان عدد الفصائل المسلّحة المتنازعة في سوريا يتعاظم. لذلك، لم أستطع تحديد انتماءات المسلّحين. الأمر الوحيد الذي كنت متأكدة منه في تلك اللحظة، هو أنّني في ورطة.” 

تتابع فوز قصتها: “توجّهت النساء الثلاث نحوي لدى اقترابي من التجمّع المذكور، واعترضن طريقي لمنعي من المرور. خاطبتني إحداهنّ بتأنيب ممزوج بقرف؛ “لباسك عيب وحرام”. ثم أومأَ أحد الرجال برأسه كمن يعطي النساء الضوء الأخضر لتفتيشي”. 

تقول فوز إنها قاومَتهم بالصراخ أولًا، قبل أن تمسكها إحداهنّ بقبضتها، ويوجّه أحد الرجال سلاحه نحوها ناهرًا إياها: “إهدي ولي حمارة”. لم تكن فوز تحمل سوى لابتوب وكاميرا وهاتف قديم جدًا. انتزعت إحداهن الحقيبة منها ومرّرتها لأحد الرجال، بينما شَرعت الأخرى بتفتيشها ممرّرة يديها فوق كامل جسدها. وفيما الرجال من خلفها يتهامسون ويضحكون، أخذت هي تبكي بصمت. لقد شعرَت أن الحادثة تلك تمثّل آخر انتهاك لجسدها يمكنها أن تتحمّله في هذه البلاد.

لدى التعريف عن نفسها كـ”صحافية مستقلة”، سألتها السيدة باستغراب ممزوج بحذر: “شو يعني مستقلة؟”

“طيّب ليه بتحطّوا حالكن بهالمواقف؟”، قال صديق جالس معنا مقاطعًا فوز أثناء رواية قصّتها، وأردف: “بدّك تِحملي كاميرا وتلبسي قصير وضيّق بالشام بعزّ الحرب، وما حدا يقرب عليكِ؟”.

انتهى اللقاء هنا. وجّهت فوز إلى الصديق الذي يجالسنا سيلًا من الشتائم، وطردته من الجلسة. اعتقدَ المسكين أنها تمزح في البداية. بالنسبة لها، شكّل تعليقه استهزاءً بتجربة طويلة ومريرة من الانتهاكات والتحرّشات. وما لم تتمكن من قوله عند الحاجز المسلّح، أوردته خلال انفعالها بوجه هذا الصديق.

من هن المستقلّات؟

دخل مفهوم الصحافي المستقلّ إلى سوريا في أوائل سنوات الحرب، حين راح مواطنون يصوّرون الأحداث حولهم، من قمع للتظاهرات وقصف وخلاف ذلك، ويرسلونها إلى قنوات ومواقع إخبارية، أو يشاركونها على مواقع التواصل الاجتماعي أو على مدوَّناتهم الخاصة. بعض النساء تمرّدن في هذه المرحلة على السلطة الذكورية التي اعتادت حصر أدوارهنّ الجندريّة وتنميطها، واخترقن المساحات التي كانت حكرًا على الرجال، فشاركن في التظاهرات وفي إنتاج المحتوى الرقمي، و كُنَّ في بعض المناطق، أحيانًا، المصدر الوحيد للمعلومات الموثوقة. 

رقيَّة حسن، المواطنة الصحافية التي لم تخضع لتدريب صحافي قط، استطاعت مثلًا أن توثِّق الكثير من انتهاكات الأطراف المتنازعة في منطقتها من خلال صفحتها الشخصية على “فيسبوك”. لاحقًا، قامت رقيّة بتوثيق الأحداث المرافقة لدخول “داعش” مدينتها الرقة، والعيش فيها في ظلّ سيطرة تنظيم “الدولة”.

اختارت رقيَّة اسم “بيسان ابراهيم” كبديل عن اسمها الحقيقي لتوقيع منشوراتها الصحافية، لكنّ ذلك لم يكن كافيًا للحفاظ على سلامتها، علمًا بأنها، في منشورها الأخير على “فيسبوك” في تموز/يوليو 2015، كتبت التالي: “عندما يعتقلني جنود داعش ويقتلوني […] سأكون قد احتفظت بكرامتي، وهذا أفضل من العيش في الذل”.

بعد فترة وجيزة، تحقّقت نبوءة رقيّة. وحتى اللحظة، لم يتمكّن أهلها من معرفة مكان دفنها، شأنهم شأن عائلاتِ خمسِ نساءٍ تمَّت تصفيتهنّ معها لأسباب مشابهة، تتعلق بتمرُّدهن على قيود سلطة اجتماعية أو سياسية، وفضح انتهاكاتها.

بشكل عام، يمكن القول إن مفهوم “الصحافي/ة المستقل/ة” ما زال يشكّل مدعاة لاستغراب الكثير من السوريين. وتحضرني هنا قصة مها (اسم مستعار)، إحدى الصحافيات المستقلّات العاملات في مدينة السويداء، التي حَكَت لي أنها، أثناء حديثها مع سيدة تعمل مع المعوّقين بغرض كتابة قصّة صحافية مُلهمة عنها، قامت السيدة بسؤالها عن الجهة التي تعمل لصالحها. ولدى التعريف عن نفسها كـ”صحافية مستقلة”، سألتها السيدة باستغراب ممزوج بحذر: “شو يعني مستقلة؟”. لاحقًا، حين حاولت مها التواصل معها مجددًا، رفضت السيدة مقابلتها أو التحدث إليها حتّى. تشرح مها السبّب قائلة إن عدم عملها مع الإعلام الرسمي يخلق انطباعًا في الغالب مفاده أنها تعمل مع جهات أجنبية أو “مُعارضة”، وهي صلة (مُفترضة) قد تعرِّض المتعاونين مع مها للخطر.

يوهنَّ عزيمة الأمة 

من بين معايير اختيار مصادر المعلومات الصحافية، خصوصًا في بلد مثل سوريا، أن يكون مصدر المعلومات محطّ ثقة. إذ لا يكفي أن يكون من أصحاب الخبرة أو المعرفة أو الاطلاع على أمر ما، بل عليه، في كثير من الأحيان، أن يحفظ سرِّية المقابلة التي أُجريت معه كي لا يتعرض ويعرّض الصحافي معه للخطر. فالعمل مع مؤسسات إعلامية خارج سوريا قد يعرّض الصحافيين إلى المساءلة الأمنية، وربما الاعتقال في حال اتهامهم بالتعامل مع جهات أجنبية لتهديد أمن البلاد وتوهين عزيمة الأمة. وتعتمد فرص النجاة من تهمة من هذا النوع على العلاقات والمعارف أولًا، وعلى رضا الجهات الأمنية ثانيًا. 

يؤثر هذا الأمر سلبًا على قدرة الحصول على المعلومات، وعلى تنوِّع هذه المعلومات ومصادرها، حيث تجد الصحافيّات أنفسهنّ مضطرات دائمًا إلى اختيار السلامة على الإفاضة في البحث عن مصادر لما في ذلك من مخاطر. تخبرني الصحافية ريم (اسم مستعار) من اللاذقية أنها تجد نفسها مُلزمة بالركون حصرًا إلى المصادر التي تعرفها شخصيًا، أو تلك التي يصلها بها أشخاص موثوقون. ويبرز التحدي في حالات كهذه حين لا تتقاطع معلومات المصادر مع الفرضيّة التي تقوم عليها قصّتها الصحافية. حينذاك، ستجد نفسها مضطرة إما إلى التخلي عن المادة الصحافية لعدم اتساقها أو إلى عرض ما لديها من معلومات برغم عدم كفايتها.

غير أن هاجس ريم غير محصور بالتحديات الأمنية المرافقة لعملها. وحين أطلب منها أن تستفيض في حديثها عن الموضوع، تُخرج من حقيبتها السوداء الكبيرة أوراقًا ملوّنة يحتوي كلّ منها على عبارات مكتوبة بخطٍ غير مفهوم. ثمّ تسحب علبة السجائر من أسفل الحقيبة وتُشعل سيجارة وتنفُث مبتسمةً بتوتّر: “هذا قاموس المتحرّشين”.

“الأمنِيَّات” نساء يشكّلن أذرعًا أمنية للسلطة في إدلب، ويتكوّنّ من نساء يمارسن استبدادًا سياسيًا وذكوريًا على أقرانهن النساء، بحجة تطبيق الشريعة الإسلامية

تشرح لي ريم أنها تعرّضت إلى مواقف تحرّش عدّة خلال مسيرتها القصيرة في مجال الصحافة. في إحدى المرات، كانت ترغب بالحديث مع أحد ملَّاك مشاغل الألبسة في اللاذقية وريفها بغرض إتمام مادة صحافية، فنشرت طلبها على “فيسبوك”. لم يمرّ وقت طويل قبل أن يتواصلَ معها شخص قال إنّه يدير مشغلًا كبيرًا في قرية كرسانا، وقادر على تزويدها بما تريده من معلومات. لم يسأل الشاب الذي بدا من صورته أربعينيًا أيَّ شيء عن طبيعة القصة الصحافية أو الجهة الناشرة، واكتفى بالإصرار على اللقاء في منزله بحجَّة عدم وجود مقاهي في القرية. وعندما أخبرَته ريم أنها تفضّل ترتيب اللقاء في المشغل حتى تُعاين مسار العمل بنفسها وتلتقط بعض الصور، قَبِل بشرط أن تأتي وحدها، وأتبع ذلك برسالة عبر “واتساب” أرفقها برمز تعبيريٍ يغمز: “أنا مشانك، مشان الناس ما تكتشف إنك بتشتغلي بالخفا عن الدولة وتتبهدلي. عندي بالمكتب لحالنا. إنتِ بحمايتي”. بعدها قامت ريم بحظره على وسائط التواصل كافة، وظلّت خائفة لفترة من أن يُلفِّق هذا الشخص تهمة لها، وتخلَّت عن كتابة القصة بطبيعة الحال.

“لمثل هذه الأسباب ألجأ إلى الكتابة الإبداعية”، تقول ريم، ثم تضيف: “لا أحتاج في المادة الإبداعية إلى الكثير من المصادر، ولا أواجه تحدّيات أو فخاخ أمنية، برغم أن هذا النوع من الكتابة لا يمثّل ما أرغب بتقديمه كصحافية”.

ذكرتني ريم أثناء حديثنا بقصة مديرة صفحة “شبكة أخبار اللاذقية .L.N.N” على “فيسبوك” ندى مشرقي، التي اعتُقلت في أيار/مايو 2020 مع زوجها الذي يساعدها في إدارة الصفحة، وذلك إثر منشور فضحت فيه قضية فساد قضائي. وقد جاء في محضر التحقيق آنذاك أنّ المُدَّعى عليها مُتَّهمة بـ”ارتكاب جرم نشر أخبار كاذبة للنيل من هيبة الدولة وتحقير السلطة القضائية”. 

تُشكِّل تهم فضفاضة من هذا النوع غطاء قانونيًا لقمع حرية الرأي والتعبير، وتستند في الغالب إلى قانون الإعلام الإلكتروني رقم “26” لعام 2011، الذي يهدف إلى “تنظيم التواصل مع العموم عبر الشبكات، ووضع ضوابط للإعلام والنشر الذي يتم عبر المواقع الإلكترونية”، بالإضافة إلى قانون عام 2018 لمعاقبة الجرائم الإلكترونية، التي تنوَّعت منذ ذلك الحين ما بين النيل من هيبة الدولة وإضعاف الشعور القومي، وصولًا إلى تعكير الصفاء الشعبي وتوهين عزيمة الأمة، وطالت العديد من الصحافيات والناشطات وحتى الفنّانات بسبب انتقادهن إجراءات حكومية على وسائط التواصل الاجتماعي.

سلطة مختلفة، قمع واحد

مع تعدّد “الأنظمة” الحاكمة في سوريا، بين نظام دمشق وحكومة الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي و”حكومة الإنقاذ” في إدلب، تباينت أوضاع الصحافيات تبعًا لتواجدهن الجغرافي.

واجهت إيمان (اسم مستعار)، وهي صحافية إذاعية مستقلة من مدينة إدلب، العديد من المصاعب منذ بداية عملها في الصحافة في ظل سيطرة هيئة “تحرير الشام”. وأخذت الضغوط عليها شكل مضايقات كلامية وتشويه سمعة في البداية، قبل أن تنتهي بسلب صوتها عبر إلزامها باستخدام تقنيات لتضخيمه حتى يُشبه صوت الرجل، بحجة أن صوت المرأة عورة.

في كلّ مرّة أنشر مقالة باسم مستعار، أشعر كالأم التي تعطي طفلها للتبني

تركَت إيمان عملها في الراديو واتَّجهت نحو الصحافة المكتوبة والمصوَّرة، لكنها في معظم الأحيان لا تستطيع الحصول على موافقة أمنية للتصوير، لمجرّد كونها امرأة. “وحتى حين أحصل على تصريح”، تضيف إيمان، “فإنّي أتنقَّل كالسارقة من مكان إلى آخر، لأني أريد العودة إلى المنزل بأقلِّ الخسائر، ومن دون مواجهات مع الفصائل أو الأمنِيَّات”.

و”الأمنِيَّات” هنّ نساء يشكّلن أذرعًا أمنية للسلطة الحاكمة في إدلب، ويتكوّنّ من نساء يمارسن استبدادًا سياسيًا وذكوريًا على أقرانهن النساء، بحجة تطبيق الشريعة الإسلامية. استطاعت الفصائل الإسلامية من خلال الأمنيَّات أن “تضبط” النساء، وتمارس سلطتها عليهن من دون تدخل مباشر. وتتواجد الأمنِيَّات في الجامعات وأماكن الترفيه والمطاعم لمراقبة تحركات النساء ولباسهن، ومعاقبة من ترتكب “خطيئة” منهن، كرفع الصوت في مكان عام مثلًا. لذلك، تواجه الصحافيات في إدلب قمعًا وتضييقًا على أكثر من مستوى. ومع ذلك، فإنهن يقاومن، ويبتكرن طرقًا جديدة لإيصال أصواتهن وواقع الاضطهاد حولهنّ.

ما العمل؟

سألتُ الصحافيات اللواتي قابلتهن عن رأيهنّ في ما يتعلق بكيفيّة أداء الصحافة دورًا يعكس الواقع السوري بدقّة ويُفيد في تحسينه. برأي إيمان، فإن تدريب المواطنين الصحافيين أو الصحافيين الجُدد على كتابة الخبر وصناعة القصص الصحافية كما كان يتمّ في السابق، لم يعُد كافيًا. إذ إنّ حال المتلقِّي السوري اليوم هو كحال السجين الذي يعتاد جسده على ضربات السَّوط وتغدو مأساته روتينًا يوميًا لا أكثر. لذلك، ثمّة حاجة، برأي إيمان، إلى التركيز على صوغ سياسات تحريريّة مهنيّة ومدوّنات سلوكيّة أخلاقيّة.

في المقابل، ترى فوز أنه ما زال بالإمكان الالتفاف على المواضيع الحساسة ومعالجتها من زوايا غير تقليدية. “علينا البحث في تفاصيل الحياة اليومية بشكل أعمق، في التنقّل والطعام والعلاقات الاجتماعيّة، بل حتى في شكل الأماكن والأبنية”، تقول فوز. “هذه التفاصيل لا تسبّب مشكلات أمنية ولا تحتاج إلى الكثير من المصادر. وهي تعكس في حقيقتها أثر السياسات العامة على حياة الناس، برغم أنها قد تبدو عادية ومكرَّرة”، تضيف. لكن فوز تتحسّر على اضطرارها إلى استخدام أسماء مستعارة حتى تضمن سلامتها: “في كلّ مرّة أنشر مقالة باسم مستعار، أشعر كالأم التي تعطي طفلها للتبني”.

أما أنا، فشعرت أن لقاءاتنا إنّما كانت عبارة عن جلسات نسوية تضامنية، نحاول فيها تفكيك الواقع السياسي والاجتماعي، كلّ منا بطريقتها ولغتها الخاصة، ونبحث في ثناياه عن هامش حرية أوسع. ورحت أستعيد قصيدة “صراخ” للشاعرة والكاتبة المصرية إيمان مرسال، وأردّدها في رأسي، مرّة تلو أخرى:

“نساء صامتات 

ملأنَ الطُّرقة التي تؤدي إليك 

وجَهَّزن الأجساد لطقسٍ 

سيزيحُ الصدأ المتراكم فوق حناجرَ

لا تُجرّب نفسها إلا في الصراخ الجماعي”…

 

* أُنجزت هذه المادة في إطار برنامج تدريب يضم صحافيين من سوريا وفلسطين/غزة واليمن والسودان، من تنظيم “أوان” وبدعم من منظمة “دعم الإعلام الدولي International Media Support”.

 
×