أُقفلت صناديق الاقتراع في دول الاغتراب، وقال اللبنانيون المغتربون كلمتهم في معركة يتنافس فيها 718 مرشحًّا لإدارة ما تبّقى من بلد. هي المعركة الانتخابية الأولى بعد انتفاضة 17 تشرين وانفجار مرفأ بيروت الذي أودى بحياة أكثر من 215 شخصًا ودمّر أجزاء من العاصمة في الرابع من آب/أغسطس 2020. وهي كذلك الأولى منذ استفحال الأزمة الاقتصادية وخسارة الليرة اللبنانية ما يقارب 90% من قيمتها. كل هذه عوامل دفعت بأرقام قياسيّة من اللبنانيين للهجرة بحثًا عن مستقبل أفضل، أو للبحث عن أبواب تسمح بها.

بلغ إجمالي اللبنانيين المسجلين في الخارج نحو 225 ألفًا، اقترع منهم يومي الجمعة والأحد الماضيين ما بين 128 ألف و130 ألفًا، أي بنسبة نحو 63% بحسب ما أفاد وزير الداخلية والبلديات القاضي بسّام مولوي، في 58 دولة حول العالم. وقد ارتفعت نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع عما كانت عليه عام 2018 بشكل جليّ، حيث لم يتجاوز عدد المقترعين حينذاك 49 ألفًا من أصل أقل من 83 ألفًا سجّلوا أسماءهم.

الأرقام التي نشرتها وزارة الداخلية تبقى غير نهائية، لأن كلمة الفصل ستُبّت في الخامس عشر من أيّار الجاري، وهو اليوم المحدّد للاقتراع على الأراضي اللبنانية.

تفاوت في النسب بين القارات

في السادس من أيار/ مايو الجاري، فتحت المراكز المحدّدة لاقتراع اللبنانيين أبوابها في الدول التي تعتمد يوم الجمعة بداية عطلة الأسبوع، وهي تسع دول عربية وإيران. وبلغت النسبة العامة للاقتراع في هذه الدول 59% من أصل 30,929 مقترعًا مسجلًا، وفق ما صرح به وزير المغتربين عبدالله بو حبيب.

وكان من اللافت أنّ المغتربين في الأميركيتين الشمالية واللاتينية لم يبدوا اهتمامًا كبيرًا بالانتخابات. ففي حين بلغت نسبتهم في أميركا الشمالية نحو 10%، لم تتجاوز 9.67% في أميركا اللاتينية. وقد تفاوتت نسب الاقتراع بين القارات، لتُسجّل أعلى نسبة في أوروبا بـ 56.15%، تلتها أفريقيا بنسبة 52.48%.

وتصدّرت سوريا القائمة بأعلى نسبة إقبال على صناديق الاقتراع، حيث بلغت 83.79% بمشاركة 1,018 ناخبًا، تلتها إيران بنسبة 73.83%، علمًا بأن ارتفاع النسبة في سوريا وإيران ذو أثر محدود نظرًا إلى قلّة عدد الناخبين المسجلين فيهما قياسًا على غيرهما من الدول. ففي الولايات المتحدة، مثلًا، بلغ عدد المقترعين 15,685، فيما وصل إلى 11,876 في أستراليا (قارة أوقيانوسيا).

وعلى الأرجح أن بعض المحطات التي شهدتها الساحة السياسية اللبنانية أخيرًا لعبت دورًا مهمًا في خفض نسب الاقتراع، من بينها عزوف الرئيس سعد الحريري عن الترشح والمشاركة، إذ يبدو أن ذلك انعكس على نسب المشاركة في المملكة العربية السعودية مثلًا، حيث بلغت 49% من مجمل الأسماء المسجّلة.

ومن المشاهد الانتخابية اللافتة عربيًّا طوابير المقترعين في الإمارات، تحديدًا دبي، إذ سجّلت الأخيرة نسبة إقبال مرتفعة تجاوزت 71%. وقد اعتبر مدير المغتربين في وزارة الخارجية اللبنانية السفير هادي هاشم خلال مؤتمر صحافي أن الانتخابات البرلمانية هذا العام هي “أكبر عملية لوجستية في تاريخ لبنان الحديث”، إذ جرت في 58 دولة، وضمّت 205 ميغاسنتر، و598 قلم اقتراع، وشارك فيها أكثر من ألفي موظف و250 دبلوماسيا.

وفي حين كان هاشم يشير إلى عمل وزارة الخارجية “على معالجة الخروقات والأخطاء في وقتها مباشرة، حفاظًا على حسن سير العملية الانتخابية وشفافيتها”، كان نائب بعثة الاتحاد الأوروبي لمراقبة الانتخابات ياريك دوماينسكي يؤكّد أن الفرق التابعة للبعثة، التي تتولّى مهام مراقبة سير العملية الانتخابية، ستسجّل عدد صناديق الاقتراع الآتية من الخارج وأرقامها لمطابقتها عند بدء عمليات الفرز في 15 أيار/مايو.

مخالفات انتخابيّة

وفي مقابل تصريحات وزارة الخارجيّة، وثّق مراقبو “الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات” LADE بعض المخالفات التي تركّزت بشكل أساسي على حصول دعاية انتخابية في محيط بعض مراكز الاقتراع وداخلها، تحديدًا في السعودية، مع تسجيل أكثر من خرق للصمت الانتخابي الذي يفترض أن يرافق اليوم الانتخابي. كما سجّل المراقبون تصويرَ أوراق الاقتراع لبعض الناخبين خلف العازل، وهو ما يتنافى مع سريّة الاقتراع، وقد يندرج في خانة الضغط على الناخبين (أُفيد عن إلغاء أكثر من صوت في الرياض بسبب ذلك). ووثّق مراقبو الجمعيّة شكاوى تتعلق بعدم ورود أسماء ناخبين على لوائح الشطب، وممارسة مندوبي بعض الأحزاب ضغوطًا خارج أقلام الاقتراع للتصويت باتجاهات معيّنة، فضلًا عن توقّف البث المباشر من وزارة الخارجية لأكثر من ربع ساعة خلال النهار بسبب عطل تقني.

وأورد تقرير LADE ملاحظات أخرى حول سير العملية الانتخابية، بينها ما يتعلّق بـ”عدم معرفة هيئات القلم بقانون الانتخاب” فضلًا عن “تدخّل العديد من المندوبين و​الماكينات الانتخابية​ في الانتخابات”، وأفاد التقرير بأن المخالفات سُجلت لدى هيئة الإشراف على الانتخابات وأُبلغت إلى النيابة العامة.

وبرغم أن ارتفاع أعداد المقترعين المقيمين في الخارج يشكّل مؤشرًا على ازدياد تأثيرهم على نتائج الانتخابات، إلا أن مدى هذا التأثير سيكون محدودًا ولن يميل كفّة الميزان على الأغلب في معظم الدوائر. غير أن المؤكّد أن تنامي تأثير الصوت الاغترابي، خصوصًا في الدوائر التي تشهد منافسة حامية، سيشكّل محطّ اهتمام القوى السياسيّة المتنافسة التي ستقرأ المسألة من زاوية القدرة على تفعيل وجودها في دول الانتشار، وترجمة هذه الفعاليّة في التنظيم السياسي وجمع الأموال، ولاحقًا في صناديق اقتراع جديدة.

 

* أُنجز هذا التقرير بدعم من “صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية” UNDEF ومنظمة “صحافيون من أجل حقوق الإنسان” Journalists for Human Rights.

المزيد من هذا المؤلف

يمامة المرفأ

 
×