أعلنت الإدارة الأميركية منذ أيام أنها لن تجدد الاستثناءات التي منحتها لأبرز مستوردي النفط الإيراني، برغم أن بعضهم من أقرب حلفاء الولايات المتحدة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وبعضهم الآخر يمتلك علاقات عميقة وإن كانت إشكالية معها، مثل الصين والهند وتركيا. المشترك بين البلدان الثلاث الأخيرة هو الاستهداف بقانون «كاتسا/CAATSA»، قانون مقاومة أعداء أميركا بواسطة العقوبات، والذي يفرض عقوبات على من يتعامل مع روسيا ويشتري منها الأسلحة الحديثة.

الصين رفضت التخلي عن صفقة مقاتلات سوخوي-35 فاستُهدفت بهذه العقوبات. الهند رضخت للضغوط الأميركية وتوصلت إلى تسوية تحتفظ فيها بصفقة S-400 وتشتري بالمقابل 144 مقاتلة F-16 أميركية بقيمة 15 مليار دولار – بما يضمن للولايات المتحدة الاستمرار بإنتاج هذه المقاتلة وتخفيض كلفة صيانة المقاتلات الحالية. أما تركيا فهي تقف الآن على مفترق طرق بين التوصل إلى تسوية من نوع ما تدفع الولايات المتحدة لغض النظر عن صفقة S-400 أو التعرض لهذه العقوبات.

واشنطن لوحت بالعقوبات نفسها في وجه القاهرة عندما كان الرئيس المصري يزور البيت الأبيض على خلفية صفقة محتملة لشراء مقاتلات سوخوي-35. التلويح بوجه مصر بهذه العقوبات كان أيضاً رسالة واضحةً لبقية حلفاء واشنطن العرب الذين يدرسون شراء منظومات روسية حديثة، مثل S-400 من قبل السعودية وسوخوي-35 من قبل الإمارات. وفي مطلع هذا العام، أقر الكونغرس قانون عقوبات «قيصر» الذي يشدد ويوسع نطاق العقوبات الأميركية على سوريا للسنوات العشر المقبلة.

سلاح العقوبات الاقتصادية الأميركي فعال بالتأكيد – والفعالية بالطبع تتباين من حالة إلى أخرى. وإن كانت الولايات المتحدة ليست حديثة العهد باستخدام العقوبات، إلا أنه من الواضح أن هناك شيئين قد تغيرا: الأول الاستخدام الواسع لهذه العقوبات، والثاني هو الشدة في تطبيقها. ففي عهد إدارة ترامب بات حلفاء الولايات المتحدة يُستهدفون بهذه العقوبات – على الأقل يُلوّح باستخدامها ضدهم – بشكل جدي، بما لا يختلف كثيراً عن استهداف الخصوم. وقد كان للتلويح الأميركي باستخدام العقوبات ضد العرب الذين ينفتحون على دمشق اقتصادياً ودبلوماسياً تأثير معرقل كبير على الانفتاح العربي الذي ظهر أواخر العام الماضي.

يعكس تراجع حصة الدولار من إجمالي الاحتياطات المالية العالمية تململ كثيراً من الدول من استمرار واشنطن بابتزازها بقصد تغيير سياساتها تحت طائلة الحرمان من استخدام الدولار والقنوات المصرفية الأميركية

من ناحية أخرى، اعتادت الولايات المتحدة على استخدام العقوبات كورقة ضغط ولكن مع ترك الباب موارباً أمام التفاوض – كما حصل خلال أزمة الملف النووي الإيراني. فبرغم العقوبات الشديدة التي فُرضت حينذاك، إلا أن إدارة أوباما غضت النظر عن الكثير من عمليات تهريب النفط الإيراني وعن عمليات مقايضة هذا النفط بالبضائع التي كانت تحصل مع الهند والصين وغيرها. ولعل ذلك ما ساعد في التوصل إلى الاتفاق النووي في العام 2015. غير أن إدارة ترامب تطبق العقوبات بشكل صارم وغير مسبوق. فعلى سبيل المثال، فيما يخص العقوبات المفروضة على سوريا، أصدرت وزارة الخزينة الأميركية قوائم بأسماء أكثر من 80 سفينة إيرانية وروسية تقول إنها تنقل النفط والغاز إلى سوريا، وأعلنت أنها ستعاقب أي طرف يقوم بالتعامل مع هذه السفن، وهذا ما يحول مثلاً دون عبور هذه السفن قناة السويس أو دون حصولها على التأمين الضروري للإبحار.

مراقبو استخدام سلاح العقوبات، بما فيهم محللون من مراكز الدراسات الأميركية، يقولون إن الولايات المتحدة تبالغ في استخدام هذا السلاح، وهذا ما قد يدفع حتى حلفاء الولايات المتحدة إلى تحديها عبر البحث عن خيارات بديلة للالتفاف على العقوبات الأميركية. هذه العقوبات بطبيعة الحال لا تمتلك سنداً قانونياً من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن مثلاً، ولكنها تستند إلى النظام المالي الأميركي الذي لا يزال القناة الرئيسية للتبادل التجاري العالمي. فالتهديد بالعقوبات الأميركية يعني عملياً حرمان المستهدفين من هذا النظام. الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة تعود لكون الدولار هو العملة الرئيسية للتبادل التجاري العالمي منذ أن وضعت أسس هذا النظام في العام 1944 عبر اتفاقية «بريتون وودز» عندما استطاعت الولايات المتحدة – التي كانت تخرج من الحرب العالمية الثانية باقتصاد متنامي – إلزام باقي الدول التي تحتاج للمعونة الأميركية بقبول الدولار كعملة رئيسية للتبادل التجاري.

تستخدم أميركا الباقي من مكانة الدولار في استهداف خصومها وخلق عوائق أمام تنامي قدراتهم الاقتصادية، على أمل أن يثمر رهانها على الذكاء الصناعي في تحقيق قفزة اقتصادية تحافظ على تربعها على قمة الاقتصاد العالمي

وقد حصلت مجموعة من التطورات منذ مطلع هذه الألفية، مثل صعود الصين وتعافي الاقتصاد الروسي وظهور اليورو كعملة أوروبية موحدة، إلا أن ذلك لم يزحزح الدولار عن مكانته، إذ بقي الدولار يشكل في العام 2008، خلال الأزمة المالية العالمية، حوالي 70 في المئة من إجمالي الاحتياطات المالية العالمية. وقد ذكر صندوق النقد الدولي الشهر الماضي أن حصة الدولار من إجمالي الاحتياطات المالية العالمية تراجعت في الربع الرابع من العام 2018 إلى 61 في المئة تقريباً، ليكون ذلك ثالث ربع على التوالي في مسيرة تراجع الدولار، ما يشير إلى بروز نمط واضح. لا يعود هذا التراجع إلى التطورات الاقتصادية الجارية في الصين وجنوب آسيا فحسب، بل يعكس كذلك تململ كثيراً من دول العالم من استمرار الولايات المتحدة بابتزازها بقصد تغيير سياساتها تحت طائلة الحرمان من استخدام الدولار والقنوات المصرفية الأميركية. روسيا، على سبيل المثال، نجحت منذ أيام في إيجاد أول شريك خارجي لاستخدام نظام SPFS الروسي البديل لنظام نقل المعلومات المالية الأميركي SWIFT، كما بدأت التعاون مع الصين التي طرحت في العام 2015 نظاماً مشابهاً ليحل محل نظام SWIFT الأميركي.

هناك من يعتقد في واشنطن أن فقدان الدولار الأميركي مكانته أمرٌ قادمٌ لا محالة، وأن الصين مقدر لها أن تصبح صاحبة أكبر اقتصاد في العالم خلال عقد من الزمن. ولهذا، فإن استخدام الباقي من مكانة الدولار حالياً في استهداف خصوم الولايات المتحدة وإشغالهم وخلق عوائق أمام تنامي قدراتهم الاقتصادية هو الخيار الوحيد المتاح خلال السنوات القليلة القادمة، وذلك على أمل أن يثمر الرهان الأميركي على الذكاء الصناعي والأتمتة الكاملة في تحقيق قفزة اقتصادية تحافظ على تربع الولايات المتحدة على قمة الاقتصاد العالمي. نظرياً، هذا سيناريو ممكن. فالنمو في الاقتصاد الصيني مستمر بالتباطؤ. إذ ما تم تحقيقه العام الماضي (6.6 في المئة) هو أدنى معدل نمو سنوي في الصين منذ 28 عاماً – وإن كان أكثر من ضعف معدل النمو الاقتصادي الأميركي. إلا أن مثل هذا السيناريو يستوجب تجاوز واشنطن حالة التخبط وإظهارها مقداراً من الانسجام في التوجهات والخطط الاقتصادية. هنا تظهر إحدى فوائد إمساك حفنة من الأشخاص بالقرار والقدرة على رسم استراتيجيات اقتصادية صارمة كما هو الحال في الصين. لكن لإمساك حفنة من الأشخاص بالقرار مساوئه المتمثلة باحتمال ارتكاب أخطاء من قبيل غزو تايوان، وهو الاحتمال الذي سنتابعه العام المقبل مع تحول إعلان استقلال البلاد إلى موضوع مركزي في السباق الرئاسي التايواني. قد يكون تهور بكين هو المنقذ الوحيد لواشنطن المتخبطة. وفي الوقت الحالي، ستحرص واشنطن على استخدام ما تبقى لديها من قدرة على الضغط الاقتصادي على دول العالم، على أمل أن تصح مقولة أوتو فون بسمارك؛ «العناية الإلهية هي من يحمي الأطفال والسكارى والولايات المتحدة الأميركية».

 
×