هناك أشهر، وأيام، ولحظات، تصبح أشد كثافة وغنى ونقاء ورمزية من غيرها، في تاريخ الشعوب وذاكرتها. فكأنها تختزن وتلخّص مرحلة وتاريخاً بأكمله، لترفعه بإصرار خرافي وبإبداع وصمود جبّاريْن إلى مصاف الملحمة. وقد تضافرت عوامل، وتراكمت أوجاع وتضحيات جسام، واصطفّت غابات من الدموع والحسرات، وسالت دماء غالية، لتجعل هذا الشهر نهراً جارفاً يطهّر الوطن من جراحه وينقّيه ممّا زرعه الفاسدون والخونة والسدنة من شوكٍ في قلوب وعيون العراقيين لسنوات. نهر ينبع من قلوب جيل جديد، ليعيد للوطن معناه، بعدما أنهكه الدكتاتور وحروبه العبثية، و بعدما مسخته ودنست معناه الطبقة السياسية التي أفرزها الاحتلال وفضلاته. هذه الطبقة التي تدين بالولاء لغير العراق والتي دينها وديدنها سرقة ثروات العراقيين والاستخفاف بأرواحهم ومستقبلهم. استعاد العراقيون وهم يشهدون ما فعله هذا الجيل أبيات الجواهري: «سينهض من صميم اليأس جيل/مريدُ البأس جبّار عنيدُ/يقايض ما يكون بما يرجّى/ويعطف ما يراد لما يريدُ.»

أولئك الشجعان الذين تظاهروا في أول أيام هذا الشهر من أجل حياة كريمة ومن أجل حقوقهم في الوطن. أولئك الأبطال الذين اغتالهم رصاص الغدر والجبن فأسقطهم من أغصان العراق وقد تفتّحوا للتو على العمر. هم الذين حفروا بتضحياتهم الغالية مسار هذا النهر الذي انتظره العراقيون طويلاً، والذي يهدر الآن بقوة في ساحات أرض الفراتين. لقد كان الشباب المهمّشون الكادحون، الذين تحتقرهم الطبقة السياسية ومن تحالف معها من النخب الفاسدة، كانوا طلائع هذه الانتفاضة الباسلة. أصرّوا ويصرّون، هم ورفاقهم، على سلمية انتفاضتهم. مع أن رصاص القتلة الجبناء قتل أكثر من ٢٥٠ منهم وجرح الآلاف. وصمدوا، هم ورفاقهم من فرسان التكتك، وأبدعوا في التضامن والتلاحم، للدفاع عن خندقهم المفتوح في ساحة التحرير. هذه الساحة التي أصبحت الآن قلب العراق وهي تستقبل المواطنين من كل الشرائح والخلفيات والأجيال، والمتطوعين والمتطوعات والمتبرعين، في مهرجان للتكافل والإبداع والتسامي يعيد العراقيون اكتشاف وطنهم وشعبهم فيه. وتمد مدن البلاد الأخرى قلب التحرير بصوتها الهادر، من الموصل التي تظاهر طلبة جامعتها إلى ساحة الحبوبي في الناصرية إلى البصرة التي هتفت فيها الجموع «فوتي بزودچ يا بغداد، البصرة حزام بظهرچ». تستمر التظاهرات وتتسع رقعتها، وتستمر إضرابات النقابات. لقد أنجزت هذه الانتفاضة الكثير مما كان يبدو مستحيلاً قبل تشرين. فلقد ضمدت الجراح وأعادت اللحمة والأمل إلى قلوب العراقيين الذين لم يرقصوا كما رقصوا في هذه الأيام وكأن العراق عاد من الأسر. هذه هي لحظة التحرير الحقيقي. لكن دموع الفرح تختلط بدموع الحزن على الذين ضحّوا بحياتهم من أجل معنى الوطن. ومنهم الصديق صفاء السراي الذي استشهد في التحرير وشيّع فيها والذي تحوم روحه فوقها الآن.

لقد أقيم هذا النظام السياسي على أساس فاسد وباطل وحاول لسنين طوال أن يرسّخ الطائفية السياسيّة والمحاصصة البغيضة. لكن جيلاً جديداً قاد شعبنا لينفضها ويرفضها أخيراً. لا بد من الحذر في خضم هذه الأجواء الاحتفالية. نتمنى أن يستمر الزخم الجماهيري والتظاهرات والاعتصامات في سوح العراق وميادينه. لكن إدامة الزخم لفترة طويلة أمر صعب. تتربص القوى المهيمنة الشرسة وميليشياتها وأذرعها، ومن وراءها حلفاؤها في دول الجوار، والتي ستخسر نفوذها ورأسمالها إذا حققت الانتفاضة مطالبها، تتربص وتتهيأ للانقضاض بأقنعة وشعارات الحفاظ على الأمن، وإنهاء الفوضى، أو الدفاع عن هذا المقدس أو ذاك. حتى بعدما أعلن الشعب أن المقدّس الوحيد هو الوطن.

لا بد من ترجمة هذا الزخم إلى هيكل سياسي منظم، يقوده الشباب، يديم الضغط ويقوم بتمثيل كل هذه الشرائح التي قالت بصوت عال أن الأحزاب الحالية والطبقة السياسية لا تمثلها. هناك، بلا شك، حساسية بل قرف من مفردة حزب وأحزاب نتيجة للخراب الذي خلّفته الأحزاب الفاسدة. لكن التنظيم السياسي هو الأداة الوحيدة للدفاع عن مكتسبات هذه الانتفاضة في المعترك السياسي وتحقيق أهدافها على المدى الطويل. حزب قادم من خارج اللعبة السياسية الفاسدة والتي انتهت صلاحيتها. حزب يحمله زخم استثنائي وجيل جديد وقاعدة شعبية واسعة. وسيكون المظلة التي تترجم التضحيات والآمال إلى حقائق ملموسة ويقف بوجه من يريدون أن يركبوا الموجة.

كتب المتظاهرون مطالبهم الواضحة على لافتات معلقة على جدران بناية المطعم التركي الذي أصبح قبلة للشجعان ورمزاً لانتصار إرادة هذا الجيل وشجاعته وشموخه وحبه للحياة. تتوسط اللافتات صورة كبيرة للشهيد صفاء الذي ينظر إلى الحشود. لا يبتسم فيها. سيبتسم حين تتحقق المطالب.

(تنشر بالتزامن مع موقع “جدلية”)

 
×