ربما يُستحسن أن يتعامل المرء بواقعية مع السنوات العشر الماضية، أي مع بدايات “الربيع العربي” والسنوات التي تلتها، خصوصًا في الدول التي كان التغيير فيها مبشّرًا خلال أشهره الأولى، كما كان الحال في مصر، قبل أن تنقلب دينامياته استقطابًا حادًا ثم انقضاضًا على مُنجزاته ومُمكناته، وصولًا إلى احتلال الدولة الأمنية العميقة بأسوأ أشكالها متن السلطة من جديد.

فلنضع النوستالجيا والاستعادات الرومنسية لـ”ثورة يناير” جانبًا، فهذه أحيانًا وصفة لاستجرار اللطميات. ولنسلّم بحقيقة جليّة مفادها أن المسار اللاحق لـ”يناير” لم يُنتج عقدًا اجتماعيًا جديدًا، ولا نجم عنه تغيير في بنى السلطة وعلاقات القوة في مصر، بل إن محصلة التغيير كانت ارتدادًا إلى الخلف. لكن الإقرار الواقعي بهذا شيء، فيما التسليم بالسرديات التي يتمّ تسويقها، عن قصد أو غير قصد، حول الأيام الثمانية عشر في الميدان وما تلاها وصولًا إلى تنحية الرئيس الأسبق محمد مرسي عن الرئاسة في حزيران/يونيو 2013، شيء آخر. ففي الأخيرة الكثير من المغالطات المُشوِّهة للتاريخ في أحسن الأحوال، والأضاليل التي يُراد منها صناعة وعي زائف في أسوئها. هذه بعض الأقاويل المسوَّقة، يليها تفنيد لكلّ منها:

“ثورة يناير كانت مُفتعلة”

لم يكُن نزول الناس إلى الشارع وحده كافيًا لإسقاط الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وحاشيته عن السلطة. هذا صحيح. فلولا قرار الجيش بالوقوف على الحياد، أي ـ عمليًا ـ بالانحياز غير المباشر ضد مبارك، لما تقهقر أعلى هرم نظامه بهذه السهولة. لكن الصحيح أيضًا أن التغيير ما كان له أن يحصل لولا التظاهرات الهائلة في الشوراع والميادين، وأن هذا الحراك الجماهيري الضخم تقاطع مع جملة من العوامل الموضوعية والظروف التاريخية المُساعدة التي لم يكُن معظمها “ابن اللحظة” على الإطلاق.

من بين هذه العوامل أن العمر البيولوجي للرئيس المصري حسني مبارك كان قد شارف على الانتهاء (شأنه شأن أقرانه في معظم دول “الربيع العربي”)، وهو ما استتبع الإعداد لعملية “توريث” راح الجدل حول شرعيتها في مصر يكثُر بين النخب وفي الإعلام المعارض والمستقل قبل “النزول إلى الشارع” بعشر سنوات تقريبًا. ومن بينها أيضًا أن الحركة الاعتراضية التي راحت تبحث في مصير النظام جديًا، ربطًا بمؤشرات الإعداد للتوريث، أخذت تنمو وتتسع وتتشكّل موجة تلو أخرى، بدءًا بحركة “كفاية” النخبوية التي وُلدت عام 2004، مرورًا بأحداث المحلّة العمّالية عام 2008 (حيث تناقلت وسائل الإعلام المتلفزة تحطيم العمّال المنتفضين صور مبارك في تطور لافت)، وصولًا إلى حركة “6 أبريل” الشبابية التي ولّدتها هذه الأحداث.

من بين العوامل كذلك أن التململ من النظام ظهر جليًا في انتخابات العام 2005 (التي حصل فيها “الإخوان” على نحو 20 في المئة من مقاعد البرلمان) قبل أن يتمّ إسكات الأصوات المعارضة تمامًا في انتخابات العام 2010 تمهيدًا لتمرير التوريث. ومن بينها أن المؤسسة العسكرية ـ وهنا حصل التقاطع الموضوعي معها ـ لم تكُن راضية عن نقل السلطة إلى جمال مبارك لأن الأمر كان سيرسّخ نفود نخبة حاكمة جديدة من رجال “البزنيس” المحيطين به، على حساب نفوذها الراسخ منذ ثورة يوليو 52. كلّ هذا من دون أن ننسى الدور الذي لعبه نموّ الفضائيات المتلفزة الناقلة للحدث (وهنا يمكن الحديث عن دور قناة “الجزيرة” مثلًا)، وكذلك وسائط التواصل الاجتماعي التي انطلقت منها الدعوات الأولى للتظاهر. هذه مجرّد بعض العوامل التي تنفي صفة “الافتعال” عن “ثورة يناير”، وتؤكد أنها نتاج سيرورة امتدت لما يقارب العقد من الزمن.

“ثورة يناير أنتجت تعديلًا شكليًا فقط”

الافتراض القائل إن “ثورة يناير” غيّرت أشخاصًا واستبدلت قشرة النظام بأُخرى فقط غير صحيح إطلاقًا. فما حصل في يناير كان زلزالًا ضخمًا أوقع رئيسًا عن عرشه بعد نحو ثلاثة عقود من الحكم، وأنهى مشروع التوريث الذي كاد أن يُنجَز، ونزع الشرعية عن رجل النظام الثاني (رئيس المخابرات العامة عمر سليمان)، وكذلك عن بطانة رجال الأعمال وقيادات “الحزب الوطني” المحيطة بالرئيس.

صحيح أن الجناح الآخر من النظام ـ أي المؤسسة العسكرية ـ لم يُمسّ، واستفاد من إسقاط نخب “الحزب الوطني” التي نازعته السلطة والشرعية بالضربة القاضية. لكنّ التطور هذا سمح بإعادة إنتاج معادلة مختلفة في بنية النظام ظلّت قيد التشكّل إلى أن تم الانقضاض عليها عام 2013 بعد سلسلة من خطايا “الإخوان” في الحكم. إذ خلال الفترة الفاصلة بين مطلع 2011 ومنتصف 2013، دخلت ائتلافات واسعة من قوى التغيير المدنية مبنى البرلمان، وَلَو أن الأخير وقع بغالبيته تحت هيمنة قوى إسلامية تراوح أداؤها بين الانتهازية وقلّة الفاعلية والمزايدات في ميدان سياسات الهوية والتحريض الطائفي، وهي شكّلت في النهاية حصان طروادة المثالي للإطاحة بالمرحلة الانتقالية برمّتها، عبر الإعلام وأجهزة القضاء والإدارات الرسمية أولًا، ثمّ في الشارع في يونيو 2013.

وباستثناء سلفيي “حزب النور” (ثاني أكبر كتلة في برلمان 2012 بعد “الإخوان”) وعدد من دعاة البلاط الإسلاميين الذين قفزوا من قارب محمد مرسي الغارق، فإن القوى الإسلامية الأخرى (“الإخوان” وبعض الأحزاب الإسلامية الحليفة الأصغر حجمًا)، راحت ضحية أدائها البالغ السوء، وعبّدت الطريق أمام إعادة إنتاج نظام أكثر قسوة من سلفه، بعد عامين ونصف العام من التغيير الحقيقي ـ لكن الجزئي وغير الثابت ـ في بنية هذا النظام.

“ثورة يناير” كانت غير قادرة على إنتاج تحوّلات جذريّة تتسم بصفة الديمومة في بنية المجتمع والنظام، من دون التدرّج عبر مراحل

“ثورة يناير كانت محكومة بالفشل”

في الانتخابات الرئاسية الأولى بعد “ثورة يناير”، نال المرشح الناصري حمدين صباحي والإسلامي الوسطي المستقل عبد المنعم أبو الفتوح، مُجتمعَين، نحو 8 مليون و800 ألف صوت، أي أكثر من محمد مرسي الذي أصبح رئيسًا في ما بعد بنحو 3 ملايين صوت. تفيد هذه الأرقام بأن انسحاب أحد المرشحين (الّلذين كانت تجمعهما علاقة طيبة) لمصلحة الآخر كان سيعني على الأغلب وصول أحدهما إلى الرئاسة، وبالتالي احتمال تجنّب مرحلة مرسي وما تلاها من انقلاب. هذه واحدة من المحطات التي ثُثبت أن المسار التالي لـ”ثورة يناير” لم يكن محكومًا بالفشل بالضرورة.

ويفيد هنا التذكير بأن أيًا من الثورات في التاريخ لم يكن يستند إلى “كاتالوغ” خاص تم العمل به فأنتج نجاحًا كان لا بدّ منه. إذ إن أعنف الثورات الحديثة وأكثرها جذريّة (على رأسها الروسية والصينية والفرنسية) كانت محكومة بديناميات متقلّبة استوجب التعامل معها تعديلًا في المقاربات والتكتيكات، وتغييرًا في التحالفات تبعًا لظروف المراحل التي مرّت بها. وهذا ينطبق على الثورات الأقل ميلًا إلى التغيير البنيوي في المجتمع والنظام السياسي، وكذلك على الانتفاضات والحركات الإصلاحية الشاملة.

و”ثورة يناير” هنا، وهي أقل عنفًا بما لا يُقاس من غيرها عبر التاريخ، كانت غير قادرة على إنتاج تحوّلات جذريّة تتسم بصفة الديمومة في بنية المجتمع والنظام، وتسمح بمعالجة مشكلات مصريّة هائلة من قبيل الفوارق الطبقية الواسعة، والانفجار الديمغرافي الضخم، وغياب الثقافة الحقوقية، وترهّل النظام التربوي، وانحسار الدور المصري في المحيط العربي والإقليمي، وغيرها الكثير، من دون التدرّج عبر مراحل قد تستوجب التعامل ببرغماتية مع قوى الأمر الواقع، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية التي كانت، بالمناسبة، أكثر ميلًا لتقبّل تقاسم الأدوار بُعَيد “ثورة يناير” إن سمح ذلك لها بالحفاظ على اليد الطولى في إدارة شؤون البلاد.

فلنقارن هنا، مثلًا، بين أحمد شفيق (بصفته سليل المؤسسة العسكرية ومرشح المجلس العسكري الأول عام 2012) وكذلك سامي عنان (نائب رئيس المجلس العسكري ومرشح الرئاسة المستقل عام 2018) وبين الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي: هل مقاربة الطرفين حيال قضايا الداخل متطابقة، خصوصًا لجهة المساحة المتاحة للعمل السياسي؟ وهل طموح الرعيل القديم يتماثل مع مشروع “الوجه الجديد” ممثلًا بالسيسي لجهة المدى الزمني للاستحواذ بالسلطة؟ واستطرادًا، هل كان ممكنًا التعايش مع المؤسسة العسكرية أو مساكنتها في ظل الوجوه السابقة لو أعطى “الإخوان” الأولوية لترسيخ قيم الثورة ونتائجها (ولو بشكل جزئي في البداية)، بدل الانسياق خلف نهم الاستحواذ على السلطة؟ وهل كان الأداء ليختلف لو أن أيًا من صباحي أو أبو الفتوح فاز بمنصب الرئاسة؟

“25 يناير”، بكل ما فيها من عظمة وانكسارات، فرصة للاستذكار بأن إنتاج التغيير قد يحصل “من تحت”

“ثورة يناير لا تستأهل دفع الأثمان اللاحقة”

يفوتنا أحيانًا أن قراءة التاريخ من منظار اليوم تعطينا أفضلية تقدير ما كان يُستحسن فعله في الماضي. من هنا، يسهُل على كثيرين القول، من موقع الأفضلية هذا، إن الطريق المفضي إلى مستقبل أفضل كان يستوجب اعتماد هذا الخيار أو ذاك. لكن، فلنضع جانبًا صعوبة التكهن بالتحوّلات والتداخلات بين قضايا المنطقة التي شهدت في فترة 2011 ـ 2013 انفراط عقد دولة تحدّ مصر من الغرب (ليبيا)، وحربًا إسرائيلية في الشرق (غزة)، ونموًا هائلًا للجماعات الجهادية المتعددة الجنسيات في الشمال الشرقي (سوريا)، وانشطار دولة في الجنوب إلى اثنتين (السودان)، وتوترًا كاد يفضي إلى حرب مع الدولة التي ينبع منها نهر النيل (إثيوبيا). فلنضع كلّ هذا جانبًا ولنُعد تثبيت نقطتين سبق أن أشرنا إليهما:

أولًا، لم يكن الدمّ المُراق خلال “ثورة يناير” ليُقارن بأي من الثورات المتوسطة الحجم في التاريخ الحديث، حيث لم يتجاوز عدد الشهداء 850، وهو أقل من عدد ضحايا حادث غرق عبارة “السلام 98” عام 2006 الناجم عن الإهمال والفساد مثلًا (توفيّ على متنها أكثر من 1300 مصريًا)، علمًا بأن نتيجة الثورة كانت مبهرة في البداية.

ثانيًا، لم تكن الأثمان اللاحقة (المستمرة منذ 2013 حتى اليوم) نتيجة مباشرة للحظة الثورية بحدّ ذاتها، بل كانت بسبب جملة من العوامل الموضوعية والذاتية، بينها استعجال الحصول على النتائج كاملة وعدم التعامل بواقعية مع موازين القوى، فضلًا عن انتهازية بعض النخب وإيثارها الرقص على الحبال، وهو أمر لا بدّ من التعامل معه كمعطىً طبيعي في محطات تاريخية كهذه، إذ كما أن للثورات أبطالها، فإن الانتهازيين يبيتون على ضفافها أيضًا.

خاتمة

الذكرى السنوية العاشرة لـ”ثورة 25 يناير” مدعاة للتفكّر في القضايا المبدئية والدواعي البراغماتية، وفي المُمكن والمُستبعد، وفي المرحليّ والنهائيّ، وفي البرامج والشعارات، وفي النخب و”الجماهير”، وفي الخيارات الحاسمة والمواقف المركّبة، وفي عوامل الداخل والخارج، وفي طبيعة الحلفاء والخصوم وهوياتهم. لكنّها أيضًا فرصة للاستذكار بأن صناعة التاريخ ليست حصيلة مجموعة من المصادفات، ولا هي نتاج مؤامرات أو خطط مُحكمة فحسب.

“25 يناير”، بكل ما فيها من عظمة وانكسارات، فرصة للاستذكار بأن إنتاج التغيير قد يحصل “من تحت” حقًا، إذا ما تقاطعت ظروف موضوعية وتاريخية مُساعدة، وإذا ما أحسنت قوى التغيير اقتناص الفرص وإدارة التحالفات والموارد، بأدوات فعّالة ونفس طويل، ووفق تصورات واقعية تعطي الأولوية للمحصّلات النهائية، ولو طال أمدُ حصادها.

هل كانت ثورة يناير “تِستاهل”؟ طبعًا. السؤال بحدّ ذاته مُضلّل، لكنّه، برغم ذلك، يستأهل الإجابة.

المزيد من هذا المؤلف

بقعة دمٍ في رؤوسنا

 
×