كثيرًا ما يقترن وصفُ “المُحافَظة” بـ”الرّاديكالية” في الإعلام العربي، برغم الفارق البيّن بين الدلالتين. ولعلّ الجمع بين المصطلحين ظهرَ مع صعود حركات الإسلام السياسي الحركيّ، بدءًا من “الثورة الإسلامية” في إيران عام ١٩٧٩ مرورًا بدخول “الإخوان المسلمين” في مصر معتركَ العمل السياسي في الثمانينيات، ثمّ شاع مع صعود السلفية الجهادية في أفغانستان لمواجهة الغزو السوفياتي، وظهور جيل ثانٍ منها مع تأسيس تنظيم “القاعدة”، ثمّ ثالثٍ مع قيام تنظيم “الدولة الإسلامية”. في المخيّلة الجمعيّة العربيّة، تكاد الرّاديكالية لا تنفصل عن الاتجاه الديني المُحافظ، برغم أننا، في الماضي الأبعد، بين الأربعينيات والسبعينيات من القرن الماضي تحديدًا، شهدنا نشأة حركات قوميّة ويساريّة ذات نزعاتِ تغييرٍ جذريّة، بلغت راديكاليّتها حدّ انقسام بعضها على ذاته كلّما بدا لها أن خطاب التحرّر المُهيمن (زمن عبد الناصر) لم يعُد يفي بأغراضها ولا يتساوق مع أهدافها المُتصوَّرة. هكذا، مثلًا، تفككّت “حركة القوميين العرب” بعد هزيمة ١٩٦٧ إلى جماعات مالت أكثر نحو اليسار وأشهَرَت ماركسيّتها، ثمّ انفصل عن بعضها مَن زعم أنه أكثر ماركسيّة (وجذريّة وراديكاليّة) منها، كحال “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين” التي انفضّت عن “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين”. وعلى المنوال ذاته، مثلًا، انفصل “حزب البعث اليساري” بقيادة ياسين الحافظ عن “حزب البعث” عام ١٩٦٥، ثم تحوّل اسمه في ما بعد إلى “حزب العمال الثوري العربي”…

ولعلّ النائب في البرلمان اللبناني عن “حزب الله” نوّاف الموسوي مثالٌ على هذا الانفصال بين الوَصفين. فالرجل يتطرّف في السياسة حتى حدّها الأقصى. سبق له أن خالف قرارًا تنظيميًا لحزبه يقضي بحصر النقاش في البرلمان بنقاط محدّدة، فاندفع في ردّه على النائب سامي الجميل في إحدى الجلسات، مذكّرًا بوصول عمّه بشير إلى رئاسة الجمهورية “على ظهر دبابة إسرائيلية” عام ١٩٨٢. جُمّدت أنشطة الموسوي السياسية والحزبية والإعلامية حينها لخرقه قرار قيادته القاضي بـ”تصفير المشاكل” مع الخصوم، علمًا أن “الخرق” ذاك جاء بعد أيام على تصريح انتخابي اعتبر فيه أن المعركة البرلمانية التي يخوضها حزبُه واقعةٌ “بين نهج المقاومة ونهج [محمد] بن سلمان”.

نوّاف الموسوي، الراديكالي الذي لا يتلكّأ في تشكيل رأس حربة للحزب كلّما كان في موقع هجوم، بدا أكثر اصطدامًا بالمؤسسات الدينية الرسمية لطائفته من أي لحظة ماضية

ونوّاف الموسوي، برغم انفعالاته التي تخدم في لحظات حسّاسة غرضَ تسعير المشاكل بدل تصفيرها، لا ينطوي “بروفايلُه” على سلوك “المحافظ النموذجي” في حزب إسلاميّ كـ”حزب الله”. ولعلّ الفيديو الذي أثار نقاشًا على مواقع التواصل الاجتماعي العام الماضي، والذي أظهره راقصًا على إيقاع أغنية فلسطينية فلوكلورية حماسية، دالٌّ على خروجه عن النمط المألوف لسليل بيئة متديّنة. وربما ساهم في هذا الخروج اهتماماتُه البحثية أولًا، ومهمّاتُه السياسية ثانيًا، وتشكيلُ عائلته ثالثًا. ففي العمل البحثي يقول إن اهتمامه بالفلسفة يخرجه من اليومي والتافه والعابر“، ويشرح أنه وحزبه، بـ”خلاف الثقافة القَدَريّة السائدة”، لا يؤمن بالجبر ولا بالتفويض، “بل بمنزلة بين اثنتين”، ولا بأن التاريخ “مكتوب مسبقًا”، بل بأنه نتاجٌ يصنعه أصحاب الإرادة. وفي مهمّاته السياسية، فقد انتقل من إدارة تحرير جريدة “حزب الله” وعضوية مجلسه السياسي، إلى مسؤول علاقاته الخارجية وعضوية “المؤتمر القومي العربي” حيث ينضوي “قدامى المحاربين” من التيارات القومية واليسارية، بتكليفٍ من حزبه طبعًا. أما في ما يخضّ تكوينه العائلي، فلعلّه، كوالد لأربع بنات، “مضطرٌّ” للتنازل عن الكثير من سمات الثقافة الذكورية للمحافظين عمومًا.

غير أن نوّاف الموسوي، الراديكالي الذي لا يتلكّأ في اجتراح الأعذار لـ”حزب الله” في كلّ موضع تضعفُ فيه حجّته، ولا في تشكيل رأس حربة للحزب كلّما كان في موقع هجوم، بدا أكثر اصطدامًا بالمؤسسات الدينية الرسمية لطائفته من أي لحظة ماضية، إثر احتكاكه مؤخرًا بطليق ابنته المُستقوي، بغرض حضانة أطفالهما، بالمحكمة الجعفرية ذات الاجتهادات الرجعية، والأحكام القضائية التي تكاد تجعل من المرأة مجرّد ملحقٍ تابعٍ في حياة شريكها.

قد يصح القول إن اصطدامًا كهذا تسهّله مكانة امرأتين في وجدان الجماعة الشيعية، وأعني بذلك بنت رسول الله فاطمة وبنت علي بن أبي طالب زينب، ومحورية كل منهما وقدسيتها في المرويّات التاريخية للجماعة. لكن يُثير الفضولَ كذلك أن نربط بين نزعةِ تحرّرٍ أو مشاعرَ ضيقٍ من قيود المحافظين، يستشفها أي متابع لحالة الموسوي، وبين نزعة مشابهة أتاحت لبعض الشخصيات لعب أدوار مركزية في صناعة القرار في الدولة التي يستلهم منها “حزب الله” نموذجه، أي إيران.

ففي طهران، بخلاف الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الذي كان غارقًا في الأيديولوجيا، والرئيس الأسبق محمد خاتمي الذي اخترلت الكثير من سياساتِه الإصلاحية طوباويةٌ ثقافوية، برز الرئيس الحالي حسن روحاني كإنتاج أكثر إتقاناً للخط الإصلاحي من داخل المؤسسة الإيرانية الحاكمة، أي كسياسي براغماتي يميل إلى المرونة في العلاقة مع مطالب الداخل وضغوط الخارج، من دون الإخلال بما يعتبره النظام الإيراني ثوابت في الأمن القومي والسياسة الخارجية.

فكّ الارتباط بين الراديكالية والمحافظة، واستخدام الأولى كسلاح في مواجهة الثانية، هو ما أتاح لروحاني أن يخوض مواجهته مع المحافظين من دون أن يخسر ثقة المؤسسة الحاكمة، وهو ما يسمح اليوم لنواف الموسوي، على نطاق أضيق بكثير طبعًا، بأن يستقوي ببيئةٍ حاضنةٍ لـ”حزب الله”، تروق لها راديكاليته، ويضيق قسم منها ذرعًا بعُتاة محافظيها.

 
×