س: كيف تفسر تراجع اليسار في أميركا اللاتينية؟ هل ترى أنَّ أميركا اللاتينية تعود تدريجياً لتصبح الحديقة الخلفية للولايات المتحدة من جديد؟ وما تشخيصك للتطورات المحتملة في السنوات القادمة؟

 

من المفيد هنا أن نستحضر الخلفية العامة ثم ننظر إلى بعض القضايا الأساسية.

على الرغم من مواردها الهائلة وميزاتها الأخرى الكثيرة، تعاني أميركا اللاتينية من الفقر الشديد ومن انعدامٍ جذري للمساواة، حيث تتحرر النخبة صاحبة الامتيازات غالباً من أيّ مسؤولية تجاه بلادها.

 

مقارنة أميركا اللاتينية بشرق آسيا

هنالك الكثير مما تكشفه لنا مقارنة أميركا اللاتينية مع شرق آسيا الذي يفتقر إلى ما تتمتع به من الثروات الطبيعية والأمن. استوردت تايوان وكوريا الجنوبية السلع الإنتاجية واتّبعتا النمط الياباني في سياستهما الصناعية وفق استثمارات هادفة. أمّا أميركا اللاتينية فاستوردت السلع الكمالية بشكل رئيس. ثمة ضبطٌ شديد لخروج رأس المال في شرق آسيا. أما في أميركا اللاتينية، فتتدفق رؤوس الأموال خارجاً بحرية لتؤمّن للنخب منازلاً في الريفيرا ورفاهيات أخرى. أصبحت تايوان وكوريا الجنوبية قوتين صناعيتين كبيرتين، أمّا أميركا اللاتينية ففشلت في التخلّص من التركة الاستعمارية. ولطالما أعيق كلّ جهد باتجاه ذلك الهدف، لا سيما من طرف “جبّار الشمال”.

عند نهاية الحرب العالمية الثانية، كان نصف الكرة الأرضية تحت يد الولايات المتحدة ووصفه وزير الحرب هنري ستيمسون بأنّه “منطقتنا الصغيرة هذه”.

أصبحت تايوان وكوريا الجنوبية قوتين صناعيتين كبيرتين، أمّا أميركا اللاتينية ففشلت في التخلّص من التركة الاستعمارية

أما خلفية سياسة الأعوام التالية فقد أوضحها بشكل لا لبس فيه برنامج الولايات المتحدة الرسمي لأميركا اللاتينية عند نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما هيمنت الولايات المتحدة على العالم من دون أي سابقة تاريخية ووضعت خططاً لمعظم العالم سرعان ما جرى تنفيذها.

 

حين فرضت أميركا نموذجها الاقتصادي

في شباط/فبراير 1945، دعت الولايات المتحدة إلى مؤتمرٍ لنصف الكرة الغربي في المكسيك حيث فرضت “الميثاق الاقتصادي للأميركيتين”. أعلن الميثاق وجوب منع “التأميم الاقتصادي في جميع أشكاله”. ويعني التأميم الاقتصادي، بحسب وزارة الخارجية الاميركية، تطلّع شعوب أميركا اللاتينية إلى “سياسات ترمي إلى توزيعٍ أوسع للثروة وإلى رفع مستويات عيش عموم الناس”، وهي سياسات ترى وزارة الخارجية أنها تقوم على اعتقاد خاطئ مفاده “إن أوّل المستفيدين من تنمية موارد بلد ما يجب أن يكون شعب ذلك البلد”. وعلى النقيض من ذلك، تملي العقلانية الاقتصادية وجوب أن يكون المستثمرون الأميركيون المستفيدين الأوائل فيما تؤدي أميركا اللاتينية وظيفتها الخدمية.

يدور معظم تاريخ المنطقة منذ ذلك الحين حول جهود الحركات الشعبية من أجل التحرر من هذه القيود، ولجوء واشنطن إلى العنف والتخريب لإنهاء هذه الهرطقة وإعادة الحكم إلى نخب أميركا اللاتينية التي تشاطر واشنطن رؤيتها لما ينبغي أن يكون عليه النظام الجيد. هنالك بعض التنويع بالطبع، لكن هذه نظرة تقريبية أولية جيدة لما كان يحصل ولا يزال.

يوضح لنا المشهد الحالي الاتجاهات العامة بصورة جيدة. ولنبدأ بالبلد الأكثر أهمية، أي البرازيل.

 

البرازيل تحت حكم لولا

تولى لولا دا سيلفا الحكم في عام 2003 بصفته مرشح “حزب العمال”. وأطلق ذلك “عقداً ذهبياً”، بحسب تقريرٍ أصدره البنك الدولي في العام 2016. تقول دراسة البنك الدولي هذه: “كان التقدم الاجتماعي الاقتصادي للبرازيل لافتاً وملحوظاً على مستوى العالم. ومنذ العام 2003، تميّزت البلاد بنجاحها في الحدّ من الفقر وانعدام المساواة وبقدرتها على خلق فرص العمل. وعملت السياسات المبتكرة والفعالة في الحدّ من الفقر وضمان إشراك الفئات المنبوذة سابقاً على انتشال ملايين البشر من الفقر… وأظهر مسار التنمية في البرازيل خلال العقد السابق أنّ تحقيق النمو المترافق مع الازدهار المشترك، والمتوازن مع الاحترام للطبيعة في الآن ذاته، هو أمر ممكن”.

مضى “إشراك الفئات المنبوذة سابقاً” أبعد بكثير من الحدّ من الفقر وصولاً إلى فتح فرص التعلم وسواها من الفرص التي كانت من قبل حكراً على أصحاب الامتيازات. وأصبح لولا أيضاً رجل الدولة الأكثر احتراماً في العالم وصوتاً قوياً في بلدان الجنوب.

عادةً ما تُعزى نهاية العقد الذهبي، بعد مغادرة لولا منصبه، إلى انخفاض أسعار السلع وتباطؤ الاقتصاد في الصين، سوق التصدير الأكبر للبرازيل. ويخالف البنك الدولي هذا الرأي، ويرى بشيء من المنطق أنه كان من الممكن تجديد مسار العقد الذهبي في التنمية لو وجدت السياسات الصحيحة، تلك السياسات التي صدّها إلى حدّ بعيد القطاع المالي القوي والمتوحش في البرازيل.

الكراهية الطبقية المريرة لدى نخب أميركا اللاتينية أمرٌ لا يجب الاستهانة به

حرِصَ لولا على عدم التعدي على امتيازات أثرياء البرازيل والمستثمرين الأجانب، لكن التسامح مع إنجازاته لم يكن ممكناً رغم ذلك، الأمر الذي يعود في جزء منه إلى طبيعتها، لكنه يعود في جزء آخر إلى أصوله: عاملٌ صناعي آتٍ من الإقليم الشمالي الشرقي الفقير، حتى إنّه لا يتكلم “برتغاليةً سليمة”، ومثل هؤلاء ينبغي أن يعرفوا قَدْر أنفسهم. الكراهية الطبقية المريرة لدى نخب أميركا اللاتينية أمرٌ لا يجب الاستهانة به.

 

السجين السياسي الأهم في العالم

بعد مغادرة لولا منصبه، انطلق انقلابٌ ناعم، بدأ بعزل خليفته العماليّة، ديلما روسيف، لأسباب تبعث على السخرية. أمّا المرحلة الأخيرة، فكانت سجن لولا نفسه عشية انتخابات عام 2018 التي كانت لديه فرصة كبيرة للفوز فيها وفقاً لاستطلاعات الرأي. حكم على لولا بالسجن مدة 25 عاماً. وهو عملياً حكمٌ بالسجن مدى الحياة. وُضع لولا في زنزانة انفرادية مع التضييق على حقه في الزيارة ومنعه من استلام أي مطبوعات. والأهم مما سبق أنه حُرم من حقّ الإدلاء بأيّ تصريحٍ، على العكس من القتلة الجماعيين.

لدى المدّعين البرازيليين سوابق مكينة. عندما أصدرت حكومة موسوليني الفاشية حكمها بسجن أنطونيو غرامشي، قال المدّعي يومها: “علينا أن نوقف عقله عن العمل عشرين عاماً.” وما أراده خلفاء إيطاليا الفاشية البرازيليون هو التأكّد من إسكات الشخصية السياسية الأكثر شعبية في البرازيل عشية الانتخابات، ولبقية حياته أيضاً.

توجد بالطبع اتهامات رسمية، لكنها ملتبسة للغاية ويكاد لا يمكن كشفها وفقاً لمعايير متّهميه. وحتى لو قبلنا بتلك الاتهامات، فهي لا تتناسب على الإطلاق مع العقاب الذي وقع على لولا، مما يجعلنا نرى فيه سجيناً سياسياً بامتياز، وهو في الواقع السجين السياسي الأهم في العالم. وقد تجاهل الغرب محنته تماماً في شهادةٍ صاعقة على قيمه النخبوية.

مع إسكات لولا، قامت حملة واسعة وممولة جيداً من الأكاذيب الشنيعة وتشويه السمعة على منصات التواصل الاجتماعي التي تشكّل المصدر الرئيس لمعلومات الأكثرية الفقيرة، ونجحت في إيصال جايير بولسونارو إلى الحكم، وهو من أسوأ سلطويي اليمين المتطرف الذي يجتاح العالم الغربي الآن. إنَّ عنصرية بولسونارو، ومعاداته للمرأة، ورهابه الهوسيّ من المثلية، وسوقيته بشكل عام، تجعل ترمب يبدو رجلاً محترماً متحضّراً.

ما أراده الفاشيون هو التأكّد من إسكات لولا، الشخصية السياسية الأكثر شعبية في البرازيل عشية الانتخابات، ولبقية حياته أيضاً

وفي تصرفٍ يليق به، أهدى بولسونارو صوته الذي أدلى به لعزل روسيف إلى جلادها، الجنرال الذي كان رأس جلادي الدكتاتورية العسكرية المتوحشة التي أطاحت الحكومة البرلمانية الإصلاحية المعتدلة في عام 1964 بدعمٍ أميركيٍ سافر. وأشاد بالدكتاتورية صراحةً، وإن لم يخلُ الأمر من بعض الانتقادات. فهي برأيه كانت رحيمةً كثيراً. لم تقتل وتعذب بما فيه الكفاية. وكان عليها أن تسير على خطى النموذج الأرجنتيني فتقتل 30,000 من البشر. وبالعودة إلى الماضي، فقد أدان بولسونارو الخيّالة البرازيلية لأنها لم تتبنَّ النموذج الأميركي وتجتث السكان الأصليين كي لا تواجه البرازيل اليوم مشكلة بقائهم التي يعتزم هو إنهاءها. أمّا كبير اقتصادييه، باولو غيديس، فهو متطرف يميني من فَقْس مدرسة شيكاغو ويهدف، بحسب ما صرّح به، إلى “خصخصة كل شيء”، وتحويل البلاد إلى نموذج لميثاق عام 1945. ومن الشؤم على العالم أنَّ بولسونارو يعتزم أيضاً فتح المزيد من مساحات غابات الأمازون –”رئة الكوكب”– أمام داعميه لاستغلالها في التعدين والأعمال الزراعية.

هنالك عديد من الاتهامات المشروعة ضد “حزب العمال”، لكنها ليست أسباب الانقلاب. بل يكمن السبب في الهرطقة التي تم سحقها مرة أخرى.

 

فنزويلا: الأخطاء والانقلاب الناعم

ثمة قصة مشابهة نوعاً ما تدور أحداثها في فنزويلا المجاورة. جرى انتخاب هوغو شافيز رئيساً في عام 1999 واستمر في منصبه حتى عام 2013. خلال هذه السنوات، جرى الحدّ من الفقر كثيراً، وتحسنت المعايير الصحية بشكل كبير، وتوسعت دائرة الفرص التعليمية لتشمل قطاعات أكبر، وأُعطي المهمشون صوتاً وبعضاً من كرامة. جرت الانتخابات في مواعيدها بحضور مراقبين دوليين، بمن فيهم مراقبي “مركز كارتر”، أجمعوا على أنها توافقت مع أعلى المعايير. كما راقبت وكالة التصويت التشيلية المحترمة “لاتينوباروميترو” المواقف الشعبية، وخلصت إلى تصنيف فنزويلا على قمة دول أميركا اللاتينية، إلى جانب الأوروغواي، في دعمها الديمقراطية والحكومة.

وعلى غرار لولا، أبغضت النخب الفنزويلية شافيز، ليس فقط لجهوده التي تصب في مصلحة الطبقات الدنيا، بل أيضاً لأسباب تتعلق بشخصه، إذ أتى من الطبقة العاملة وعبّر عن افتخاره بجذوره المختلطة من السكان الأصليين والأفريقيين، وبدا واحداً منهم.

لم تستغرق النخبة الفنزويلية وقتاً طويلاً كي تبدأ العمل للتخلص من هذا الكائن البغيض. فقام انقلابٌ عسكري في عام 2002 خلع الرئيس وحل البرلمان والمحكمة. دعمت الولايات المتحدة ذلك الانقلاب صراحةً ورحّبت به وسائل الإعلام الأميركية الليبرالية. لكن انتفاضة شعبية استعادت الحكم، فلجأت الولايات المتحدة إلى القمع والتخريب يعاونها في ذلك أصحاب الامتيازات وفائقو الثراء.

أبغضت النخب الفنزويلية شافيز، ليس فقط لجهوده التي تصب في مصلحة الطبقات الدنيا، بل أيضاً لأسباب تتعلق بشخصه

وكما هي الحال في البرازيل، توجد في فنزويلا اتهامات مشروعة ضد حكومة شافيز، لكن هذه الاتهامات التي تعزز موقف المعارضة ليست السبب الذي دفع هذه الأخيرة لأن تكرّس نفسها للإطاحة بتلك الحكومة. ارتكب شافيز أيضاً أخطاءً قاتلة، من بينها فشله في تنويع الاقتصاد الذي استبقى الإرث الاستعماري في اعتماده شبه الكلّي على النفط. خطأ شافيز الثاني، كان عدم احتفاظه باحتياطيات كافية في فترة ارتفاع أسعار النفط، ما جعل البلاد تلجأ إلى أسواق الائتمان الدولية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة المعادية عندما انهارت أسعار النفط بعد موت شافيز. وسّع مادورو، خليفة شافيز، أخطاء حكومة شافيز الاقتصادية بشدّة وردّ على تحركات المعارضة بقمعٍ شديد أحياناً. وفي غضون ذلك، تدمر عقوبات أميركية قاسية بشكل غير مسبوق الاقتصاد العليل. ومن جديد، يتم العمل على انقلابٍ ناعم.

هذه مجرّد صورة توضيحية شديدة التبسيط، تغفل عن أمور هامة كثيرة، لكني أعتقد أنها تلتقط بعض أساسيات الانعطافة إلى اليمين في أميركا اللاتينية والتي تنعكس بطرقٍ عديدة في كثير من بلدان القارة.

أمّا المستقبل فلا يمكن التنبؤ به. ثمة قوى متنازعة في جميع بلدان المنطقة، ويتوقف الكثير أيضاً على السّياق الدولي، لا سيما ما يجري في الولايات المتحدة.

 

س: كيف لنا أن نصف باختصار السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط في ظلّ إدارة ترمب؟ هل هي استمرار طبيعي ومجرد تصاعد للسياسات الأميركية التي سبقت ترامب في السنوات والعقود الماضية؟

 

على ترامب أن يحافظ على  توازن معقّد. عليه أن يخدم مصالح ناخبيه الأساسيين، من الشركات والثروات الخاصة، وعليه أيضاً أن يبقي قاعدته الانتخابية تحت السيطرة.

المهمة الأولى موكلة إلى قادة “الحزب الجمهوري” في الكونغرس وإلى موظفيه الحكوميين الذين يؤدون هذه المهمة بشكل رائع. أرباح الشركات والثروات الشخصية تحلّق، إذ تُحَلّ القيود القانونية التي كانت تقيّد الجشع المنفلت، في حين تبقى الأجور الحقيقية متدنية لمعظم العاملين لتكون أدنى حتى مما كانت عليه حين انطلق الهجوم النيوليبرالي منذ أربعين عاماً.

يكوّن المسيحيون الإنجيليون جزءاً كبيراً من القاعدة الانتخابية مشكّلين كتلة انتخابية ضخمة ومنظَّمة في الولايات المتحدة. ويرى هؤلاء أنّ دعم إسرائيل بسخاء واجبٌ مطلق لأسباب تتعلق بعقائد لاهوتية تجمع الدعم غير المحدود لإسرائيل إلى معاداة متطرفة للسامية (لا سيما انتظارهم المتلهّف ما سينتهي إليه اليهود من هلاك أبدي عند القدوم الثاني للمسيح). يروق لمانحي ترامب الأساسيين، كالصهيوني اليميني المتطرف شيلدن أديلسن، الدعم القوي لإسرائيل، خصوصاً يمينها القومي المسيطر.

 

“التهديد الإيراني”

وإذا ما تركنا هذا جانباً، فإنَّ ترامب نرجسيٌ مصابٌ بجنون العظمة وليس لديه أيّ أفكار سياسية واضحة يتعدّى القيام بعكس كلّ ما فعله أوباما الكريه والفوز، أو ادّعاء الفوز على الأقلّ.

يمكن لنا أن نتبيّن معالم الإطار الجيوسياسي من خلال ضبابية تغريداته ومبادراته السياسية؛ وهي تتلخص في تعزيز حلف الدول الأكثر رجعية في المنطقة ليكون قاعدة للولايات المتحدة في مواجهتها لإيران، العدو الإقليمي الرئيس. غالباً ما تُوصف إيران في الولايات المتحدة على أنها التهديد الأعظم للسلم العالمي، وذلك في تناقض حاد مع ما يعتقده العالم، حيث توصلت استطلاعات الرأي العالمية التي أجرتها “غالوب” إلى أنَّ الولايات المتحدة هي التي تُعتبر التهديد الأعظم للسلم العالمي من دون منافس، لكن الصمت التام لوسائل الإعلام يبقي الشعب الأميركي بعيداً عن مثل هذه الأخبار المزعجة. لذلك، يقف “التهديد الإيراني” في أعلى القائمة من دون منازع.

لطالما كانت إيران العدو الرئيس في المنطقة منذ ثورة العام 1979 التي أطاحت الشاه، عميل أميركا منذ تنصيبه إثر انقلاب عسكري قامت به الولايات المتحدة في العام 1953، وحليف إسرائيل المقرب (ولو بصورة غير رسمية). منذ ذلك الحين، انتهجت إيران خطاً استقلالياً جعلها على الفور عدوةً للولايات المتحدة.

وكما توضح الاستخبارات الأمريكية بانتظام، فإنَّ إيران، على الرغم من صعوبة اعتبارها قوة عسكرية، لا تزال عقبةً أمام الاستخدام المطلق للعنف من طرف الدولتين اللتين تطالبان بحقّ الانفلات بحرية في المنطقة، أي الولايات المتحدة وعميلتها إسرائيل. وهذا بالطبع أمرٌ مرفوض.

 

الالتزام التقليدي بإسرائيل

يقوم الحلف الرجعيّ على المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر السيسي، إلى جانب حليفهم الطبيعي الإسرائيلي، مخرجين إلى العلن تحالفاً مضمراً لطالما كان قائماً. وإذا ما ابتعدنا قليلاً، نرى الهند تحت حكم مودي ذلك الحليف الطبيعي، إذ يتخّذ منحى قومياً هندوسياً متطرفاً بتياراته القوية المعادية للمسلمين وتقرّبه من الولايات المتحدة. وإذا ما ابتعدنا أكثر، فلدينا بولسونارو في البرازيل، الداعم المتحمس للعناصر الأكثر تطرفاً في إسرائيل، وتربطه علاقة خاصة بنتنياهو. ولا نعرف سوى القليل عن رئيس فنزويلا الذي اختارته الولايات المتحدة جوان غويدو، لكنه داعمٌ متحمسٌ لبولسونارو، وقد ينضم إلى الحلف في حال أُعيدت فنزويلا إلى النظام العالمي الذي تسيطر عليه أميركا.

تلتزم سياسات ترامب في الشرق الأوسط هذه الشروط العامة أشدّ الالتزام، بما في ذلك نقل السفارة الأميركية إلى القدس، ووقف تمويل “الأنوروا” والفلسطينيين بشكل عام و”صفقة القرن”، على الأقل كما تبدو في ملامحها العامة. وبالتوازي مع هذه السياسات، نرى مشاركة الولايات المتحدة المباشرة في التدمير السعودي الإماراتي لليمن، هذا التدمير الذي تعوقه اليوم جريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي الوحشية التي خرقت جميع القواعد. ومن المكونات الأساسية في هذه السياسة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران والعقوبات القاسية المراد لها أن تدكّ الاقتصاد، إلى جانب التهديدات المتشددة لأوروبا كي لا تخالف الأوامر وتستمر في احترامها الاتفاق الذي التزمت به إيران تماماً بحسب ما تقرّ به الاستخبارات الأميركية.

وعموماً، يلتزم ترامب ومعاونوه الخطوط السياسية العامة للإدارات السابقة، وإن يكن مع بعض الافتراقات المهمة، كما هو الحال في التصعيد الخطير للغاية للتوتر مع إيران وفي تبديد أي ادعاء يزعم الاهتمام بحقوق الفلسطينيين.

 

تنسيق ومراجعة: ربيع بركات وثائر ديب
ترجمة: يامن صابور

 
×