كشّرت الأوليغارشيا عن أنيابها. زعامات سياسية ونوّاب ووزراء سابقون ورجال دين ووسائل إعلام استنكروا “التعرّض” لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، علمًا أن ما طلبته الحكومة اللبنانية من الأخير أمر يكاد يكون مستغربًا لفرط بديهيته: بيانات تشرح كيف “تبخّرت” سيولة سبق لسلامة أن قدّرَها بـ21 مليار دولار قبل أشهر قليلة لا غير.

حاكم مصرف لبنان يكاد يكون الثابت الوحيد بين كثير من المتغيرات في نظام “جمهورية الطائف”، مع رئيس مجلس النواب نبيه بري طبعًا. الثابت الثالث معهما كان سعر صرف الليرة اللبنانية، لكنّه ما عاد كذلك.

والحقّ أن قوة حاكم مصرف لبنان والقطاع المصرفي ككل سابقة على رياض سلامة، ولو أن الأخير أوصلها إلى ذروة لم تعهد مثلها قبلًا. يمكن العودة في هذا السياق، مثلًا، إلى كتاب هشام صفي الدين Banking on the State, The Financial Foundations of Lebanon. يشرح صفي الدين مركزية المصرفيين والخبراء الماليين في تشكيل هياكل الدولة اللبنانية في أعقاب الاستقلال، في تحدّ للنظرة التقليدية التي تولي الدور المحوري في هذا التشكيل للزعامات الطائفية. لاحقًا، بعد الحرب الأهلية واتفاق الطائف الذي مهّد لنهايتها، ترسّخ دور مصرف لبنان وجمعية المصارف (التي سبقت تأسيس مصرف لبنان بخمس سنوات)، وزادت هوامش استقلال كلّ منهما عن السلطة السياسية لجهة وضع السياسة النقدية للبنان (والرقابة عليها في الوقت عينه)، وتماهى دورُهما مع مشروع رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري الذي أسّس لنمط اقتصادي ريعي استفادت منه معظم القوى المشاركة في حكوماته المتعاقبة.

لكن الحقائق الموضوعية حول تضخم دور القطاع المصرفي هذه، والتي أكّدتها باستمرار الأرباح الخيالية والقدرة الهائلة على نسج تحالفات تحمي القطاع من الرقابة والمساءلة، لم تحُل دون تشظي السّجال الذي اندلع أخيرًا حول مسؤولية كارتيل المصارف عن الظروف المتردية، في أكثر من اتجاه. هكذا، استُحضر عنوان “حزب اللّه” لتغذية هذا السجال وتسعيره. فالحزب شمّاعة مفيدة لجبهة عريضة داخل لبنان، تنفع في شدّ العصب ونقل المعركة إلى ميدان مختلف. ومع حشر اسمه تصبح القضية، بقدرة قادر، “استهدافًا للسنية السياسية” كما ورد على لسان وزير الداخلية الأسبق نهاد المشنوق. كما أن الحزب فزّاعة يفيد الاستثمار فيها عند مخاطبة الخارج، خصوصًا أنه المستهدف من التضييق الأميركي على القطاع المصرفي أصلًا. فتذبذبُ سعر صرف الليرة بدأ في أيلول/سبتمبر 2019، مع إدراج وزارة الخزانة الأميركية “جمّال تراست بنك” على لائحة العقوبات (OFAC) بتهمة تقديم خدمات مصرفية للمجلس التنفيذي لـ”حزب الله”. الحجة البديهية في تحويل الأنظار إلى الحزب تتمثل في تناقض حساباته مع سياسات حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف، وهذا صحيح إلى حدّ بعيد. لكن هل تكمن مصلحته في افتعال مشكلة من دون جدوى، تضع حكومة حسان دياب التي يدعمها في مهبّ الريح؟ يصعب تصوّر ذلك منطقيًا.

لا يمكن تحميل رياض سلامة أو القطاع المصرفي مسؤولية السنوات الثلاثين الماضية، لكن المسألة الآن في مكان آخر، زمانه لاحق لـ17 تشرين 2019

لم يتوقف تشظي السّجال عند هذا الحد، بل تبعه احتجاج على “الاستفراد” بحاكم مصرف لبنان عبر تحميله وحده مسؤولية الانزلاق السريع نحو القاع. أُغفلت هنا حقيقة أن أي نقاش حصيف في هذا الإطار، لا بد أن يقوم على الفصل بين زمنين؛ قبل لحظة اندلاع انتفاضة 17 تشرين وبعدها. فقبل هذه اللحظة، وعلى مدى ثلاثين عامًا، تقاطعت قوى “النظام” اللبناني الطائفي الذي أُعيد تأسيسه بعد الحرب الأهلية مع مصالح الأوليغارشيا المصرفية لتنتج نموذجًا اقتصاديًا وماليًا راكم أرباحًا من فوائد أنهكت خزينة الدولة وأوقفت البلاد على حافة الإفلاس غير مرّة، ورافق ذلك فسادٌ هائلٌ غذّته منظومة حوّلت المواطن اللبناني إلى زبون يشتري الخدمات على مدار العام ويدفع ثمنها في الانتخابات، وزادت من حجم الخراب حروب إسرائيلية وظروف إقليمية ضاغطة واستقطاب طائفي حادّ عند أكثر من منعطف. بداهة، لا يمكن تحميل رياض سلامة أو القطاع المصرفي مسؤولية الكثير مما سبق.

لكنّ الاستنتاج هذا، على صحّته، تمييع للقضية المولّدة للكثير من العنف في الشارع اليوم. فالقضية الآن، بالمعنى المباشر، في مكان آخر، زمانه لاحق لـ17 تشرين 2019. إذ ثمة في الأشهر الستة الأخيرة أعداد غفيرة ممّن بُدّدت ودائعهم في المصارف، واجتُزئت أجورهم بحجّة غياب السيولة النقدية بالدولار، فيما قلّة سُمح لها بتهريب أموالها إلى الخارج سرًا. وهذه الأموال المُهرّبة، التي استنزفت ما تبقّى من مخزون العملة الصعبة، يُراد استخدامها من أجل تأمين ديمومة النظام الزبائني، بصيغة مساعدات إنسانية تُثبّت ولاءات أصحاب البطون الخاوية والعاطلين عن العمل والمتساقطين من طبقة وسطى تخسر الكثير من امتيازاتها تدريجيًا. القضية اليوم هنا. والأسئلة المصاحبة لها تتصل بمسببات الانحدار السريع نحو قاعٍ سحيق وغياب الكوابح المانعة لاصطدام غالبية اللبنانيين بأسفله خلال أشهر. لا يمكن لعاقل أن يدعو، في لحظة انهيار دراماتيكي، إلى إجراء جردة حساب ومحاسبة سريعة (غير ممكنة واقعيًا) لكلّ من شارك في السلطة على مدى ثلاثة عقود. هذه يُفترض أن يأتي أوانها لاحقًا، حيث أمكن.

في مطلق الأحوال، الثابت أن قنابل المولوتوف المرمية على واجهات المصارف أخيرًا، في ظل عملية النهب المنظّمة هذه، هي تعبير عن شكل من أشكال “العنف الرمزي” الذي يُخشى أن يستفحل ويتشعّب وتسيل معه دماء، وهو بدأ يترافق مع احتجاجات مقابلة ومتداخلة ضدّ الحكومة ورعاتها (وبعضهم متقاطع مع الأوليغارشيا المصرفية)، وستصحبه على الأغلب أعمال شغب غير هادفة، وصدامات في الشارع بين أنصار قوى متضاربة، وفوضى متقطّعة حيث تضعف سلطة الدولة المركزية أو تترهل.

لقد بات القطاع المصرفي الذي قام على أكتافه اقتصاد لبنان على مدى العقود الثلاثة الماضية يقف على حافة انهيار مريع ناجم جزئيًا عن الوحش الذي ولّده تفلّت القطاع من الضوابط. أما قنابل المولوتوف التي يرجمه المتضرّرون منه بها، فصارت غايتها رمزية كذلك، تُماهي بين احتراق أبنية حوَت أرصدتُها جنى الأعمار، وبين خشية من احتراق أيام الأعمار المقبلة نفسها.

المزيد من هذا المؤلف

بقعة دمٍ في رؤوسنا

 
×