تفتح تحركات موظفي القطاع العام في لبنان نافذة جديدة لإعادة التفكير بأسباب استمرار المنظومة السياسية – الاقتصادية القائمة على تضييق دائرة الأكثر ثراءً وتوسيع الفجوة بين الطبقات بشكل مهول. التفكير بالوجه المحلي لها، انطلاقاً أولاً من بُعدها العالمي، بمعنى أن هذه الظاهرة عالمية مرتبطة بتجذر هيمنة المنظومة النيوليبرالية.

 

ثمة لقاء يليق بمشهد إفتتاحي لعمل درامي لم يصل الى نهاية بعد.

التاريخ ليس معروفاً بشكل محدد، ظهر أحد أيام عام 1974. حول طاولة في زاوية هادئة من مطعم فخم في واشنطن يجلس أربعة رجال، يتناولون وجبة الغداء، وأمامهم، إلى جانب الأطباق، ورقة بيضاء وقلم. الموسيقى هادئة. نادل يراقب من بعيد، علّ أحدهم أومأ له بطلب ما. هم أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة واشنطن، آرثر لافر، وسياسيان سيحتلان موقعين متقدمين في الإدارة الأميركية لاحقاً، هما دونالد رامسفيلد وديك تشيني، ومعهم جود وانكسي، الصحافي ذو التوجهات المحافظة. لافر هو من أدار دفة النقاش، حمل الورقة والقلم وخط ما سيُجمع عليه الآخرون، باعتبار أن عمليات تخفيض الضرائب على ثروات الأكثر ثراء إنما تفيد الأكثر فقراً.

القصة ليست نكتة سمجة، القصة كما يستعيدها أريك بير في كتابه “التطرف الاقتصادي” L’intégrisme Economique، وكما تبناها الرجال الأربعة، تفيد بأن تخفيض الضرائب على أرباح الأكثر ثراء ستزيد من ثرواتهم، ليستفيدوا من هذه الثروة بالتالي بإطلاق استثمارات جديدة يشتغل فيها الفقراء كأجراء. الورقة التي رسم عليها لافر عناوين رؤيته، لم تُرم في سلة المهملات، حُفظت كما تُحفظ الوثائق التاريخية في ملف مهيب. كانت عجلة التاريخ تدور بسرعة رهيبة لتُنعشها بشكل عاجل. لن يمر الوقت الطويل حتى يُنتخب رونالد ريغان الذي أسس مع رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر الأرضية المناسبة لتغليب الاقتصاد النيوليبرالي، تحت تأثير أفكار الاقتصادي ميلتون فريدمان.

مشهد وسطي خاطف وسريع:

شاب عشريني يقرأ مقتطفات من رواية “نهاية الرجل الأحمر” للكاتبة البيلاروسية سفيتلانا أليكسيفتيش.

“لقد جعلنا الوطن سوبر ماركت كبير، استبدلنا الوطن بالسوبر ماركت، أهذه هي الحرية؟” هذه شهادة لشخصية لا اسم لها في رواية. في الرواية نفسها ترد شخصية أخرى لا اسم لها: “إننا نبني الرأسمالية برعاية الكي جي بي”.

تأتي الشهادتان في إطار مجموعة شهادات بنت عليها الكاتبة البيلاروسية روايتها. يذهب الشاب العشريني إلى حاسوبه، يكتب اسم سفيتلانا أليكسيفتيش. يتعرف اليها سريعاً. يفهم أنها الحاصلة على جائزة نوبل، وأنها ليست محبة للنظام الشيوعي السوفييتي ولا هي تبكي على أطلاله. يمكن القول باختصار إنها على الأرجح تقف في مساحة عداء له، لكنه عداء لا يعمى عن معاناة شعوب من المنظومة الاقتصادية الخانقة التي فرضها النظام العالمي الذي كان جديداً في التسعينيات، أي خلال العقد الذي ولد فيه الشاب القارئ لروايتها.

مشهد أخير:

يحدث ذلك حالياً في لبنان.

أعداد غير محصورة من موظفي المهن المختلفة مهددة بفقدان عملها، تشتغل كمن أطبق على حاسة النطق عنده كاتم للصوت. بعض هذه المهن قائمة على سواعد وأقلام وفكر الكوادر حاملي الشهادات العليا. يعيش الموظفون هؤلاء تحت وطأة الخوف من فقدان كل شيء، يرضون بتسويف رواتبهم، بتأجيل استحقاقاتهم، بتمييع حقوقهم وهدرها. يتابعون العمل بجهد وكد، ويتسولون أرباب العمل أن يدفعوا لهم رواتبهم المؤجلة، التي لم تجار ِ ارتفاع تكاليف العيش. هؤلاء يتنازلون طوعاً عما يحفظه لهم القانون، يزينون خوفهم بالكفر بالقضاء وبالقانون، ويتحولون بطريقة أو بأخرى إلى أسرى لمنظومة استعباد يصير فيها صاحب المال هو المتحكم والشاري والناهب.

في المقابل، يخرج أبناء القطاع العام ليدافعوا عن حقوقهم، عن رواتبهم، وعن مكتسباتهم، وهم في معركتهم هذه الآخذة في الاتساع يبرهنون عن حرية المعتقد، في مواجهة “رب العمل” أو الأعلى سلطوياً، أي مجلس الوزراء اللبناني، رغم ما يُعرف من أن التوظيف في القطاع العام هو منذ سنوات مرتبط بتزكية سياسي ما أو رئيس طائفة أو أي أمير حرب سابق. لكن المنظومة التوظيفية للقطاع العام تسمح بهامش حرية للموظف أكبر بكثير مما تسمح به منظومة القطاع الخاص.

قبل أن تُسدل كلمة النهاية، ثمة في القاعة من يطرح السؤال: من القائل بأنه “لا يمكن لمجتمع ما أن يزدهر ويكون أفراده سعداء إن كانت الغالبية (أي العمال والموظفين) من الفقراء التعيسين”، يرد مشاهد آخر بصوت مرتفع إنه “أبو الرأسمالية ما غيره: آدم سميث”، يسود صمت مطبق في الأرجاء، كيف صارت طروحات قديس السوق الحرة أكثر إنسانية مما تفرضه علينا منظومة التحكم بقوتنا وحاضرنا ومستقبلنا.

 
×