ثمة ما يترك مساحة للتردد حين تتطرق الكتابة إلى حيوات أشخاص. والتردد يفيد لأنه يوسع مساحة التفكير والتأمل، وعنوانه قاعدة أخلاقية مفادها أن حيوات الآخرين لهم فقط، ومناقشتها يجب أن تبقى كفعل المشي في الهواء على حبل رفيع، أي بدقة وسمو. ومن هنا، فإن هذا المقال ينطلق من اعتذار مسبق لغدير الموسوي وكل فرد مشترك أو متأثر بقضيتها، لكن الكتابة في هذا المجال قد تكون مفيدة لأن القضية فتحت أكثر من نافذة للنقاش يجدر التوقف عندها.

قبل يومين، جرت حادثة مصورة على طريق دولي في لبنان. انتشر على مواقع الانترنت فيديو يظهر امرأة – اسمها غدير وهي ابنة نائب في البرلمان – تقود سيارتها ويُبين الكلام الذي يُسمع أن في السيارة أولاد وصبية أخرى (هي شقيقتها). تعرضت سيارة ابنة النائب لملاحقة من طليقها الذي تمكن من اعتراض طريقها. لاحقاً تم تسريب محضر من مخفر (مركز درك- شرطة) بشكل غير قانوني لتنتشر على أساسه رواية مفادها أن والد الفتاة النائب حضر مع 20 رجلًا إلى المخفر واقتحموه واعتدوا على طليق الابنة. تداعيات هذا الحادث والرواية المسربة، وضعت القضية برمتها في دائرة الضوء ليظهر أن خلافاً بين الشابة وطليقها قائم منذ فترة طويلة، محوره قضية حضانة ولديهما، أو بشكل أدق حق الأم برؤية الولدين بشكل مستمر، وهي قضية تدلي المحاكم الشرعية رأيها فيها في لبنان، ويميل عدد من قضاتها، وفق القوانين الدينية أو الفقهية التي يتمسكون بها، إلى تعميق معاناة النساء في حال تمنع الزوج عن قبول الطلاق، أو إعطاء الحضانة للأم، أو السماح للأم برؤية أولادها. تتفاوت معاناة النساء وفقا لمعيارين، الأول متعلق بشخصية الزوج نفسه، حيث أن بعض الرجال لا يمنعون عن المرأة حقها بالطلاق ولا حقها باحتضان أولادها، فيما آخرون يُمعنون في التنكيل بها. أما المعيار الثاني فهو متعلق بالمحكمة نفسها، فقوانين المحكمة الجعفرية مثلاً أكثر إجحافا وصلافة من المحاكم الدينية الأخرى.

حظيت قضية غدير بتعاطف كبير ، إلا من قلة تتمترس داخل قناعات سياسية ضيقة ترى كل أمور لبنان من خلالها

شكلت المطالبة بقوانين مدنية للأحوال الشخصية مطلباً متكرراً في برامج حراكات المجموعات العلمانية في فترات متكررة من التاريخ اللبناني، وظهرت بشكل متكرر أيضاً بعد انتهاء الحرب الأهلية، لكنها بقيت هماً خاصاً بالأقلية المستعدة للمطالبة بوطن لا تحكمه قوانين الطوائف والمذاهب. تعرضت هذه الحراكات لضربة موجعة، مع تراجع الأصوات المناضلة، وطغيان وجه قبيح للتحركات المدنية في السنوات الأخيرة هو وجه عدد من الحراكيين الذين يربطون مطالبهم بعناوين قابلة لجذب التمويلات الأجنبية (وهم بالمناسبة قلة لكنهم باتوا يملكون أدوات التأثير من المال إلى العلاقات العامة والامتداد الإعلامي). هنا تعمق الانفصام بين هؤلاء الحراكيين وعامة الناس، إذ سهّل هذا التيار عملية شيطنة المطالب بحد ذاتها، من قبل حَمَلة الخطابات المذهبية المتطرفة. عملية الشيطنة تمت من خلال ممارسة محو للذاكرة أيضاً، ذاكرة لبلد كان جزءٌ من أبنائه يحلمون بدولة مدنية ويرفضون الطروحات اليمينية الطائفية.

قضية غدير بهذا المعنى تسهم في إعادة قلب الطاولة. المرأة التي تُسلّط عليها الأضواء هي ابنة بيئة محافظة، تنتمي لحزب يمثل جزءاً كبيراً من طائفة في لبنان. هذه المرأة التي تشبه كثيرات في لبنان تعرضن للظلم، وهو ظلم مارسه عليها طليقها بمساندة من المحكمة الشرعية. وهي، لما ازداد الظلم، حظيت بدعم لامتناهٍ من أب تحرك بفعل العاطفة. هذا الأب المنتمي لحزب متدين، والمنتمي لبيئة محافظة، لم يحمل الخطاب التقليدي الذي يريد للمرأة أن تبقى تحت جناح زوجها أياً كانت المعاناة التي تعيشها، بل أرادها متحررة من العنف (أيا كان شكله)، ويريدها امرأة تتمتع بكامل حقوقها كأم. هكذا، أخرج الأب القضية من ميدان الحرب النسوية (المستجدة) ضد الرجل، لتكون معركة جزء من المجتمع بنسائه ورجاله. لهذه الأسباب حظيت قضية غدير بتعاطف كبير ، إلا من قلة تتمترس داخل قناعات سياسية ضيقة ترى كل أمور لبنان من خلالها. التعاطف القائم يمكن إذا تمت دراسته جيداً والاستفادة منه، أن يشكل منطلقاً جديداً لخوض معركة حقيقية وناجحة في وجه منظومة تريد تكريس المنطق المذهبي عبر أدوات مختلفة منها الذكورية.

مع قضية غدير، أخذت قضايا النساء في وجه المحاكم الشرعية بعداً آخر يمكن أن يلامس شرائح مختلفة، فهي لم تعد قضية ترف فكري يمارسه بعض المتحررين، ولا هي قضية “استشراقية” يتاجر بها بعض “الحراكيين”، ولا هي فقط قضية النساء الضعيفات المتروكات بلا سند، بل هي قضية تتصل بمشكلة عميقة يمكن أن تعاني منها أي امرأة، ويمكن أن يشترك في مواجهتها رجال متحررون أو متدينون. المساحة العامة بهذا المعنى تتسع.