احتلت مصر المرتبة الثالثة عالمياً في واردات السلاح خلال الفترة بين 2014 و2018، وفق التقرير السنوي لـ”معهد ستوكهولم للسلام” الذي أصدره خلال شهر آذار/مارس الجاري عن تجارة السلاح في العالم، وقد كان ترتيب مصر مُدهشاً ليس للمتابعين للشأن العسكري والسياسي فقط، وإنما لجميع المصريين، حيث يأتي هذا التقرير تزامناً مع أوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة في مصر لطالما بررها النظام بالوضع الاقتصادي السيئ وضعف الموارد المالية، بينما يتمتع النظام المصري بعلاقات حميمية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي –العدو التاريخي لمصر.

 

حجم واردات السلاح

ويُشير التقرير إلى أن نسبة مصر من المشتريات العالمية من السلاح قد بلغت 5.1 في المئة خلال الفترة المذكورة مقارنة بـ 1.8 في المئة خلال الفترة من عام 2009 وحتى 2013. وبينما يُقدر موقع Global fire power الانفاق العسكري المصري بحوالي 4.4 مليارات دولار سنوياً، فقد بلغ حجم الجزء المخصص للقوات المسلحة من الموازنة العامة للدولة خلال العام المالي الجاري 2018/2019 حوالي 59 مليار جنيه (3.3 مليارات دولار أميركي) مقابل 2.9 مليارات دولار للعام المالي 2017/2018. ومع ندرة المعلومات حول حجم الصفقات خلال تلك الفترة، فقد كان حجم الصفقات العسكرية عام 2015 وحده حوالي 10.4 مليارات دولار وفق تقديرات حكومية، وتتمتع موازنة القوات المسلحة بسرية تامة وفق المادة 203 من الدستور، حيث تُدرج في الموازنة العامة كرقم واحد تحت بند مصروفات أخرى، ولا تتم مناقشته في البرلمان وإنما يختص بذلك مجلس الدفاع الوطني الذي يرأسه رئيس الجمهورية، وتغلب على أعضائه شخصيات عسكرية، بينما تتمتع إمبراطورتيه الاقتصادية الضخمة بقدر أكبر من السرية ولا يتم ربطها بالموازنة العامة ولا تخضع للأجهزة الرقابية أو رقابة البرلمان، بجانب حصوله على معونة عسكرية سنوية من الولايات المتحدة تبلغ 1.3 مليار دولار، بالإضافة إلى تمويل بعض دول الخليج لبعض تلك الصفقات.

 

أهمية هذا التسليح

وفي تقرير نشره موقع ستراتفور الأميركي الخاص بالدراسات الأمنية والعسكرية والاستراتيجية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ورد أن تلك المشتريات الضخمة من السلاح لا ترجع للحاجة العسكرية، موضحاً أنه على الرغم من تورط البلاد في مواجهات ضد جماعات مسلحة في سيناء، فقد جاء معظم المشتريات من السلاح غير مناسب للقتال في سيناء. وأشار التقرير إلى أن سلاح المشاة الذي يقوم بأغلب العمليات القتالية في سيناء، لطالما افتقر إلى المعدات الفعالة والإمدادات الجديدة من المدرعات ومعدات القتال الفردية، بجانب نشر دبابات (M-60A3 ) الأقدم والأكثر ضعفاً هناك في حين أن دبابات (M1 Abrams ) الأكثر تقدماً – والمحمية بشكل أفضل – بقيت خارج العمليات، ولم تقم السلطات المصرية بشراء المعدات الأكثر ملاءمة للمعركة بما في ذلك المركبات المقاومة للألغام والمجهزة ضد الكمائن (MRAP)، بينما قامت الولايات المتحدة بمنحه المئات من هذه المركبات مجاناً أوائل عام 2016.

ويُفسر الموقع في تقريره كل تلك المشتريات بأنها تعود إلى عوامل جيوسياسية أكثر مما هي حاجة عسكرية، حيث أن هناك رغبة من النظام المصري في استعادة النفوذ والهيبة الإقليمية اللذين تضاءل خلال العقدين الماضيين بسبب الوضع الاقتصادي وتقدم قوى أخرى في المنطقة مثل دول الخليج العربي وتركيا وإيران، وهو ما دفعه للإنفاق الكبير على الأسلحة الهجومية المتطورة مثل السفن البرمائية الضخمة والطائرات الهجومية وحاملات الطائرات.

في المقابل، أورد “مركز كارنيغي” في مقال منشور على موقعه بعنوان “فن الحرب في مصر” أن تلك المشتريات من السلاح هدفها قمع الاحتجاجات على غرار السيناريو السوري، وهو الرأي الذي عارضه الكثير من الباحثين لعدم واقعيته في الحالة المصرية.

جاءت فرنسا في المرتبة الأولى في قائمة الدول المُصدرة للسلاح إلى مصر بنسبة 37 في المئة، آخذة مكان الولايات المتحدة التي جاءت في المرتبة الثالثة، بينما حلّت روسيا في المرتبة الثانية

 

أبرز البائعين

ووفق تقرير “معهد ستوكهولم”، جاءت فرنسا في المرتبة الأولى في قائمة الدول المُصدرة للسلاح إلى مصر بنسبة 37 في المئة، آخذة مكان الولايات المتحدة التي جاءت في المرتبة الثالثة بعدما احتفظت بالمرتبة الأولى لعقود منذ توقيع اتفاقية كامب دايفيد، بينما حلّت روسيا في المرتبة الثانية. كما أن مصر أصبحت المشتري الأول للسلاح الفرنسي بنسبة 28 في المئة، وكذلك حلت في المرتبة الأولى في قائمة مشتري السلاح الاماراتي بنسبة 14 في المئة.

وكانت منظمة العفو الدولية قد طالبت بوقف تصدير السلاح إلى مصر، لاسيما السلاح الفرنسي، بعد تحقيق لها قالت فيه إن قوات الأمن المصرية قد استخدمت معدات عسكرية مستوردة من باريس في قمع التظاهرات بعنف بين عامي 2012 و2015.

وقد فسّر تقرير “ستراتفور” تغيير خطط التسليح المصري لتشمل فرنسا وروسيا وألمانيا والصين بأن ذلك لم يأتِ مُصادفة بعد عقود من الاعتماد على الولايات المتحدة كمصدر وحيد للمعدات العسكرية منذ اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، وذلك بعد المخاوف التي أثارتها واشنطن بقطع المعونة العسكرية والاقتصادية عن مصر في تشرين الأول/أكتوبر عام 2013 بسبب دور الجيش في الإطاحة بمحمد مرسي من الحكم، بينما يرى متابعون آخرون أنه يمثل رغبة أيضاً من النظام السياسي الحاكم في تنويع النفوذ السياسي الدولي بعد تخلي الولايات المتحدة عن حليفها السابق حسني مبارك إثر تظاهرات عام 2011 والضغط لخلعه من الحكم.

ويعلق عليّ الرجّال، الباحث في مجال الاجتماع السياسي والمختص بالشؤون الأمنية والعسكرية قائلاً إن صفقات السلاح تحافظ على تماسك الجيش بشكل أكبر وتساهم في تطويره وهي طفرة حدثت منذ عام 2014، حيث استمر الجيش في عملية التطوير في مجالي السلاح إلى الملبس وغيرهما، وهذا مهم لرفع الروح المعنوية للجنود والضباط. وأشار إلى أنه على الرغم من كل تلك الصفقات فقد حافظ الجيش على مشترياته من الدبابات، خاصة من الولايات المتحدة، وكذلك على نوعية السلاح المعد للمواجهات العسكرية النظامية وليس للحرب على الإرهاب بشكل أساسي، لأنه على الأغلب يرى أن ما يحدث في سيناء أزمة لحظية في طريقها للحل، وليس تحولاً في العقيدة القتالية (برغم العلاقة الجيدة مع إسرائيل).

ويُضيف الرجّال قائلاً إن بعض الصفقات كانت متقدمة ومهمة بالفعل، مثل صفقة الطائرات المقاتلة “سوخوي 35” الأخيرة، ولكن السؤال عن الأسباب سيظل من دون إجابة واضحة، كما أن زيادة المشتريات العسكرية من فرنسا تأتي في إطار التقارب الأمني والعسكري الكبير بين البلدين، حيث مدت باريس القاهرة بتكنولوجيا أمنية متطورة في مجالي المراقبة والتجسس إلى جانب الصفقات الضخمة مثل طائرات “الرافال”.