“كم جئت ليلى بأسبابٍ ملفقةٍ، ما كان أكثر أسبابي وعلاتي!”
(أحمد شوقي في مسرحية “مجنون ليلى”)

الانتباه سلعة نادرة. كان يكفي لمشروعٍ ما في الماضي تدبير رأس المال الكافي والعمالة الكفؤة وطلب معقول كي يقلع العمل. في العصر الرقمي، أصبح الانتباه البشري أحد أهم الأصول غير الملموسة التي تتصارع شركات المحتوى المتنافسة من أجل الاستحواذ عليه. على أساس هذه الفكرة، قام تخصص اقتصادي كامل يدعى “اقتصاد الانتباه Attention Economy”. يقول اقتصاد الانتباه بشح الانتباه، وبالتالي بقيمته العالية ضمن منظومة اقتصادية تعتمد بشكل رئيس على شدّ انتباه الناس لتسويق ما تعرضه من منتجاتٍ وخدمات. يترافق شحّ الانتباه مع شحٍّ في الوقت والمال، ويتناقض في الآن ذاته مع وفرةٍ مهولةٍ من المحتوى.

يتسبب هذا التناقض في اختلال الميزان الاقتصادي التقليدي للعرض والطلب مع وجود فائضٍ من المعروض، قد لا يجد من يعيره انتباهاً. يستخدم العقل البشري عامل الانتباه من أجل غربلة الكم الهائل من العرض هذا. ومع مرور الزمن، يزداد اتساع فتحات الغربال. فالدراسات الحديثة تشير إلى تناقصٍ متنامٍ في قدرة الدماغ البشري على الانتباه واستيعاب المعلومات. ومع ازدياد المعروض من المحتوى، يزداد الطلب على جذب الانتباه بأكثر مما هو موجود لدى البشر. هكذا، يقوم اقتصاد الانتباه على تقديم الحلول وإدارة المعلومات، بشكل يضمن الحصول على الانتباه المطلوب، وذلك عبر تطوير خوارزميات التواصل وتعديلها باستمرار، وتوجيه الإعلانات ضمن منصات السوشال ميديا، وتصميم المواقع الإلكترونية بطريقة يسهل معها الوصول إلى الخدمة أو المعلومة المطلوبة، بأقصر وقتٍ ممكنٍ ومن دون عناء.

لا تخرج قضية “مشروع ليلى”، والضجة التي أثيرت حول حفلتهم المرتقبة في جبيل ومن ثم إلغاؤها، عن تطبيق اقتصاد الانتباه بجدارة

هذا في عالم الأعمال. أما في السياسة فهناك تطبيقات مبتكرة أيضاً لمبدأ اقتصاد الانتباه. فالحكومات تعتقد هي الأخرى أن الانتباه موردٌ ثمين. ولهذا، دائماً ما ترغب الحكومات باحتكار الانتباه وصبّه في قنواتٍ تراها هي مناسبة لضمان “السلم الأهلي”، أو “الشعور القومي”، أو “الاستقرار النقدي”، أو “هيبة الدولة”، وإلى ما هنالك من تعابيرٍ فضفاضةٍ تلائم أي قمع لانتباه الناس، يتطلّبه “المنعطف التاريخي” الذي تمر به البلاد، أي بلاد.

لا تخرج قضية “مشروع ليلى”، والضجة التي أثيرت حول حفلتهم المرتقبة في جبيل ومن ثم إلغاؤها، عن تطبيق اقتصاد الانتباه بجدارة. لبنان اليوم يرزح تحت وطأة جملةٍ من أزمات الحكم والاقتصاد والمجتمع، فيما بدأت الصيغة اللبنانية باستنفاذ قدرتها على الاستمرار بتفادي التعثر أو حتى الانهيار. وانعكاسات هذه الأزمات في الواقع اليومي عديدة: اعتصامات وتظاهرات الموظفين والمتقاعدين وأساتذة الجامعة على وقع نقاشات عبثية في مجلس النواب لميزانيةٍ تراعي المحاصصة السياسية على حساب الصالح العام؛ الاعتكاف الحكومي إثر توترٍ في الجبل وصل إلى تبادل إطلاق النار في قرية قبرشمون واتهامات بين الأحزاب بتدبير اغتيالٍ سياسي؛ الهندسات المالية المتكررة التي يجريها المصرف المركزي بالإضافة إلى التقارير المحلية والدولية التي تشير إلى الإعسار والهدر والفساد؛ والكثير غيرها. في كل تلك المعمعة، يبدو الغضب جراء أغنية أو حفلة ما ترفاً لا قدرة لشعبٍ ينوء تحت كل ما سبق على ممارسته. بل هو حتى غضبٌ يتفجر في المكان الخاطئ. لكن لعبة اقتصاد الانتباه تستطيع تحقيق أي ترفٍ تطلبه السلطة لإنقاذ نفسها. وهكذا تشتغل ماكينة الإلهاء، ويتحول انتباه الجميع إلى موضوعٍ أبعد ما يكون عما يحيق بحياتهم من تهديداتٍ حقيقية.

لو لم يكن “مشروع ليلى” وأغانيهم وحفلاتهم، لكان هنالك مشهدٌ في فيلمٍ ما أو جملةٌ في برنامجٍ ما

كان الانتباه هذه المرة من نصيب فرقة “مشروع ليلى” بحجة أغنياتهم – أو واحدة منها بالتحديد – اعتبرها “المجلس الكاثوليكي للإعلام” مسيئة للدين المسيحي. وعليه، طالب بإلغاء حفلهم في جبيل. تلك كانت الشرارة التي أشعلت غضب جمهورٍ يبدو مستعداً ومتعطشاً لسفك الدماء؛ فقد جاء في بيان “لجنة مهرجانات بيبلوس الدولية” بالحرف أن اللجنة “أُجبرت على إيقاف حفل مشروع ليلى مساء الجمعة 9 آب 2019، منعاً لإراقة الدماء وحفاظاً على الأمن والاستقرار.”

نعم، ما زلنا نتحدث عن مجرد حفلة! ولكن من تابع السجالات في الأيام التي سبقت البيان المذكور سيدرك أن هنالك دماءً افتراضية أُريقت بالفعل، وأغرقت صفحات السوشال ميديا. اكتملت أركان اللعبة بسرعة. صمتٌ حكوميٌ ورسميٌ مطبق، وهيئةٌ دينيةٌ تمارس دوراً رقابياً من دون أي سلطةٍ دستوريةٍ أو قانونيةٍ، وجيشٌ من الغاضبين على السوشال ميديا، وقضاءٌ يسترعي انتباهه المسّ بالأديان ورموزها أكثر من جبال المخالفات التي تغطي البلاد طولها وعرضها. أمّا شعار الحملة فهو ذاته كما في كل مرة: الآخرون يريدون بنا شراً. تلك الفكرة تكفي كي تشد انتباه “النحن”، وتجعلهم يستحضرون الانتماء الديني والهوية الجندرية والخلفية المناطقية لأولئك الآخرين، وهنا هم أعضاء الفرقة ومن ثم المدافعين عنهم، وتحولهم إلى منبوذين.

يقع من يفهم اللعبة أيضاً في الفخ. فالبعض الذي يرفض القمع والإرهاب، أياً كان شكلهما، يضطر إلى بذل الجهد للدفاع عن أغنيةٍ قد يراها سخيفة أو سيئة، ولكن ما من مهرب في خديعة جذب الانتباه هذه. أمّا الأزمات جميعها فقد ضاعت في كل ذلك الخضم العنيف من الانتباه إلى أغنية لا تعدو عن أن تكون “صفّ كلام” حوّله الأغيار إلى “صلبٍ آخر للمسيح”.

تثبت التجربة مرة بعد أخرى أنه من المستحيل للخطاب الديني أن يفشل في “لبنان التاريخ والثقافة والتنوع”، ولا شيء مثله ينجح في استرعاء انتباه الناس الخائفين على حياتهم في الآخرة. هناك، قد يرتاحون على الأقل من الزعماء المتألّهين، والغلاء الفاحش، وأكوام الزبالة، والتلوث الخانق، وفواتير الكهرباء. ولا يتوهم أحدٌ أن السلطة ستعدم يوماً المواضيع من أجل حصد الانتباه المطلوب. فلو لم يكن “مشروع ليلى” وأغانيهم وحفلاتهم، لكان هنالك مشهدٌ في فيلمٍ ما أو جملةٌ في برنامجٍ ما. لا تنتهي الاحتمالات ولا تشحّ. وحده الانتباه، في موضعه، شحيح.