في الحراك اللبناني المستمر منذ نحو أربعة شهور، ثمة تحوّلات مهمة تطبع الفهم المتنامي لمظاهر الأزمة السياسية والاقتصادية في البلاد، وذلك من خلال ندوات يعقدها مناضلون قدامى ومتخصصون في علوم السياسة والاقتصاد والقانون. إلا أن الوجه الجديد للتغيير الأعمق في فهم الأزمة يكمن في معرفة جذرها الاقتصادي – السياسي، ليس فقط باعتبارها أزمة ناتجة من “فساد” ما ارتكبه حكام لبنان، بل باعتبارها نتاج منظومة اقتصادية تتيح تمادي وتعميق سيطرة الأقلية الأوليغارشية المتماشية بمصالحها مع القوى الدولية المتحكمة بالاقتصاد النيوليبرالي.

هذا الوعي المستجد يلعب الصحافي محمد زبيب الدور الرئيس والمتقدم في صناعته. مساء أول من أمس، وبعدما أنهى محاضرة عن الأزمة اللبنانية، تعرض لاعتداء في شارع الحمرا نفّذه ثلاثة شبان في موقف للسيارات، ضربوه ثم فروا من المكان، فيما حالة الصحافي زبيب استدعت معالجة لساعات في المستشفى، خرج من بعدها ليعلن استمرار المعركة، وهي بعكس ما جاء به كثيرون، ليست معركة الرأي الحر فقط، ولا محاولة كم الأفواه تجاه رأي مخالف، بل هي معركة هدم الهيكل الذي سهّل قيام السياسة الاقتصادية التي تنفجر في الأزمة الحالية.

محمد زبيب بشكل خاص، مع اقتصاديين آخرين كبار، يضربون إسفيناً في بنية الجهل المنمّق، الذي بفضله كان قيام منظومة إفقار اللبنانيين وارتباط الاقتصاد ببنية نيوليبرالية محلية وعالمية سهلاً. وقد قامت المصارف بالطبع بدور متقدم في هذا البناء، وكانت من أبرز المستفيدين منه. جهلٌ ساهمت في تلميعه وتصديره بلباس “معرفي” مزيّف وسائل عصرية، من إعلانات متلفزة وخطابات مُصدَّرة عبر أكثر من وسيلة صحافية، وكذلك عبر شبكة غيبّت بفعل سطوتها المالية أي رأي يكشف جوهرها، بل ساهمت في تقليص شأن هذه الآراء في نظر المجتمع اللبناني.

لقد شُيّدت المنظومة الناهبة للاقتصاد اللبناني على أساس “بث الجهل” بالوقائع والأرقام، ولكنه كان أيضاً جهلًا بآليات إنتاج المنظومة نفسها، من خلال بيع الأوهام بحياة جميلة أساسها تخفيض الإنتاج وتوسيع النشاط الاستهلاكي. لما بدأ الهيكل ينهار على رؤوس اللبنانيين، ولما راحوا يطرحون الأسئلة، في إطار حركة احتجاج شعبي كبير، خرجت الى النور نظرية صحيحة – ولكنها غير مكتملة – ترجع الانهيار الى الفساد، من دون تحديد مكنوناته ومنظومته، ومن دون التعريف بـ”أيديولوجيا” السياسة الاقتصادية القائمة في لبنان منذ التسعينيات. الإجابة المعمقة حول أساس الأزمة وبنيتها حملها زبيب. صار رجل الحوارات والندوات، منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي يتشاركها الآلاف. المعطيات التي يرويها والأرقام التي يقدمها والتحليلات التي يسردها موضع ثقة – مستحقة – وركيزة أساسية لإعادة التفكير بمسلمات جعلت الأوليغارشيا أشد فتكاً و”حكم المصرف” أكثر عنفاً وتجذراً في الاقتصاد. وهو لذلك لم يتهاون مع مجموعات ترتبط في جوهر حركتها بهذه الأوليغارشيا، حتى وإن أعلنت انتمائها للحراك اللبناني، فكان مثلا أول من حذر من مجموعة The hub، وقد اعتبر أنها جعلت من خيمتها في الحراك مساحة لطرح عناوين تخدم الأوليغارشيا المالية الحاكمة.

لعقود في لبنان، كما في معظم دول العالم، عملت المجموعة الحاكمة في السياسة والاقتصاد على بث المفاهيم الخاصة بها، من خلال السيطرة على أدوات النشر والإعلام والدعاية. كانت لغة التحريض والإغراء والتوجيه مرافقة حتمية للنشاط الاقتصادي، وكان السياق العام يندرج في إطار ما بات يُعرف بـ “إقتصاد الإنتباه” L’économie de l’attention. وكادت النخب اللبنانية تنكفئ نهائياً، في اطار خلافاتها المحلية والإقليمية، عن طرح الأسئلة حول مآلات ونتائج السياسة الاقتصادية المتحكمة بالبلاد. كما انكفأت عن مناقشة النهج الثقافي الحياتي المتماهي مع نموذج معولم ومرتبط بمؤسسات اقتصادية كبرى تتحكم بمصاريف ومصادر ومخططات وديون دول العالم الثالث، بشكل خاص. بل غابت عن هذه “النخب” المثقفة وعن شرائح كثيرة أي معرفة بمؤسسات تدير الاقتصاد العالمي في نهجه النيوليبرالي.

كان الاندماج شبه تام بما اعتُبر “مفاهيم العصر” كوسيلة للترقي الاجتماعي، وتم اختصار مشاكل البلاد بعناوين مهمة، لكن فاقدة لأي عمق، كترديد عبارات “الفساد” وحكم قادة الطوائف. وانحاز البعض إلى خيارات أهل السلطة نفسها كالدفاع عن “الخصخصة المطلقة للقطاع العام”، والتنكر لأولوية الدفاع عن الطبابة المجانية والتعليم الرسمي، والمساواة الاجتماعية. كانت هذه النخب اللبنانية، ما قبل 17 تشرين الماضي، تشكل جزءاً من مجتمع عالمي منقاد في السياق النيوليبرالي، وقد ساهمت في جعل المجتمع، بغالبية أفراده، كأحجار على رقعة شطرنج، تتحكم بهم وبمناهج التفكير عندهم وأولوياته، القوى التي تقوم باستغلال عملهم وإنتاجهم ومقدرات البلاد.

لقد كان مشهداً يمكن رصد التوازي فيه بين هذا الفعل وما تنتجه تيارات التطرف الديني من تسيير للعقول، ذلك أن “النيوليبرالية ليست مجرد سياسة اقتصادية تولي التجارة والمالية مركزاً متقدماً … بل هي تعني التحكم بأسلوب عيشنا، بالطريقة التي تسير بها مشاعرنا، وبما نفكر به، إنها تسيطر على وجودنا نفسه، أي النهج الذي نُدفع من خلاله نحو كل تصرفاتنا، نحو علاقاتنا بالآخرين، وبأنفسنا”[1]، وهذا النهج التسييري هو بالذات ما نجح الصحافي زبيب في تفكيكه وفضحه بشكل واسع، بأدوات التفكيك الماركسي ولكن بلغة مبسطة ومدعمة بالأرقام والشروحات، من خلال انحياز تام لقضية المساواة والعدالة الاجتماعية. وقد امتد صوته ليطال مسامع فئات واسعة، لا يختصرها اللبنانيون المنضوون في الحراك الشعبي فقط، بل راح يجذب إلى طروحاته مجموعات من المواطنين المعترضين على الحراك. هكذا فهم أركان “حكم المصرف” في لبنان أنهم أمام عدو يمكن له مع آخرين أن يبدأوا ببناء وعي هادم لمنظومتهم، وكاسر لأدواتهم المبنية على “التجهيل” العصري المقنّع والمنمّق للمجتمع.

 

[1] – Dardot Pierre & Laval Christian, La nouvelle raison du monde, La Découverte, Paris, p 5

 
×