منحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم جائزة “نوبل” في الاقتصاد 2019 للأميركيين أبهيجيت بانيرجي (ذي الأصول الهندية) وإستر دوفلو (ذات الأصول الفرنسية) وللأميركي مايكل كريمر عن أبحاثهم وأعمالهم في مجال محاربة الفقر في العالم. وتُعَدّ إستر دوفلو ثاني امرأة تفوز بجائزة نوبل للاقتصاد. وقد بررت هيئة التحكيم منحها الجائزة لهؤلاء الخبراء الثلاثة بـ”إدخالهم مقاربة جديدة تتوخّى الحصول على أجوبة موثوقة في شأن أفضل الوسائل التي تحدّ من الفقر في العالم”.

كان مايكل كريمر (54 عاماً) الأستاذ في جامعة هارفرد قد بيّن في أواسط تسعينيات القرن الماضي “مقدار قوة هذه المقاربة باستخدام تجارب ميدانية اختبر فيها مختلف المبادرات التي من شأنها تحسين النتائج المدرسية في غرب كينيا”. وقام الزوجان أبهيجيت بانيرجي (58 عاماً) وإستر دوفلو (47 عاماً) أستاذا الاقتصاد في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” بدراسات مماثلة حول مسائل أخرى في دول أخرى. وباتت لطرائق هؤلاء في الأبحاث التجريبية هيمنة في ميدان اقتصاد التنمية، حتى إنَّ البيت الأبيض اختار دوفلو في عام 2013 مستشارةً للرئيس باراك أوباما في شأن مسائل التنمية، من خلال انضمامها إلى ما دُعي “اللجنة الجديدة من أجل التنمية العالمية”، في حين عيّن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في عام 2013 أبهيجيت بانيرجي في لجنة من الخبراء المكلّفين بتحديث الأهداف الإنمائية للألفية بعد عام 2015.

صدر كتاب أبهيجيت بانيرجي وإستر دوفلو Poor Economics: A Radical Rethinking of the Way to Fight Global Poverty (اقتصاد الفقراء: إعادة نظر جذرية في طريقة مقارعة الفقر العالمي) في طبعته الأولى عام 2011. لكن العنوان تغيّر في الطبعات التالية فبات Poor Economics: Rethinking Poverty & the Ways to End it (اقتصاد الفقراء: إعادة نظر في الفقر وطرائق وضع حدٍّ له)، في حين حملت الترجمة العربية التي نهض بها أنور الشامي وصدرت عن “دار جامعة حمد بن خليفة للنشر” في عام 2016 العنوان اقتصاد الفقراء: إعادة نظر في أساليب محاربة الفقر.

يحاول كتاب أبهيجيت بانيرجي وإستر دوفلو أن يفهم تجريبياً – من خلال الملاحظة والرصد والإصغاء إلى ما يقوله الفقراء أنفسهم، وباستخدام ما يراه مناسباً من طرائق البحث (التجربة الضابطة العشوائية القائمة على الأدلّة) – كيف يفكّر الفقراء ويتّخذون قراراتهم حيال قضايا مثل التعليم والصحّة والادّخار والعمل الحرّ، وسوى ذلك. ويعتقد مؤلّفا الكتاب أنَّ الاستراتيجيات الأفضل لاجتثات الفقر يمكن أن تبزغ من هذه المقاربة التجريبية. ولذلك يبتعدان عن التعميمات والاستنتاجات الواسعة، ويفضلان استخراج ما يصفانه بالدروس البسيطة، ويريان أنَّ التغييرات البسيطة بالمثل قد يترتّب عليها آثار عظيمة.

حين يسلّم المرء بمنطلقات المؤلِّفَين ويحبّذ قصدهما المباشر، فإنّ مضمون الكتاب بحدّ ذاته يحظى بأهمية غير قليلة نابعة من رغبة اثنين من الاقتصاديين المختّصين في تقديم المساعدة المباشرة لمئات ملايين وربما لمليارات الفقراء من أجل تخطي فقرهم. غير أنّي أرى أنَّ ما يمكن أن يُمْدَح عليه الكتاب – ابتعاده عن التعميمات النظرية العريضة، واتخاذه موقعاً يبتعد عن خطط التنمية الكبرى من جهة وعن الحلول المرتكزة إلى عمل الأسواق وحدها من جهة أخرى – ربما يكون من مثالبه أيضاً، ويُدرجه في عداد المحاولات الإصلاحية الخيرية التي تتوخّى تحسين أوضاع الفقراء لا اجتثاث الفقر ذاته. وهو يأتي، في الحقيقة بعد عقود على ما يشبه الغياب التام لأيّ مشروع واسع، عالمي أو إقليمي أو محلي، يحارب الفقر ذاته ولا يكتفي بتحسين أوضاع الفقراء.

ليس ثمة في الكتاب أيّ ذكر محدَّد للمنطقة العربية إلا مرّة واحدة فقط، في فصله التاسع، وذلك في سياق الكلام على مؤسسة مغربية لتقديم القروض متناهية الصِّغر اسمها “الأمانة”، مع أنّه ثمة أهمية كبيرة للكتاب بالنسبة إلى الثقافة العربية تنبع من موضوعه، “الفقر”، الذي هو ظاهرة عربية أيضاً وبامتياز، لا سيما أنَّ مجال الكتّاب هو فقراء القارات الخمس.

يمكن القول بثقة إنَّ الكتاب في الأصل، على الرغم من عمق موضوعه وخطورته واتساع مداه الجغرافي، هو كتاب مبسّط موجَّه إلى القارئ العام فضلاً عن المختصّ، على نحوٍ يكاد يجعل سطحه هو مضمونه وروحه. فنحن إزاء كتاب تجريبي بالفعل، بسيط ويسير المصطلحات وشائعها، ولسنا إزاء كتاب نظري أو مفهومي معمق. بيد أنَّ الأهم والأخطر، ويبدو أنّه الشيء الذي جلب “نوبل”، هو الغياب شبه التام لأي كلام جدّي عن الغنى، كما لو أنَّ الكلام على الفقر ممكن من دون الكلام على وجهه الآخر، الغنى، في عالمٍ يملك فيه بضع أفراد ما لا تملكه قارات بأكملها، بل في عالم يملك فيه بضع أفراد ما يملكونه لأنّ قارات بأكملها جُرِّدَت من ملكياتها.

سبق للمفكر العربي سمير أمين أن انتقد أولئك الاقتصاديين الذين تصورهم وسائل الإعلام بأنهم “انتقاديين” (ومنهم من حازوا “نوبل” للاقتصاد وأحرزوا شهرة عالمية لا تُضاهى، مثل جوزيف ستيغليتز وأمارتيا صن)، ورأى أنّهم لا يكادون يستحقون هذا الوصف، إذ يعتقدون أنَّ النظام القائم – ليبرالية معولمة وممولنة – يمكن إصلاحه من خلال بعض التصحيحات أو حتى بعض الأخلاقيات التي كفّت عن فهم التناقضات الداخلية للنظام الرأسمالي الحالي وعن أيّ انتقاد راديكالي له.

المزيد من هذا المؤلف

عن الرقابة والخوف

 
×