تكاد معظم التناولات البحثية والإعلامية للنتائج المترتبة عن انهيار تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” المعروف اختصارًا باسم “داعش”، تتجه صوب المكاسب والخسائر الحاصلة في موازين القوى الإقليمية والدولية، خصوصًا في ما يتعلق بالحرب التي دارت رحاها في سوريا منذ بدايات سنة 2011، حيث ارتفاع فاتورة الخسائر الاستراتيجية على ضفة الدول والقوى التي وضعت على رأس أولوياتها إسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

غير أن جانبًا مهمًا من النتائج لا يتعلق بالتحالف الدولي للحرب على “داعش”، ولا يتعلق بما خسرته سوريا ونظامها أو بما كسباه جراء الانحسار الذي أُجبر عليه التنظيم الإرهابي، كما لا يتعلق بالقوى الإقليمية أو الدولية التي استفادت من وجوده أو تغاضت عن بعض نشاطاته، وفي مقدمتها تلك النشاطات ذات الصلة بمجالات الإتجار في البشر والطاقة والآليات المدنية والعسكرية.

يتعلق ذلك الجانب إذًا بالتحولات التي مست عميقا النظرية “السياسية” التي قام عليها وجود “داعش”، والتي تجمعها دفتا الكتاب المعنون بـ”إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر بها الأمة” لصاحبه أبو بكر ناجي، والذي خصصه من أجل التنظير للصعود الذي تطمح إليه الجهاديات التي تضع فكرة تأسيس الدولة على أجندة عملها، وهي التنظيمات التي يعتبر “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق” الذي أسسه الزرقاوي واحدًا من أبرزها منذ بزوغ أولى مفاعيل هذه السيرورة مع بداية ثمانينات القرن الماضي.

لقد شكلت الأزمة السورية بكل تعقيداتها بيئة مناسبة لهذا المشروع لكي ينمو ويترعرع، سواء من حيث مناخ الشحن الطائفي الذي انزاحت سريعًا نحوه تلك الأزمة، بعدما انطلقت في شكل حراك احتجاجي يحمل مطالب ذات صلة بقضايا الانتقال الديمقراطي، أو سواء بالفرصة التي وجدها تنظيم “داعش” تاريخية بالنسبة له لكي يجد لمشروع “الدولة” مفاعيل على الأرض.

لم يشأ التنظيم أن يظل رهين أطروحة “الجهاد العالمي” كسلفه “تنظيم القاعدة”، بل قامت نظرية “إدارة التوحش” على فكرة تأسيس “دولة” بالمعنى الإجرائي الماثل في سلطة “القهر المادي”، من أجل ضبط الحشود البشرية التي ستدخل في حالة فوضى وحرب للكل ضد الكل بعد الانهيار الذي كان متوقعًا للنظام السوري، مع كل ما يعنيه ذلك من تدمير للحدود التي ترسمت خلال القرن الماضي، وبشكل أو بآخر مهدت لمشاريع “الدولة الوطنية” في الشرق الأوسط.

غير أن التنظيم الذي أقام دولته وسرعان ما أعلنها سلطة لخلافته، متوسلًا كل أشكال الترهيب وبث الرعب والتشكيك في قدرة الدول الوطنية على الوقوف حائلًا أمام طموحاته التوسعية “الأممية”. لم يتوقع أيضًا أن يصاب سريعًا بنكسة مدمرة تعيده إلى المربع الأول، على إيقاع التناغم والانسجام بين عاملين رئيسيين، أولهما يظهر في العوامل الدولية والمحلية والإقليمية التي جعلته كلما تمدد جغرفيًا يتراجع استراتيجيًا، في تجسيد للمعضلة العسكرية التي تلازم “الفتوحات”، حيث أن الانتشار العسكري وامتلاك الجغرافيا شيء، والحفاظ عليها لأطول وقت ممكن شيء آخر. وثاني هذين العاملين تمثل في السيرورة الهدامة التي دخلها “داعش”، حيث لم يتمكن مطلقًا من تبيئة نفسه ضمن النسيج الثقافي والاجتماعي للمنطقة، رغم سعيه للتماهي مع الكتلة السكانية “السنية”.

يعود التنظيم إلى نقطة الصفر أو إلى ما قبل الصفر، حيث عمليات الدهس والطعن، “إرهاب بلا إيديولوجيا” أحيانًا

سريعًا مُنيت “إدارة التوحش” بفشل ذريع، وبدأت فصول “التوحش دون إدارة”، حيث تسببت الهزيمة العسكرية للتنظيم وخسرانه على إثرها الأراضي التي سطا عليها منذ أن اهتز الأمن في سوريا عشية بدايات العام 2011، في ذيوع مشاعر الإحباط بين صفوف المنتمين إليه، وهو الإحباط نفسه الذي يلف مشاعر المساندين له في كل مناطق العالم، والذين كانوا يشكلون خزانًا عاطفيًا بشريًا بالنسبة له يراه غير قابل للنضوب، ويستعد كل فرد في ذلك الخزان في قرارة نفسه كي يتجه يومًا ما صوب معاقل التنظيم أو يوفر له المزيد من الدعم من خلال العمليات الإرهابية التي تطال مختلف البلدان، ويهرع التنظيم إلى نسبتها لنفسه.

هكذا، لم يعد لإدارة التوحش من لازمة بعد انهيار السلطة المركزية التي حاول التنظيم أن يوهم بأنها “باقية وتتمدد”. وفي الوقت نفسه لم يجد الإرهابيون الفارون من ساحات المعارك سوى التعويض الانتقامي بشن عمليات “قنص الأبرياء” في مختلف مناطق العالم، خصوصًا سياح الدول الأوروبية وأميركا الشمالية الزائرين للدول الشرق أوسطية، وهو ما يشرح الارتفاع الذي شهدته تلك العمليات في الفترة الأخيرة والتي كانت واحدة من أبشعها الجريمة الإرهابية البشعة التي راح ضحية لها سائحتان اسكندنافيتان في ضواحي مدينة مراكش المغربية نهاية العام الماضي، حين عمد إرهابيون موالون لـ”داعش” إلى ذبحهما معلنين أنهم يفعلون ذلك انتقاما للهزيمة التي مني بها التنظيم في قرية هجين السورية قرب دير الزور، والتي كانت رحاها تدور بقوة حينئذ.

يعود التنظيم إلى نقطة الصفر أو إلى ما قبل الصفر، حيث عمليات الدهس والطعن، “إرهاب بلا إيديولوجيا” أحيانًا، فقط إعمالًا للحقد العاطفي الناجم عن مشروع لطالما داعب مخيلة الشباب الذي تعرض لعمليات غسل دماغ مُمنهجة، إرهاب رخيص الثمن وذئاب منفردة وخلايا نائمة، ما يشي بأن “نظرية إدارة التوحش” التي تعتبر واحدة من أهم “النظريات” التي أنتجها “العقل الإرهابي” قد ارتطمت بجدار واقع لا يرتفع، منتهية بتكريس “توحش معكوس” أو “توحش دون إدارة”، حيث الغاية هي المزيد من القتل على الهوية وعلى الاختلاف الناجم عن الانتماء إلى الهويات الطبيعية إلى العرق واللغة والدين، وكذلك على الهويات الوضعية التي يعكسها انتماء المواطن إلى الدولة الوطنية.

المزيد من هذا المؤلف

 
×