يقول الكاتب حازم صاغية في شريط فيديو نُشر مؤخرًا على موقع “درج” إن “التعدّد والعداء للتّعدد موقفان مُطلقان”، يصعب أن يكون للمرء فيهما مواقف وسطية، تمامًا كالموقف من الطائفية، أو الموقف من العنصرية مثلًا. وهو٬ من هذا الباب، ينتقد مَن يعلنون تأييدهم للتعدد الثقافي والسياسي، لكنهم يُحجمون عن إعلان تأييدٍ مماثل لمبدأ تعدّد المواقف من التطبيع مع إسرائيل. “هؤلاء كاذبون”، يقول صاغية جازمًا. فالمرء “إما أن يكون مع التعدد السياسي والثقافي والجنسي بالمطلق، أو يكون ضده بالمطلق”، ثم يختم؛ “نقطة على السطر”.

ليست مقاربة صاغية هذه حيال العلاقة مع إسرائيل يتيمة، بل سبقه كثر إلى ما يشبهها وسيَليه على المنوال نفسه كثر. وعنوان “التطبيع مع إسرائيل” عريض لدرجة يستحيل معها استعراضه في شريط فيديو والرد عليه في مقالة مختصرة، وفيه من النقاط الشائكة ما يُضطر المرء معها إلى الدخول في تفاصيل تقنية لا يتسع المجال لذكرها. لذلك، ليس المُراد في هذه العجالة النقاش في المدى الذي يمكن أن تصل إليه مقاطعة إسرائيل والشركات المتعاونة معها، إذ إن المقاطعة المطلقة، لأسباب عملية، تكاد تكون مستحيلة. بعض برامج “السوفتوير” التي يستخدمها قرّاء هذه المقالة، مثلًا، تمّ تصنيعها على الأرجح بالتعاون مع شركات في إسرائيل من دون علمهم. لكن النقاش ليس في ثنايا كهذه، بل في المقاطعة كمبدأ، بمعزل عن الوقوع أحيانًا في مطب الهفوات أو الاستثناء.

قبل ٥ أعوام تقريبًا بدأ تسريب “الدفاتر السوداء” للفيلسوف الألماني العظيم مارتن هايديغر. حاول بعض الأكاديميين عرقلة إصدار الوثائق التي راحت تصدر تباعًا، حتى لا تُلطَّخ سمعة المفكر المرجعي الكبير. لكن الأوان كان قد فات. فبعد ٣٧ عامًا على رحيل هايديغير، ثبُت بنص الوثائق بما لا يدع مجالًا للشك أنه كان مؤيدًا للنازية ومسوّقًا لها في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، لا متكيّفًا معها فحسب. وصم أكاديميون كثر موقفه الصريح من النازية و”الفيوهرر” بـ”المعيب أخلاقيًا”. ثار جدل حول مدى تأثر إسهاماته الفلسفية بمواقفه وإمكانية الفصل بينهما، ولطّف البعض في المقابل من نقدهم له بالإشارة إلى السياقات التي ورد فيها كلامه، لكن أحدًا لم يجادل قائلًا إن القضية تتصل بحرية التعبير.

السؤال بهذا المعنى، كان في حالة هايديغر وما زال في حالنا الراهن، غير متّصل بقضية الحريات ولا بمدى رصانة الإنتاج المعرفي والثقافي أو ضحالته وعلاقة كل ذلك بالتطبيع مع كيان عنصري. بل لنا القول إن السؤال يتمركز حول التناقض الوارد في مقاربة صاغية إياها حيال التعدد والعداء للتعدد، أو ما سماه صاغية بـ”الكذب”.

مقبولية التطبيع مع إسرائيل تتّصل أساسًا بما تفرضه علاقات القوة والمعايير القِيَمية المصاحبة لها، فلو لم يُهزم “الرايخ الثالث” في الحرب العالمية الثانية مثلًا، لما نُبشت ملفات الفيلسوف هايديغير وثارت زوبعة حول مدى اتساقه مع النازيّة وقيَمها

فإذا سلمنا جدلًا بأن إسرائيل، بطبيعة تكوينها، لا التاريخي (الاستيطاني الإحلالي) فحسب، بل الراهن أيضًا، دولة عنصرية، يكون الكاتب قد وقع في التناقض الذي سجّل موقفه خصيصًا لقدحه وذمّه. إذ إن الموقف من العنصرية إطلاقي، لا مكان للتجزئة فيه ولا لحلول وسط.

أما إن كان النقاش مفتوحًا لهذه الناحية، فهو يبدأ من هنا، أي من السؤال عن طبيعة “إسرائيل”، لا من خلاصة مبتسرة رُكّبت على عجالة، بناء على التسليم بكونها كيان “طبيعي” جدًا، ترغب الشعوب المحيطة بالخلاص منه لِعَيْب عميق في فهمها للتعددية السياسية والثقافية.

وأما إن كانت “النقطة على السطر” التي أشار إليها صاغية مرغوبة من دون نقاش حتى٬ فالأجدى وضعها لا بعد الاختزال المروّع في مقاربته لمسألة الحقوق والحريات٬ بل بعد استعراض تأثير وجود كيان على هذه الشاكلة على حياة ملايين الفلسطينيين٬ سابقًا وحاضرًا٬ إنسانيًا وحقوقيًا٬ من غزة ـ السجن الكبير ـ إلى حواجز الضفة الغربية وجدرانها وصولًا إلى الشتات وأراضي ٤٨، وكذلك على حياة سائر البشر في المحيط الإقليمي، بالمعنى المصلحي البعيد المدى.

لكن حتى لا نسلّم بمقاربة تتكئ حصرًا على سلّم الحريات، يفيد نقل النقاش إلى حيث يجدر به أن يكون أيضًا؛ أي إلى مدى ارتباط التطبيع مع إسرائيل، أولًا وقبل كلّ شيء، بعلاقاتِ قوة وموازين٬ تسمح بنقل هذا التطبيع من الخفاء إلى العلن، ومن الاحتمال إلى الواقع.

فمقبولية المقاطعة والتطبيع تتّصل أساسًا بما تفرضه علاقات القوة والمعايير القِيَمية المصاحبة لها (لو لم يُهزم “الرايخ الثالث” ويُدفن إلى الأبد في الحرب العالمية الثانية مثلًا، لما نُبشت ملفات هايديغير وثارت زوبعة حول مدى اتساقه مع النازيّة وقيَمها). أما النقاش حول اتصال هذه المقبولية بالحريات، فمجرد امتداد مكمّل للميدان الأساس ذاك.