Image Credit: Jeff Merheb / Flicker

 

تحيي الشعوب الذكرى السنويّة لثوراتها وتحتفل بها عندما تُفلح في تغيير أنظمتها. أمّا في حال الفشل، فلا بدَّ من نقد الذات وتعلّم الدروس. لكن بعضهم، في لبنان، لا يزال يلجأ إلى رومانسية ثورية وذرائع أخلاقيّة بغية اختلاق صورة مختلفة لمجتمع أثبت في عدّة محطات، أهمها انتفاضة 17 تشرين، أنّه قبِل الرشوة واعتاد عليها حتى إشعار آخر.

أتت الرشوة بعد الحرب الأهلية على شكل اقتصاد سياسي يضمن لمعظم فئات المجتمع نمط حياة استهلاكي من غير إنتاجٍ يغطيه. أمّنت تعاونيات الطوائف وظائف حكومية ثابتة وغير مُنتجة، وتنفيعات مباشرة وغير مباشرة، في القطاعين العام والخاص، لجزء كبير من المجتمع، وسهّلت الاستدانة لتحفيز الاستهلاك، وأرست نظام عبودية حديث لاستيراد يد عاملة رخيصة تُعوّض عن خمول من ارتضى الرشوة.

هكذا، راكمت الدولة الدَّين لتلبية نمط حياة استهلاكي لمجتمع لم يكن ينتج قيمة ما يستهلكه. وحفّزت الأحزاب الطائفية أساليب التلاعب والفساد والمحسوبيات. واستفادت أكثرية المجتمع من هذه المنظومة، على اختلاف حجم الاستفادة وزمانها، الأمر الذي يجعل السؤال مشروعاً، بل يجعله ملحّاً: أين تبدأ الـ”كلّن يعني كلّن” وأين تنتهي؟

ليس الصراع بين “الناس” و”السلطة”. هذه نظرةٌ تُفرغ الواقع من مضمونه، وتُفرغ السياسة من معناها، حتى لو كان بعضهم يرى في هذا الخطاب قيمة تجييشيّة. “السلطة” ليست منفصلة عن “الناس”. والصراع، إن كان سياسياً، فهو صراع على السلطة بين “ناس” مختلفين في مصالحهم ورؤيتهم. ومن دون قراءة سياسيّة وواقعيّة، يُصبح الصراع مع المنظومة الحاكمة صراعاً رمزياً، لأنّه ينكر واقع موازين القوى، ويفقد القدرة تالياً على تغييره.

تعكس انتفاضة 17 تشرين حالة الصراع الرمزي هذا، بعد أن قايضت “مجموعات المجتمع المدني” العمل السياسي بصراع شكليّ مع المنظومة الحاكمة. لكن العامل الأساس الذي يجمع بين النـظريات الثورية كلّها هو أنها ظاهرة “سياسية”، أي أنها سعي سياسي لاستلام السلطة من خلال تغيير جذري في موازين القوى. لم تكن 17 تشرين كذلك، رغم أهميّتها. كانت انتفاضة شعبيّة تحمل رسائل احتجاجية، ولكن بُعدها الثوري (أي السياسي) كان محدوداً في الساحات التي طغى عليها، في معظمها، طابع الاحتجاجات المطلبية.

تعي أحزاب السلطة أنّ أكثرية المجتمع رهينة المنظومة الحاليّة، أو لا تزال تراهن عليها، رغم سقوط الاقتصاد السياسي الطائفي

علاوةً على ما سبق، عكسَ المضمون اللاطائفي للمظاهرات تعقيدات الواقع. وبدا الخطاب اللاطائفي لأكثريّة الفئات التي شاركت في المظاهرات في جميع المناطق اللبنانية ظرفياً ومتناقضاً، باستثناء خطاب بعض النشطاء والنخب “الكوزموبوليتانية” ومن حمل، منذ الأيام والأسابيع الأولى مشروعاً سياسياً واضحاً. أمّا في العموم، فقد رفع المتظاهرون الصوت ضد “زعيم الطائفة” في “منطقتهم”، في ظرف كانت “الطائفة الأخرى” تفعل ذلك أيضاً، ما بدّد المخاوف الطائفية مؤقتاً. وعندما انخفض صوت “الآخر” ضد زعيمه، انتهى الظرف الجامع وبدأت تظهر التناقضات في معظم المطالب والشعارات.

تكمن أهميّة 17 تشرين في كشف هذا الواقع، لمن يُعمِل الفكر النقدي، ولا يكتفي بظواهر الأمور. أثبتت 17 تشرين أنَّ التظاهر، على أنواعه، هو أحد وسائل الضغط على المنظومة الحاكمة. لكن فعل التظاهر نفسه يبقى محصوراً بهذا الوظيفة، ما لم يتم استثماره من قبل تنظيم سياسي يسعى من خلال الشارع لتحسين موقعه التفاوضي. اذا اختُصر الصراع بفعل التظاهر وأصبح هو الغاية، يُصبح حتماً صراعاً رمزياً يبدأ وينتهي مع فعل التظاهر.

لا مفرّ، اذاً، من العمل السياسي التقليدي الذي تم استبعاده علناً من قبل معظم المتظاهرين الذين اكتفوا بفعل التظاهر أو تجمّعوا في دوائر صغيرة “مدنية”. حتى الدوائر والمجموعات التي نشأت في زخم المظاهرات، استورد معظمها خطاب الـ”كلّن يعني كلّن” من دون أي تقييم دقيق لعلاقة المجتمع بالسلطة، واستورد أساليب الجمعيات غير الحكومية في بنيتها وطريقة عملها، واستمر غياب – أو حتى تشويه – مفهوم السياسة الذي هو، في جوهره، صراع على السلطة وليس صراعاً “مع السلطة” (صراع مع “السلطة” على ماذا؟).

تنعكس هذه الإشكالية على علاقة الأحزاب السياسية المعارضة (التي تسعى، في جوهرها، إلى صراع سياسي هدفه استلام السلطة) بالمجموعات الجديدة الناشطة ضد المنظومة. وفي حين تتواتر الإعلانات عن جبهات وتحالفات يميناً ويساراً بين مجموعات المجتمع المدني، تحت عناوين عريضة من دون مشروع سياسي شامل للصراع على السلطة، تعمل الأحزاب السياسيّة المعارضة –كحركة “مواطنون ومواطنات في دولة”، على السبيل المثال لا الحصر– على تأمين كل شروط التحالف واستشراف حظوظ نجاحه وتبعات فشله، ليكون التحالف خطوة بنّاءة في مسار التأثير في موازين القوى، ومحاولة جدّيّة لخلق نواة معارضة حقيقيّة تطرح بديلاً سياسياً شاملاً عن المنظومة الحاكمة.

تعي هذه الأحزاب أنّ أكثرية المجتمع رهينة المنظومة الحاليّة، أو لا تزال تراهن عليها، رغم سقوط الاقتصاد السياسي الطائفي. وهذا ما يجعل الصراع السياسي مع هذه المنظومة، في هذه المرحلة الدقيقة بالتحديد، معتمداً على انتظامِ أقليّةٍ في المجتمع وتسييسها؛ هي تلك الفئة المستقلة اقتصادياً عن الزبائنية، ولا تزال تملك امكانية العمل السياسي وترف النضال، وراكمت التجارب والوعي قبل 17 تشرين وبعده، ووصلت في مقاربتها النقدية الى السؤال الأساس: هل نكتفي بإفراغ الغضب من حين إلى آخر في الشارع وفي الشعارات، أم ننخرط في السياسة بمعناها الحقيقي: صراعٌ على السلطة؟

إذا جرّدنا التاريخ الثوري والتغييري من صورته الرومانسيّة، يتبيّن لنا أنَّ مصير الشعوب تغيّره أقليّة في المجتمع اختارت الصراع السياسي. وان كانت المشاهد البطولية في انتفاضة 17 تشرين تدلّ على شيء، فهو أنّ في لبنان أفراداً يملكون الجرأة والحريّة لمواجهة منظومة ارتهنت أكثرية المجتمع لها. ولهذا، حيّ على التنظيم.

 

تُنشر بالاتفاق مع جريدة “١٧ تشرين”

 
×