يمرّ -هذا الأسبوع- قرنٌ كامل على مؤتمر “سان ريمو” (19-26 نيسان/أبريل 1920)، الّذي عُقد في شمال شرق إيطاليا كواحد من المؤتمرات الفرعيّة الّتي تعاقبت بعد “مؤتمر فرساي” في باريس عقب نهاية الحرب الكُبرى الأولى. حضر المؤتمر رؤساء حكومات بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وممثّلون عن بلجيكا واليونان واليابان للتّباحث في شؤونٍ كان من بينها مصير منطقة المشرق العربي[1] إثر هزيمة السّلطنة العثمانية وانهيارها الكامل، ولتحضير شروطِ السّلام مع تركيا في معاهدة “سيفر”. حيث ستوضع بعدها مقرّراتُ هذا المؤتمر موضع التّنفيذ من قبل عُصبة الأمم، ومن ضمنها جعل العراق وفلسطين تحت وصاية بريطانيا، وسوريا ولبنان[2] تحت وصاية فرنسا بعد ضمّ الموصل للعراق. كما تبنى المؤتمر إعلان “بلفور” الّذي يقضي بإنشاء وطنٍ قوميٍّ لليهود في فلسطين. ويُعتبر “مؤتمر سان ريمو”، استكمالاً علنيًا وتعديلاً للمفاوضات السّريّة بين بريطانيا وفرنسا منذ الاتّفاقيّة المعروفة باسم “سايكس-بيكو” (1916) قُبيل سقوط السّلطنة العثمانية. كما يُعتبر نقطة بداية للشّكل الّذي ستتّخذه معالم المقاطعات المشرقيّة بصفتها دولاً ستستقرّ حدودها على قدر عالٍ من الثّبات حتّى أيّامنا هذه، وستنشأ ككياناتٍ مستقلّةٍ تباعًا باستثناء فلسطين.

منذ عقود، لا تنفكّ المؤتمرات والنّدوات تُعقد حول مصير هذه الكيانات الوطنيّة والدُّول القُطريّة الّتي نشأت في المشرق، ولا تنفكّ تصدر الأبحاثُ حول مدى ثبات حدودها وليونتها وقابليّتها للاستمرار وطبيعة علاقتها بمجتمعاتها. إضافةً لأهميّة موقعها الجغرافيّ، تتميّز هذه الدّول بتاريخ نشأةٍ واستقلالٍ مشترك، مع الالتفات إلى ما للحظة الاستقلال من تبعات. فهي لم تستقل عن السّلطنة العثمانيّة قبل الحرب الكُبرى كحال دول البلقان، ما أثّر على علاقتها بالنّظام العالميّ وآليات الاستتباع أو اللّحاق بركب الشّعوب الأخرى. ولا هي استُعمرت قبل الحرب بقصد ضمّها على النّمط الكولونياليّ للقرن التّاسع عشر، كحال الجزائر. بل كانت علاقتها بالدّول الاستعماريّة على نمطٍ نيو-كولونياليّ ابتُدع بعد الحرب تحت عنوان “الانتداب”، والّذي تميّز بنمطٍ خاص من التّعاطي مع المستعمرات الجديدة طبع الآثار الاجتماعية والهيكل السّياسيّ الّذي ستتّخذه هذه الدّول بعد الاستقلال.

رغم استقرار الحدود الّتي رُسمت في مطلع العشرينيات إلى حدّ بعيد، فإنّ التّغيّرات الدّاخليّة الّتي شهدتها مجتمعات الدّول القُطرية الوليدة كانت عميقة. فهذه الدّول لم تنشأ في ظروف ولادةٍ طبيعيّة تُساير سياقاتها التّاريخيّة والاجتماعيّة، بل نتيجة قرار خارجي أسقط بطريقة أداتيّة شكلَ الدوّلة ورسم حدودها بنحو اعتباطيّ إلى حدّ ما، ولكنّه بالتّأكيد غير عشوائيّ. وسرعان ما تحوّلت الدّولة النّاشئة إلى أجهزة شخصانيّة وأوتوقراطية، دون أن تكون في جوهرها بنية تنظيميّة ومؤسّساتيّة تضمن الرّعاية والتّنمية للمجتمعات المشرقيّة في إطار مواطنة فاعلة. كما فشلت في تنمية الرّوابط بين هذه المجتمعات الّتي سبق وأصابها الشّرخ الاستعماريّ وصارت خاضعة لأنساق اقتصاديّة متنافرة تتساكن دون أن تكون قادرة على التّعاون أو التّنسيق في ما بينها (مثلاً منذ التوتّرات المبكرة الّتي حدثت بُعيد الاستقلال بين حكومتيْ سوريا ولبنان حول إدارة نظام المصالح المشتركة أو مدّ أنابيب النّفط أو تنظيم العملة إلخ). حافظت هذه الدّول على حدودِها وتضخّمت أجهزتُها البيروقراطيّة، لكنّها غابت عن مجتمعاتها حتّى أنّها دخلت في أحيان كثيرة في صراع مع مكوّناتها.

واليوم، بعد سقوط الدّولة القُطريّة في العراق بعد الاحتلال الأميركي مطلع الألفيّة، وتحولها مع سوريا لاحقًا إلى ساحات للصّراع والتّفاوض الإقليمي-الدّوليّ، بالإضافة إلى تخلّع نموذج الحكم الهجين في لبنان، يُلحّ علينا سؤال مستقبل هذه المجتمعات بعد قرنٍ من ترسيم حدود دولها.

ليست القضية الآن مجرّد استرجاعٍ للظّروف التّاريخيّة الممهّدة لـ”مؤتمر سان ريمو”، ولا ما نتج عنه وما تبعه من أحداث، حيث عاشت المنطقة لاحقًا نشوء “إسرائيل” والتّداعيات التّدميريّة لوجودها، بالتّوازي مع سطوة الأنظمة تحت غطاء خارجيّ حافظ على توازنها لمصلحته. هذا، إضافة إلى نشأة حركات الإسلام السّياسيّ على اختلاف مذاهبه كردّ فعل مركّب دخل في علاقة تضادّ مع مفهوم الدّولة الحديثة وقام على أساس سرديّة مغلوطة لاستعادة جماعات متخيّلة. وقد ترافق صعود هذه الحركات مع النّكوص الثّقافيّ الّذي قضى شيئًا فشيئًا على بذور النّهضة العربيّة وإمكاناتها، ومع وهن الحركات القوميّة والعلمانيّة وحركات التّحرّر الوطنيّ. حصر جزءٌ من حركات الإسلام السّياسيّ همّه عمليًا بسؤال السّلطة وسُبُل الوصول إليها، فيما حمل الجزء الآخر من هذه الحركات طرح “المواجهة” كمعبّر أساس عن هويّته وهدفه.

جماعات الإسلام السّياسيّ الّتي تقدّم نفسها نموذجًا لمواجهة مشاريع الاستتباع الخارجي تُظهر قصورها وتقصيرها وارتباك مرجعيتها التّلفيقيّة، كموقفها مؤخرًا من انتفاضة العراق

على عكس بذور الطّروحات الوطنيّة الّتي لاحت في النّصف الأوّل من القرن الماضي ثمّ ما أعقب أحداث نكبة عام 1948، يشيرُ الواقع اليوم إلى غياب أيّ رؤية وطنيّة وتحرريّة متكاملة. فأمامنا اليوم مفارقات ناتجة من عُطل عميق في رؤية تّنظيمات وجماعات الإسلام السّياسيّ الّتي تقدّم نفسها نموذجًا لمواجهة مشاريع الاستتباع الخارجي وتطرح رؤيةً أُحاديّةً لا تنفكّ الأحداث تُظهر قصورها وتقصيرها وارتباك مرجعيتها التّلفيقيّة، كموقفها مؤخرًا من انتفاضة العراق والسّلوك القمعيّ في مواجهتها وتخبّطها الكبير في التّعاطي مع انتفاضة لبنان. وميزة هذه الجماعات أنّها تطرح سؤال المواجهة باقتطاعه من مستلزماتٍ يفرضها السّياقُ التّاريخيّ، فيتحوّل العمل الوطنيّ إلى مجرّد برنامج إعلان نوايا، ينجح ربّما في السّؤال الميداني المرتكز على القدرة التّكتيكيّة، لكنّه يعجز تمامًا عن تقديم طرحٍ متكاملٍ ومتّسقٍ مع المصلحة العامّة. فغيابُ قراءةٍ موضوعيةٍ للتّاريخ يجعلُ خطابَ الإسلام السّياسي في المواجهة مبنيًا على أفكار متباينة لا بل متنافرة، ما يفسّر اختلاط معايير الخصومة والعداوة وتباين التّحالفات وتفسّخ المبادئ، وما يفسّر أيضًا الإصرار على قراءة محوّرة للواقع كي يتلاءم مع الخطاب.

تستلزم القراءة التاريخية العودة إلى القرن التّاسع عشر، حيث عملت الدّول الاستعماريّة على الاستفادة من نظام الملل العثمانيّ لاستحداث واقع طائفيّ يثبّت نفوذها في المشرق. هذا الواقع الّذي رافق تطوّرات وتحوّلات المجتمعات المشرقيّة حتّى القرن العشرين، عاد وأدّى دورًا في التّركيبات الجديدة في المنطقة بعد الحرب الكُبرى الأولى. ومن ذلك أنّ “إسرائيل”، الّتي جاءت في سياق التّنافس الاستعماريّ بين بريطانيا وفرنسا[3]، زعمت لنفسها شرعيّةً مبنيّة على هويّتها الدّينيّة المتمايزة. وعليه، يغدو من المفارقة اليوم أن تنطلق مواجهة التّدخل الخارجيّ ومقاومة الاحتلال من مشاريع إسلامٍ سياسيّ تجتذبها همومٌ طائفيّةٌ تقوم على قواعد حلف الأقليّات، في إطار علاقات متوتّرة لا بالجماعات الطّائفيّة الأخرى فحسب، بل بين الجماعة الطّائفيّة وذاتها، بعد سلخها عن محيطها وهويّتها، واستبدال أنماط تديّنها المحليّ المتوائم مع محيطه باستقدام أنماط أخرى أكثر استجابةً للمتطلّبات الإيديولوجيّة السّياسيّة.

يُلحّ علينا أيضًا سؤال الاقتصاد السّياسيّ حين يغدو واضحًا أنّ فصل الاقتصاد عن الموقف السّياسيّ بات هو الآخر سلوكًا للحركات الّتي تحمل شعار المواجهة. حيث تعتبر أنّ الاقتصاد مسألة تقنيّة وأنّ الأزمة الاقتصاديّة عابرة، في رؤية تبسيطيّة واختزاليّة لمفهوم السّيادة نفسه. في هذا الإطار يشدّد اليوم الفيلسوف الفرنسيّ المعاصر آلان باديو[4] على التّمييز بين أنماط متعدّدة من الإمبرياليّة، مؤكّدًا ضرورة إعادة تفعيل هذا المفهوم بنحو جديد. لذلك فهو يعارض كلّ تصوّر متجاوز للإمبرياليّة يدّعي أنّها نُزعت عن العالم (désimpérialisation) كأنّها تمثّل مرحلة ماضية من التّاريخ تجاوزتها الشّعوب بعد معارك الاستقلال. على العكس، يؤكّد باديو على الفرق بين إمبرياليّة كلاسيكيّة تقوم على تقسيم مناطق النّفوذ وتوزيعها كما كان سائدًا في السّابق، حيث تجتمع الدّول الكبرى في مؤتمرات وتتراضى على تقاسم الأراضي المُستعمَرة في ما بينها كما حصل في “سان ريمو” مثلاً، وبين الشّكل الجديد للإمبرياليّة القائم على خلق مناطق نفوذ سياسيّة واقتصاديّة من داخل الدّول ذات السّيادة الشّكليّة، على حساب شعوبها ونموّ مجتمعاتها. وهذا النّمط الجديد من الإمبرياليّة الّذي فرضه تاريخ التّنافس الاستعماريّ وواقع الاستقلال بعد الحربين العالميّتين ليس حكرًا على دول معيّنة كما في السّابق. بل هو سلوك جميع الدّول القادرة على توسيع رقعة نفوذها عبر خرق وتفتيت سيادة دول أخرى هشّة ومُفلسة، لاستخدامها كمناطق مُستتبعة لفرض استراتيجياتها أو لاستحواذ الشّركات الكبرى على قطاعها العام بعد إفلاسه وانهياره. يبدو لنا اليوم أنّ مقاربة “المقاومة” على اعتبار أنّ الإمبرياليّة لا زالت هي نفسها تلك الّتي اختبرتها المنطقةُ في القرن التّاسع عشر أو في بدايات القرن العشرين ليست مقاربة مختلّة فحسب، بل هي وسيلة لحرف مسار المشاريع الوطنية عبر استخدامها كأداة لتفتيت الدّولة والسّيادة أو وضعها على الطّرف النّقيض من المجتمع.

بعد قرن كامل على “مؤتمر سان ريمو”، لا يكفي استرجاع الحقبة الماضية للاكتفاء بالسّرد التّاريخيّ، بل لمعاودة التّفكير بـ”المسألة الشّرقيّة” الّتي سبق وقاربتها الدّول الكُبرى كسؤال استيلاء على تركة السّلطنة العثمانيّة. ولا تنفكّ تُطرح هذه المسألة اليوم مع استمرار مشاريع الهيمنة المتعدّدة وتفتيت المجتمعات الّتي أمست أوطانها ميدانًا للصّراع الدّوليّ-الإقليميّ. فلا “المسألة الشّرقيّة” انتهت ولا هي فقدت راهنيّتها، لكنّ طرحها بات مختلفًا بعد قرنٍ كاملٍ من المتغيّرات. اليوم في ظلّ سقوط الدّول القُطريّة التي نشأت بعد “سان ريمو” رغم ثبات حدودها، وفي ظلّ تبدّلات النّظام العالميّ وغياب أيّ إطار نظريّ تقدّميّ وطرح وطنيّ يؤسسان لمشروع مقاومة وطنيّة متكاملة، لن تجدي طروحات مأزومة فشلت في بناء أوطانها وتنمية مجتمعاتها، ولا خطاب تحشيد تعبويّ لمواجهة استعمارٍ قديم في حقبة ما بعد استعماريّة. اليوم، يلحّ علينا أكثر من أيّ وقت مضى، التّفكير من جديد في هذه الأسئلة بعد مئة عام قضيناها بمراكمة الشّعارات وتحصيل الخيبات.

 

[1] المقصود منطقة العراق وسوريا وفلسطين ولبنان والأردن.

[2] حُسم مصير لبنان رسميًا بعد أشهر وأعلن عن دولة لبنان الكبير في أيلول من العام نفسه.

[3] قارن فواز طرابلسي في كتابه “سايكس-بيكو – بلفور ما وراء الخرائط” بين مختلف سرديات وتفسير دعم بريطانيا لقيام “إسرائيل”.

[4] انظر “ما العمل؟ حوار حول الشيوعية والرّأسمالية ومستقبل الدّيمقراطية ” آلان باديو ومارسيل غوشيه (بالفرنسيّة).

 
×