لستُ ممن يقولون إن العلم مفصولٌ عن السياسة. هناك قضايا كبرى اليوم، كالاحتباس الحراري وأهمية اللقاحات ونظرية التطور، تشكّل مثار جدلٍ يُستثمر في السياسة على نحوٍ بعيدٍ كلّ البعد عن الموضوعية العلمية. يلجأ مناهضو هذه الحقائق عادةً إلى “العلم الزائف” لإثبات وجهة نظرهم، مع كل ما يتطلبه الأمر من قياسٍ غير منطقي، أو انطلاقٍ من مسلّماتٍ خاطئة أو ربطٍ فاسدٍ للوقائع بعضها بالبعض الآخر. يلعب تسييس العلم بجدارة على هذه الأوتار من أجل حشد رأيٍ عامٍ غير مطّلعٍ ومستعدٍّ لتقبّل حقائق تثبت اعتقاداته الخاصة وتشعره بالأمان والرضى عن النفس.

يخوض الإعلان اليوم عن إنتاج لقاحٍ في روسيا لفيروس كورونا المستجد المسار ذاته؛ فالتهليل له يعود إلى التنافس الأميركي (والأوروبي) – الروسي بشكلٍ أساسي. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أن الروس في مكانٍ متأخّرٍ عن خصومهم، من النواحي العلمية الطبية تحديداً، ولا سيّما مع انهيار المنظومة الاشتراكية أوائل التسعينيات، والأرقام الخجولة التي تظهرها الميزانيات المخصّصة للبحث العلمي غير العسكري. سيعيدنا هذا النقاش إلى علاقة الدولة بالمؤسسات الأكاديمية ونظام التعليم وتمويله، وهي علاقة كُتبت فيها مجلّدات، وتختلف جذريًا بين الخصمين التاريخيين. وفيما كانت أولويّة السوفييت تأمين الرعاية الصحية لجميع مواطني الاتحاد، كان الأميركيون يعملون على البحث والتطوير، خصوصاً أن نظامهم الصحي لا تموّله الدولة كما هو الحال شرق الأطلسي. وبغياب أي قوى مضادّة، تفرّد الأميركيون بالساحة الطبية، يبحثون ويجرّبون وينشرون، حتى غدوا المرجع الأوحد: فهم يضعون مبادئ التشخيص، ويحدّدون التوجيهات العلاجية، حتى يصلوا إلى الهدف الأسمى وهو إنتاج الدواء وبيعه.

وبالعودة إلى اللقاح، فإنّ نقد الأمر في هذه الحال سيكون أسهل بكثيرٍ على الباحثين في المجال الطبي، إذا ما قارنّا الأمر بالأخذ والردّ المعهودين إزاء أي فتحٍ طبّي جديد. يقضي العرف أن ننتظر نتائج الأبحاث والدراسات الطويلة الأمد كي تُنشر في المجلات المرموقة عالمياً، خصوصاً أنها تخضع لتدقيقٍ علميّ قاسٍ قبل النشر. لكن في ما يخص اللقاح الروسي، لم تُتح لجحافل العلماء حول العالم حتى فرصة الاطلاع على مقالٍ علمي واحد يتحدث عن مراحل الإنتاج أو الأعراض الجانبية أو حجم المناعة ونوعها. بل أتى الإعلان على لسان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي ظنّ أنه بإعلانه إعطاء اللقاح لابنته، يكون قد أمّن لنفسه صكّ براءة علمياً، وكأن أموراً كهذه تُقبل وتُرفض على طريقة “الوجهاء” في القرى اللبنانية.

لم يخضع اللقاح للمرحلة الثالثة من الاختبار والتي تعني تجربته على الآلاف، مما يجعل الموافقة على تسجيل اللقاح مغامرةً غير محسوبة، ومرفوضةً بشدة حسب المعايير العالمية

الخطأ إذاً مبدئيّ وليس تفصيليّاً تقنيّاً. ويمكننا الحديث بيُسرٍ عن غياب أساسٍ علميّ نستند عليه للقبول بادعاء تطوير اللقاح. وعليه، فإنّ اللقاح غير موجودٍ بالنسبة إلى كلّ من يتعاطى الشأن الطبي خارج حدود الاتحاد الروسي. ولو أن الصفعة الكبرى في الواقع أتت من داخل روسيا ذاتها، حيث أثارت تصريحات علماء روس لامعين عاصفةً إعلاميةً أخرى في وجه اللقاح المنتظر. فاستقالة البروفيسور ألكسندر تشوتشالين من فريق وزارة الصحة للأخلاق الطبية، ولا سيّما بعد سعيه الفاشل إلى منع تسجيل اللقاح، وهجومه على العالمين الأبرزين في فريق البحث المعني بإنتاج اللقاح، وأحدهما ضابطٌ كبيرٌ في الجيش، شكّلا حرجاً كبيراً للسلطات الروسية خصوصاً لجهة الطّعن بالمصداقية. وكانت انتقادات الأكاديمي المعروف حادّةً وواضحة، إذ اتّهم في تصريحٍ له فريق الباحثين “بعدم احترام المعايير المتبعة في الاتحاد الروسي واللجان الطبية العالمية”، ويتابع تشوتشالين قائلاً “إن في ذلك مخالفةً لأولى بديهيّات الأخلاق الطبية، حيث تكمن الأولوية في عدم التسبب بأذى”، معرباً عن خيبة أمله بتصريحات بعض العلماء حول جاهزية اللقاح. فعيب اللقاح الأساسي سيبقى غياب أي بيانات حول تجربته على أعدادٍ كبيرة من البشر، وبالتالي سيصعب تحديد مدى فعاليته إزاء المجتمعات، كما سيستحيل تحديد آثاره الجانبية.

على المدى الطويل، وبلغة الباحثين، فإنّ اللقاح لم يخضع للمرحلة الثالثة من الاختبار والتي تعني تجربته على الآلاف، مما يجعل الموافقة على تسجيل اللقاح مغامرةً غير محسوبة، ومرفوضةً بشدة حسب المعايير العالمية. كما أن مغامرة كهذه قد تعيد العالم إلى نقطة الصفر في مواجهة الفيروس المستجد كمّا حذّر خبراءٌ يعتدّ بآرائهم.

تعيد هذه الأحداث إلى الأذهان الحملة التي قادها العالم السوفييتي الشهير تروفيم ليسينكو في أربعينيات القرن الماضي، والتي قلبت المناهج البيولوجية في الاتحاد السوفييتي رأسًا على عقب. واتّسمت تلك الفترة بحذف مبادئ رئيسية في علوم الأحياء والجينات والهندسة الزراعية واستبدالها بنظرياتٍ تعتمد “العلم الزائف” بدعمٍ من الزعيم جوزيف ستالين نفسه. ولا يمكن حصر الخراب الذي طال العلوم، كما الإنتاج الزراعي، في تلك المرحلة ببضع كلماتٍ هنا، لكنّه يُفترض أنه حاضرٌ في ذهن القيادة الروسية اليوم التي تسير على الخطى ذاتها كما يبدو، متسلّحةً بشعاراتٍ مثل خوف الولايات المتحدة من التقدّم الروسي في مجال إنتاج اللقاحات، وغير عابئةٍ بتحذيراتٍ صدرت عن أطباء روس حول احتمال تسبّب اللقاح بانفجارٍ في عدد الإصابات. وقد عبّر بعض العلماء الروس بصراحة أن الهجوم العالمي على اللقاح، سياسي-تجاريّ محض، رغم متانة الحجج المقابلة ووضوح نقاطها.

في العام 1957، أطلق الاتحاد السوفياتي القمر الاصطناعي الأول في التاريخ “سبوتنيك”، الذي بثَّ الرعب في صفوف “العدو” الأميركي. ومما يُروى أن البعض في الولايات المتحدة خرج إلى الشوارع ينظر إلى السماء بهيستيريا ولا سيما بعدما أشيع عن تزويد “سبوتنيك” بكاميرا تستطيع أن ترصد كل ما يحصل على الأرض. طبعًا، لم يكن “سبوتنيك” يتمتع بهذا المدى التقني (وإن كان نجاحه إنجازًا كسر الغرور الأميركي)، لكنّ إعطاء أي إنجازٍ علميٍ حجماً أكبر من حجمه الحقيقي سيظهر أصحابه كالحمقى، كما عبّر البروفيسور تشوتشالين حرفيّاً. ويا للصدفة، فإن اللقاح الروسي المزمع تصديره يحمل اسم “سبوتنيك” أيضاً!

 
×