في تونس والسودان، حيث “الربيع العربي” لم ينتج مآسي ولا فاضت على ضفافه أنهار من الدماء، جاءت مساعي التغيير “من تحت”، فلعب “الاتحاد العام التونسي للشغل” دورًا مركزيًا في تونس، و”تجمع المهنيين السودانيين” دورًا يوازيه أهمية في السودان.

أما حيث غاب العمل النقابي المستقل والفاعل في دول “الربيع العربي”، فقد بدت مطالب التغيير مفتقدة إلى ركن العدالة الاجتماعية الذي لا غنى عنه في إعادة هيكلة حقيقية لأي نظام سياسي، فتحول الصراع، بتضافر عوامل وفّرتها أنظمة الداخل وتدخل الخارج، إلى نزاع هويّاتي، كما في سوريا وليبيا واليمن. حتى في مصر (حيث كان شعار “العدالة الاجتماعية” جارفًا في شهر يناير المجيد) ضعُف المحرّك المعيشي للصراع بسرعة بعد الثورة، وبرز مكانه صدع بين “الإخوان” وخصومهم، فيما يُخشى من ظهور ما يماثله بين عرب وأمازيغ في الجزائر إن فلتت الأمور من عقالها ولو بعد حين (مع استبعاد سيناريو مشابه بسبب قدرة أجهزة الدولة على ضبط الأمور وغياب حماسة خارجية لزعزعتها).

لا يقف لبنان على فالق نزاع جذري بين مكونات الطبقة الحاكمة من جهة وقطاعات كبرى من المحكومين من جهة أخرى كما في دول “الربيع” لأسباب يطول شرحها. أولها يتصل بطبيعة نظامه الذي يؤدي غرضه الوظيفي الحامي لهذه الطبقة بشكل كبير.

فالطبقة الحاكمة في لبنان لديها صفة تمثيلية واسعة، يغذيها نظام ريع زبائني تم تكريسه بعد حربه الأهلية، وسلاحها الأساس حمّى طائفية يمكن إزالة الرماد عن جمرها كلما استدعت الحاجة إلى استنفار العصبيات.

لكن ما يحصل اليوم في البلد هو أن شحّ الموارد وصعوبة الظرف الإقليمي وحدة الضغوط الخارجية وضيق خيارات الالتفاف على أزمة دَيْنه العام، أمور أعادت الاعتبار إلى شكل آخر من الاصطفاف، ولو أن عمر هذا الاصطفاف يرجح أن يكون قصيرًا بسبب غياب البنى التنظيمية التي تسمح بديمومته، وتجذّر المخاوف الهوياتية وتناقلها من جيل إلى جيل.

ما يمكن التسليم به هو فشل نموذج حكم المصارف واستدامة تغذيتها من الدين العام وفوائده

الاصطفاف الذي نشهده اليوم، بشكل خجول وغير منظم (ولا واعٍ إلى حد بعيد)، يفصل موظفين بيروقراطيين وعمالًا ومستخدمين من الطبقتين الوسطى والدنيا، عن أرباب الاقتصاد المصرفي الذي يتحكم بمفاصل البلاد منذ نحو ثلاثين عامًا.

هذه لحظة تاريخية، لو جرى التقاطها (وهو أمر صعب بسبب كتلة من الظروف، برغم عدم استحالته)، لَتَحوّلَ معنى السياسة في البلاد أو أخذ منحى مختلفًا على أقل تقدير.

لبنان يشهد، مع جولة الإضرابات الأخيرة  فيه التي تشلّ أكثر من قطاع، عودة طبقة عماله ومستخدميه وموظفيه البيروقراطيين إلى الواجهة (نفصل بين الجهات المشار إليها حتى لا يؤخذ علينا تحريف المعنى الماركسي للطبقة العاملة). صحيح أنه لا يمكن تصوّر قلب فلسفة النظام الاقتصادي فيه رأسًا على عقب. إذ حتى في عز الدعوات الاشتراكية واليسار الأممي في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كان الأمر محالًا وتحول إلى صراع طائفي مرير. لكن ما يمكن التسليم به هو فشل نموذج حكم المصارف واستدامة تغذيتها من الدين العام وفوائده، ووصول القدرة على امتصاص موارد الدولة عن طريق الفساد والمحسوبيات وتعطيل أجهزة الرقابة إلى ختامها.

قبل أعوام ظهر ميل لدى بعض أركان الفساد في لبنان إلى تصديق فكرة أن اكتشاف الغاز على سواحل المتوسط من شأنه أن يطيل أمد الصيغة الحالية للنظام الاقتصادي اللبناني، الذي يقوم على شفط موارد القطاع العام وتعبئة جيوب حفنة من المستفيدين منه وتعميم الفساد ومأسسته في الأجهزة البيروقراطية. لكن عوامل جيوسياسية وتقنية قضت على “الحلم” بإعادة إنتاج الصيغة تلك.

اليوم ثمة نموذج مهترئ تقف قبالته جموع من المحتجين الخائفين من دفع الثمن من جيوبهم الخاصة. وكل من هؤلاء يحمل معولًا قادرًا على حرف النظام ميليمترًا واحدًا عن مساره.