(Photo Credit: Ayeesha Starkey)

 

انفجرت “الفقاعة اللبنانية” بعد ثلاثين عاماً على نهاية الحرب الأهلية اللبنانية. فقاعةٌ نُفخت بالاستدانة المُنفلتة لتمويل أرباح أصحاب رؤوس الأموال بالتخادم مع فساد زعامات الطوائف، عبر شبكة علاقات زبائنيّة ومحميّات سياسية وبيروقراطية وخطاب طائفي. كلّ ذلك كان يجري تحت سقف تسوية خارجية لم تُتِح يوماً قيام دولة لبنانية، بل العكس تماماً. في تقديرات الحكومة اللبنانية الحالية، وهي تقديرات يوافق عليها “صندوق النقد الدولي” إلى حد بعيد (وهذا من مصلحته)، بلغت الخسائر في النظام المصرفي اللبناني ما يُقدّر بـ 240 ألف مليار ليرة لبنانية (80 مليار دولار تقريباً).

لا يمكن تفسير الأزمة اللبنانية إلا من خلال الإقرار بدور لبنان، من باب المقاومة، في توازنات الإقليم وصراعاته من ناحية، وتركيبة المنظومة والنخبة التي أدارت البلاد منذ ثلاثين عاماً من ناحية ثانية. المكوّن الخارجي للأزمة مرتبط بتحويل واشنطن لبنان إلى ساحة حرب دائمة، سواء عبر المشاركة في تصميم النظام الريعي – الطائفي وتدعيمه، أو من خلال شحن الصراعات الداخلية بوجه المقاومة، ودعم العدوانية الإسرائيلية، وفرض العقوبات، وعزل لبنان عن عمقه العربي ومداه الشرقي. وفي ظل هذه الحرب استمرت أوسع عملية نهب وفساد لموارد اللبنانيين، عبر شبكات متداخلة من النخب والمؤسسات المحلية.

لكن الدور الأميركي هذا لا يعفي القوى المحلية من مسؤولية خياراتها وسياساتها وممارساتها الممنهجة، التي أدّت إلى تبديد 280 مليار دولار من التحويلات الخارجية منذ 1992. كلّ لبناني يعاني اليوم، يعرف أو يرى مسؤولاً محلياً مع عائلته يتنعّم بثروات طائلة على حساب جنى عمره ومستقبل أولاده وكرامته. وبرغم انفجار “الفقاعة” وتداعياته الكارثية، الآنية والمقبلة، لم يصدر عن هذه المنظومة المتسلطة فعلٌ جديٌ واحدٌ لتعديل المسار السياسي في البلد، ببساطة لأن وجودها مرتبط بحماية الوضع القائم. نحن لا نرى سوى سلسلة لا تنتهي من الـ”يجب”، كأن الذين في السلطة موظفون في شركة استشارات.

انفجار الفقاعة في العام 2019 هو حدث مستمر إذاً، ناتج من خيارات المنظومة، وله مقدمات بيّنة كان يدور السجال حولها لسنوات. والمسار الذي أوصلنا إلى هنا واضح. إذ منذ العام 2011، أطلّت الكارثة برأسها حين أصبح ميزان المدفوعات سالباً، ما دفع حاكم مصرف لبنان للقيام بهندسات مالية لجذب أموال من الخارج بفوائد عالية ولمنح المصارف أرباح سهلة. صحيح أن السياسة الأميركية، منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ساهمت في تسريع الإنهيار. ففريق ترامب للشرق الأوسط ذو ميول صهيونية، وهو يتساوق مع أجندة اليمين الإسرائيلي المتوجس من تحوّلين يتبلوران بوضوح: أولهما التراجع المستمر للنفوذ الأميركي وانكفاء تدخلاته في المنطقة، وثانيهما استراتيجية التطويق المتشابك الجبهات لمحور المقاومة. لذلك تشن الإدارة الأميركية منذ 2017 هجوماً غير مسبوق على هذا المحور، استعملت فيه أقصى ما يمكن من زخمها ما دون العسكري. والأميركيون حالياً يعملون بطاقتهم القصوى ضد محور المقاومة مستخدمين أدوات العقوبات والدبلوماسية والأمن وحرب المعلومات والوكلاء. وكان من تداعيات ذلك تسريعُ الانهيار في لبنان، وهو ما كان يستلزم من ناحية واشنطن القبول بتحويله ساحة مواجهة مفتوحة مع “حزب الله”، بعكس ما كانت عليه حال الإدارات السابقة.

يتضح أن الحزب، أمام القيود التي يتصوّرها في المعركة الداخلية، قرّر الذهاب نحو اختبار المعركة مع المكوّن الخارجي للأزمة بعدما صعّد الأخير إلى حدود غير مسبوقة

ربطاً بهذين المكونين للأزمة، يمكن القول إن الأنظار في لبنان تتجه إلى دور “حزب الله” تحديداً. وعبر تتبع مواقف الحزب في السنوات الأخيرة، وصولاً إلى الكلمة المتلفزة الأخيرة لأمينه العام السيد حسن نصرالله في 16 حزيران 2020، يمكن الإشارة إلى الآتي:

أولاً، إن متابعة مواقف نواب “حزب الله” وقيادته منذ 1992 يُظهر أن الحزب يدرك المكوّن المحلي للأزمة بوضوح. إلا أنه لم يغادر حذره من الاشتباك مع هذا المكوّن خشية استدراجه إلى مواجهة داخلية أو حصول انهيار في النظام يدفع البلاد نحو المجهول، بحسب أدبيات الحزب. يرى السيد نصرالله أن النخبة الفاسدة لن تتورع عن دفع البلاد نحو الحرب لحماية دورها ومكتسباتها. علماً أن هذه النخبة تتقن لعبة التهويل على الحزب بالفتنة والحرب.

ثانياً، يتضح أن الحزب، أمام القيود التي يتصوّرها في المعركة الداخلية، قرّر الذهاب نحو اختبار المعركة مع المكوّن الخارجي للأزمة بعدما صعّد الأخير إلى حدود غير مسبوقة، وآخر أشكال هذا التصعيد كان “قانون قيصر”. ويأمل الحزب أن يستبعد التركيزُ على المكوّن الخارجي، الفتنةَ الداخليةَ، وأن يمنحه هامشاً أكبر للمناورة في الداخل والخارج، علماً أن هذه المعركة تتّسق مع البنية الإيديولوجية والاستراتيجية للحزب.

ثالثاً، العالم كله ينوّع خياراته بإضافة “الخيار الشرقي”، بما في ذلك القوى الغربية الحليفة للأميركيين. وهذا المطلب، في حالة لبنان، يُفترض أن يكون بديهة لا تحتاج إلى إقامة الدليل. لكن هذا الخيار أمامه أسئلة عدة، واحد منها أنه إذا كانت منظومة الفساد تهددّ بالفتنة والحرب حتى تكبح المشروع الإصلاحي، خصوصاً تلك المرتبطة بالأميركيين، فالأولى بها أن تفعل الشي ذاته لمنع خطوة إستراتيجية بهذا الحجم. كما أن السياسة الاقتصادية الخارجية لأي دولة تُعيد ترتيب التوازنات الداخلية بين القطاعات والفئات، ستدفع ببعض هذه القطاعات إلى الرفض والمواجهة. وثمة إشكالية أخرى تطرح نفسها هنا. فكما يفتقد “حزب الله” لشركاء جديين في المعركة الداخلية، هل ثمة شركاء في الدفع نحو “الخيار الشرقي”؟ هذا عدا عن سؤال ما يمكن أن يقدمه الشرق لنا، وفي أي مجالاتٍ وحجمٍ وسرعة.

رابعاً، كيف نضمن ألا يكون مصير الاستثمارات أو التمويلات التي يجذبها الاتجاه شرقاً على شاكلة عشرات مليارات الدولارات التي تبدّدت خلال ثلاثين عاماً؟ هل ستكون عوائد هذا الخيار من نصيب القلة التي استأثرت بثمار التدفقات الخارجية سابقاً؟ كيف يمكن منع ذلك بوجود المنظومة ذاتها؟ من أضاع تدفقات “الغرب”، لن يشبعَهُ “الشرق” لاحقاً.

إن الذين يستفيدون من تغييب المكوّن الداخلي للأزمة اثنين؛ فاسدٌ يريد التعمية على جرائمه بحق المال العام ومستقبل اللبنانيين، والأميركي ومن معه حتى يؤكدوا سرديتهم بأن كلّ ما يعانيه لبنان ناجم عن خيارات “حزب الله” في الداخل والخارج، أي أن حلّ الأزمة يكمن في خروج الحزب من الصراع الإقليمي بداية، كما تقول سردية خصومه. وبما أن معظم اللبنانيين لا يعتنقون إيديولوجيا الحزب، فإن اقتناعهم بهذه السردية، في ذهن من يسوّقها، سيحوّل غالبيتهم إلى قوة ضغط على “حزب الله” ومشروعه تسهّل عزله داخلياً.

معركة أخرى يقرر الحزب اختبارها في لحظة محليّة وإقليمية شديدة التعقيد، وعلى مشارف واحدة من أهم الانتخابات الرئاسية في تاريخ الولايات المتحدة. في هذه اللحظة الحسّاسة، أرسل السيد نصر الله قبل يومين في خطابه رسالة حادة إلى الأميركيين، مفادها الضمني: لقد امتنعنا عن مجاراة قراركم تحويل لبنان إلى ساحة مواجهة، وقبلنا احتمال التكاليف ما دامت لا تمسّ اللبنانيين عموماً، ولكن نظراً إلى ما وصل الحال إليه، لم يعد ممكناً سوى خيار المواجهة في لبنان ومنه لحماية الحد الأدنى من مصالح لبنان واللبنانيين والمقاومة. فهل يرتدع الأميركيون إن ارتفعت مخاطر سياستهم في لبنان؟ أم يحصل توافق أو تسوية في الإقليم ترخي الخناق؟ أم يكون الخيار الأميركي مؤجلاً حتى ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية؟ أم أن الحزب ينجح في الاستفادة من الأزمة لإطلاق مسار تنويع الخيارات نحو الشرق؟ أم أن الواقع اللبناني سينفجر قبل كل ذلك؟ سنرى. لكن، مجدداً، لكي تعرف إلى أين تتجه، فأنت بحاجة إلى وجه، ونحن الآن بلد بوجوه، فلا جهات لنا، وإن وجدنا جهة فيفترض أن نقف على أرض صلبة ننطلق منها، فيما نحن اليوم في حفرة طين.. على أقل تقدير.

 
×