تذكّرني اتفاقيتا الإمارات والبحرين مع الكيان الصهيوني بما كان يؤمن به معتقلٌ سياسي دام اعتقاله لأكثر من عقدٍ ونصف، من أنّ الصهاينة ينقسمون إلى صقور وحمائم، وأنَّ حمائمهم تحكم ما يُدعى “إسرائيل” في حين تحكم صقورهم كثيراً من بلاد العرب.

ومع أنني لا أميل، عموماً، إلى مثل هذه المسكوكات والتعميمات وأفضّل عليها التحليل والعقل التحليلي الذي يدرس لا بنية الظاهرة فحسب بل تطورها التاريخي أيضاً، إلّا أنّ في القول السابق قدراً كبيراً من الوجاهة، ليس فقط لأنّه يصدر عن معتقل مديد ناشد معتقلِيه أن يضعوه على الخط الأمامي لجبهة القتال مع “إسرائيل”، بل أيضاً لأنَّ نواطير النفط عموماً لم يكونوا يوماً في حالة عداء مع “إسرائيل”، وعلاقاتهم السرية والعلنية بها لم تنقطع في أي يومٍ من الأيام، كي يأتوا اليوم ليعقدوا اتفاقيات سلام معها!

رغم ذلك كلّه، بل ربما بسببه أيضاً، لا بدّ من العودة إلى التحليل والعقل التحليلي في التعامل مع ما نشهده من موجةٍ جديدةٍ لصلح الأنظمة العربية مع العدو الصهيوني، وهي موجة من الواضح أنها ستمتد وتتسع وتتوالى ولا تتوقف.

وما أعنيه هنا بالتحليل والعقل التحليلي لا يتوقف عند ربط اتفاقيتي الإمارات والبحرين مع إسرائيل بحاجة دونالد ترمب إلى ذلك في الانتخابات الأميركية القريبة، ولا عند حاجة نتنياهو والنخبة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي إلى انتصارات بعد فقدان “إسرائيل” رجالاتها وقادتها الكبار والتاريخيين وانكشاف وهن بيتها الذي كان ليتبدد بيسرٍ لولا دعم حلفائها وخيانة أو تخاذل الحكام العرب، بل يتعدّى ذلك إلى اختبار مفاهيم وأطروحات تمضي أعمق من كلّ ذلك، وأتناول منها هنا ثلاث باختصار شديد:

1- الفرد والنظام والطبقة والصلح مع اسرائيل:

حين زار الرئيس المصري الأسبق أنور السادات القدس في عام 1977، بدا الأمر كأنَّ رجلاً فرداً هو الذي اختار الصلح المنفرد مع إسرائيل لأنّه فقد عقله (أو لأنّه وجده، بحسب الرواية المعاكسة). ولذلك راحت الكتابات العربية تهطل في تخوين هذا الفرد (أو مديحه) والنَّبْش في تاريخه الشخصي وبنيته النفسية عمّا يفسّر جبنه (أو شجاعته)، من دون أن تحظى بنية مصر والمنطقة وتاريخها السياسي الاجتماعي الاقتصادي بأكثر من كونها خلفية بعيدة يصنعها ويديرها أفراد مثل هذا الفرد. ولعلّ كتاب محمد حسنين هيكل الشهير الذي تُرجم إلى عشرات اللغات، “خريف الغضب: قصة بداية ونهاية عصر أنور السادات” (1983)، هو واحدٌ من أهمّ الأمثلة التي لم تقتصر على تمثيل هذه الرؤية فحسب، بل تعدّت ذلك إلى تعززيها إلى أبعد حدّ.

قبل ذلك بسنوات، في عام 1972، أخرج يوسف شاهين فيلمه “العصفور” الذي يتناول هزيمة حزيران 1967. لكنَّ أحداث الفيلم تدور قبل تلك الهزيمة التي يُختَتَم الفيلم بها وبإعلان الرئيس المصري جمال عبد الناصر تنحّيه عن منصبه وخروج الشعب المصري إلى الشوارع غاضباً، رافضاً الهزيمة ومتمسكاً بالصمود والحرب حتى التحرير. وما تدور حوله أحداث الفيلم هو تحقيقٌ صحفي يجريه أحد الصحفيين حول عدم اكتمال بناء مصنع من مصانع القطاع العام بسبب سرقة آلاته وأدواته، ليكتشف أنَّ ثمة تنسيقاً في ذلك بين مسؤولين فاسدين في أجهزة الحكم ومجرم تطارده السلطة مع رجاله في صعيد مصر، بغية بيع الآلات والأدوات للقطاع الخاص.

من الواضح أنَّ ما يقوله الفيلم هو أنَّ النظام هُزِمَ من داخله قبل هزيمته العسكرية، وأنَّ الانتصار على العدو الخارجي مستحيل من دون القضاء على السوس والفساد الداخلي الذي أدّى إلى الكارثة، وأنَّ ثمّة حلفاً للهزيمة هو، بحسب الفيلم، أجزاء من النظام وأجزاء من القطاع الخاص ومجرمين فارّين من وجه العدالة. وتتلاقى في اللقطات الأخيرة من الفيلم جموع الشعب التي ترفض الهزيمة وتصرخ “حنحارب” بالشاحنات المحمّلة بالمسروقات وكلٌّ ماضٍ في اتجاه معاكس للآخر، مع لحظات تضطر فيها تلك الشاحنات للتوقف هنيهة بسبب الحشد قبل أن تتابع إلى وجهتها من جديد.

السؤال الضروري، إذاً، هو عن الوجهة التي مضت إليها تلك الشاحنات، ومن فيها، ومن كانوا يديرون حركتها. فالأمر لم يتوقف عند الهزيمة، بل تطور بعد سنوات إلى تسوية مخزية مع العدو سوف تكررها أنظمة عربية عديدة وتطيح بالمنطقة ولا تكاد تترك لها أيّ وزن. وما أشار إليه هيكل من دورٍ للفرد، وما أشار إليه شاهين من دورٍ لمجموعة من الفاسدين والمجرمين يحيطون بزعيم وطني نظيف، لم يعد يكفي لتفسير ما جرى ويجري من إدخال إسرائيل إلى القلوب والعقول وتحويلها إلى حليف ضد أعداء آخرين مختلقين، مثل إيران أو تركيا أو سواهما، مهما يكن الرأي بسلوك هذه الدول في لحظة من اللحظات.

ما نحن إزاءه هنا هو سيرورة انتقال من العداء “لإسرائيل” إلى مصالحتها، وربما التحالف معها. وهي سيرورة تاريخية متدرّجة، ليست سياسية فحسب، بل اقتصادية واجتماعية وثقافية أيضاً، انتقلت فيها فئات وطبقات بأكملها، بل تحالفات طبقية برمّتها، من خندق العداء النسبي “لإسرائيل” إلى خندق التسوية معها ومصالحتها. وتبدّى ذلك بانتقالها من وضعٍ كانت تجد فيه بعض المصلحة في ذاك العداء، إلى وضعٍ لم تعد تجد لها فيه أي مصلحة في الصراع مع “إسرائيل” ورفض وجودها الاستعماري الاستيطاني.

لم يكن السادات، إذاً، يعزف منفرداً حين زار القدس، بل كان يمثّل درجة متقدّمة من درجات تطور حلفٍ طبقي كامل على مستوى مصر وعلى المستوى العربي: حلفٌ جَمَعَ القطط السمان المصرية في القطاعين العام والخاص، ممن جعلوا السلطة مصدراً للثروة في بلدٍ رأسمالي متخلّف وتابع، إلى أنظمة الرجعية العربية النفطية المدولرة، في ظلّ سيطرة دولية تعزز التبعية وتدفع الخارج ليصير جزءاً من بنية بلداننا الداخلية. وليس الفارق بين الأنظمة العربية على هذا الصعيد سوى فارقٌ في ظروف كلّ نظامٍ وفي درجة “تطوره” و”نضجه” على طريق محو العداء “لإسرائيل”. فبنية الجميع هي تلك البنية الفاسدة والقامعة لشعوبها وقواها الحيّة بما لا يتيح مجالاً لعداءٍ جذريّ “لإسرائيل”.

الوطنية جُهْدٌ يرمي إلى إقامة بنية اقتصادية-اجتماعية مستقلة، وليست محاربة عدوّ محتلّ على أهميتها العظيمة وضرورتها التي لا بدّ منها، سوى جزء من هذا الكلّ

واللافت للانتباه في العقود الثلاثة الأخيرة هو التحاق فئاتٍ غير قليلة من المثقفين، ذوي الماضي اليساري في الغالب، بتلك الفئات والطبقات والأنظمة. وفّر هؤلاء ما يحتاجه الحكّام من آلاتٍ ذاتِ أقلام تنظّر للعملية، وتقدّم لها المفاهيم والمصطلحات اللازمة. وهكذا نشر هؤلاء المثقفون التعمية والتزييف الضروريين على العملية، وبرّروا استبدالها بعدو المنطقة الفعلي أعداء جدداً من جيرانها التاريخيين لا ينبغي تحويلهم إلى أعداء تاريخيين، كما هو حال “إسرائيل”، مهما يكن الخلاف والصراع معهم في لحظة.

بل إنَّ الأشد لفتاً للانتباه، في السنوات الأخيرة، هو ما يدفع إليه قمعُ الأنظمة الوحشي الذي لا يُطاق، وفسادُ أقسامٍ كبيرة من النخب المعارضة وفسادُ تصوراتها ومقترحاتها النظرية والعملية من استجارةٍ – نرجو أن تكون عابرة – تستجيرها فئات شعبية واسعة بكلّ من تتوهّم أنّه يمكن أن يمدّ لها يد العون ولو كان “إسرائيل”. وبدوره يؤدي هذا إلى معاداة لكلّ من تعتبره حليفاً لتلك الأنظمة عداءً كيانيّاً مبرماً لا نقاش فيه، على أسسٍ دينية وطائفية غالباً. ولا تجد هذه الفئات الشعبية، إلا لماماً، من يناقش ويبدد الأوهام ويجلو الحقيقة، ويرفع الصوت بأنَّ وجود ما يدفع باتجاهٍ ما ويفسّر ذلك الاندفاع قد لا يبرّره بالضرورة، وأنّ اللحظة التي تكاد تتطابق فيها تصورات الشعوب مع تصورات أنظمتها وطبقاتها السائدة هي لحظات كارثية توحي بانتحارٍ حضاري وشيك.

2- ما الوطنية، ما المقاومة والممانعة؟

عادةً ما نفصل، على نحوٍ خاطئ وخطير، بين المسألة الوطنية من جهة ومسألة الحريات من جهةٍ أخرى ومسألة العدالة الاجتماعية من جهةٍ ثالثة. يبدو هذا الفصل كما لو أنَّ لا علاقة للمسألة الوطنية (حتى لو اقتصرت على تحرير الأرض) بالقمع أو الفساد، على سبيل المثال لا الحصر. وما يبيّنه مثال مصر هو أنَّ زيارة السادات القدس وتوقيعه معاهدة “كامب ديفيد” وتفريطه بالمسألة الوطنية ليست أفعالاً تقتصر على السادات ومن تلاه، بل خيار نظامٍ هو نظام تلك الطبقات والفئات الاجتماعية من القطط السمان التي سلبت مصر وجوّعت شعبها وقمعته وانتفخت بالمال المنهوب حتى صارت مصالحة العدو خياراً استراتيجياً لها. وهذا يعني ارتباطاً صميمياً لا فكاك له بين “كامب ديفيد” ونظام القمع والنهب وتقييد الحريات، وأنَّ هذه ليست أطرافاً منفصلة أو مختلفة بل الطرف الواحد ذاته. يحتم هذا الأمر أن يبدي الردّ عليها ومجابهتها هذا التماسك ذاته وهذه الوحدة ذاتها نظرياً وعملياً على السواء.

جوهر هذا الردّ، كما أراه، أنَّ الوطنية جُهْدٌ يرمي إلى إقامة بنية اقتصادية-اجتماعية مستقلة ومتمحورة حول ذاتها وحول مصالح شعبها بعيداً عن أيّ ارتهانٍ أو تبعيّة. وليست محاربة عدوّ محتلّ على أهميتها العظيمة وضرورتها التي لا بدّ منها، سوى جزء من هذا الكلّ. ومن الواضح أنّ مثل هذا التعريف للوطنية لا يفصل بين ما يُحَقَّق من تنميةٍ وتقدمٍ اجتماعي وحرياتٍ تضمن مشاركة أوسع قطاعات الشعب من جهة، ومقاومة الاحتلال والمشاريع الخارجية وممانعتها من جهة أخرى. وبذلك تكون الوطنية وجه العملة الآخر للديمقراطية والحريات والحفاظ على الثروة الوطنية وتنميتها. وليست قطباً يواجه كلّ ذلك، أو يمكن فصله عنه في ترتيبٍ زائفٍ لهذه الأولويات. وكما ينبغي أن نشكّ في “وطنيّة” من يمارسون النهب والقمع، كذلك ينبغي أن نشكّ في “ديمقراطية” من يستقوون بالإمبريالية الأميركية، وتلتبس عليهم حروب مقاومة “إسرائيل”.

3- القضية الفلسطينية، إلى أين؟

حين انتهت “ثورة 25 يناير” المصرية إلى إسقاط حسني مبارك، بعد أن كانت ثورة تونس قد أسقطت زين العابدين بن علي، أبدت “الإنتلجنسيا الإسرائيلية”، بما فيها الليبرالية منها، ذعراً شديداً يشير أحسن الإشارة إلى ارتباط قضية فلسطين بقضايا الحريات والعدالة في بلدان العرب. ومما قاله آري شافي في صحيفة “هآرتس” يومئذٍ: “على مدى 60 عاماً، أبقت الإمبراطورية الأميركية العالم مستقراً، ووفّرت الهدوء والسلام والازدهار. أمّا الرئيس الأميركي الحالي، باراك أوباما، فيقوّض الإمبراطورية الأميركية. وخيانته حسني مبارك ليست مجرد خيانة لرئيس مصري معتدل بقي على إخلاصه للولايات المتحدة وعمل على تعزيز الاستقرار وتشجيع الاعتدال، بل هي خيانة رمزيّة لكلّ حليفٍ استراتيجي في العالم الثالث”. ولم يكن غريباً أمام هذا الذعر لسقوط رأس نظام فحسب أن يتوقّع عدد من المراقبين حينئذ ذعراً إسرائيلياً مصيرياً لو أكملت انتفاضات العرب مسيرتها وتوالت موجاتها، ولا أن يتوقّعوا أيضاً ما سيتاح للصهيونية من فرصة التحرّك صوب تصفيةٍ نهائيةٍ للقضية الفلسطينية، وربما اجتياح غير بلدٍ من بلدان العرب، في حال هزيمة تلك الانتفاضات وفشلها.

ونحن نعلم، بالطبع، ما جرى لانتفاضات ما دُعي “الربيع العربي” من تسيّد القوى الرجعية الدينية والليبرالية البائسة عليها وسوقها إلى هاوية بعد هاوية، ومن لَجْمِها بفعل القوى العالمية التي أخذت زمام المبادرة بعد أن فوجئت في تونس ومصر في البداية. ولذلك لا نستغرب الهجمة الترمبيّة الصهيونية لتصفية القضية الفلسطينية بعد هزيمة الانتفاضات العربية وتحطيم بلدانها.

تلك هي بعض السياقات التي تأتي في ظلّها اتفاقيات نواطير النفط مع “إسرائيل”. ولذلك، على أطراف هذه الاتفاقيات، ومن يقفون خلفهم ومن يغذّون السير على طريقهم، ألّا ينسوا “خطر” الشعوب قريب العهد ولا إصرار هذه الشعوب، بخلافهم وبخلاف كتبتهم، على الربط بين فلسطين والحريات والعدالة. وعليهم ألا ينسوا أيضاً، مهما اتّسعت طبقاتهم وتحالفاتهم الطبقية المحلية والدولية، أنّ شعوب بلدانهم هي التي تقرّر في النهاية إن كانت ستصالح “إسرائيل” أم لا، وأنَّ الشعب الفلسطيني على وجه الخصوص هو الحاسم والقول الفصل في هذا الأمر، وأنّه مهما ساقته قياداته المختلفة على دروب الوهم والسراب، كان قد حدد هدفه وشتى وسائل تحقيقه: دولة عربية فلسطينية ديمقراطية علمانية لجميع مواطنيها من النهر إلى البحر.

 
×