(Beirut, Lebanon – Image Credit: Yann Arthus-Bertrand)

 

أمام المجمّع التجاري الذي أغلق أبوابه على آخر إبداعات الموضة لشتاء 2020، فرغ موقف السيارات إلّا من بضعة سائقين توقّفوا ليشتروا الخضار من الصبي ذي العشر سنوات. نستطيع العيش من دون “مول”، لكننا لا نستطيع العيش من دون ذلك الصبي الصغير وكدح أمّه التي زرعت البطاطا، أو الساعات التي وضعها في البحث عن الهليون، أو الأرض التي أنبتت الإثنين.

كشف الحَجْر والتباعد الاجتماعي اللذان فرضهما علينا فيروس “كوفيد-19” أنه بإمكاننا الاستغناء عن كل تلك المباني الجديدة الممتدّة من برج رحّال حتى صور، وفيلات الرابية، والأبراج على كورنيش بيروت، والمولات، وغيرها من المباني التي أصبحت ترمز في السنين العشر الأخيرة لشكل التمدّن في لبنان.

ومن حجْرٍ لا نرى له نهاية، نرى في الوقت عينه مساحاتٍ وأمكنةٍ أخرى، كنّا نحتاج إليها في الأيام العادية، وأصبحنا نحتاجها أكثر، في وقتٍ مُنع علينا خلاله العمل والدراسة والتسكّع في المقاهي. فلماذا تمّ بناء أشكال معيّنة من الأماكن بوظائف محدّدة دون أخرى؟ وبالتالي، ما هي علاقة العمران بالسلطة ورأس المال؟ أسائل في هذا النص طبيعة ما نبنيه في مناطقنا ومدننا وقرانا؛ ولا نتكلّم إذ ذاك عن الشكل، بل عن طبيعة الاستخدام وجهته، أي الماهية الوظيفية لما يرتكز عليه اليوم ما يسمّى إنتاج المكان والعمران.

الحاجة والربح

عندما أغلقت الحكومات المرافق العامة، أبقت على قلّة قليلة ممّا يصعب الاستغناء عنه من أجل بقاء الأفراد أحياء. وفيما وجدنا أنفسنا فجأة قادرات وقادرين على الحياة من دون حاجة للذهاب إلى “المول” أو العمل خارج المنزل (بالنسبة لكثير من الوظائف)، وجدنا أيضاً أن الأمكنة والأبنية والمساحات التي كانت تضمّ الكثير من النشاطات، ليست أساسية لبقاء الإنسان.

كم “مول” نحتاج في مدينةٍ تبلغ مساحتها أقل من 20 كيلومتر مربع؟ كم مجمّعٍ للمكاتب نحتاج في بلدٍ يعيش فيه أقل من ستة ملايين شخص؟ كم برجٍ من الضروري أن نبني على ساحلٍ بطول 220 كيلومتر؟

ببساطة، يمكننا أن نرى أن سوق البناء (في لبنان وخارجه) لا يُنتج ما نحتاجه، بل ما يمكن الاستغناء عنه. معظم ما ينتجه هذا السوق هو مبانٍ ليست سوى لزوم ما لا يلزم في نظامٍ أصبح فيه البناء سوقاً لإعادة تدوير رأس المال، واستنزاف ثروات الشعوب في مشاريع لا تدرّ ربحاً إلّا على القلّة الحاكمة. توقف العمل في المشاريع الهندسية الكبيرة منذ شهور، وهو ما كان يمكن أن يؤدّي إلى اعتراض أعداد كبيرة من الناس ممّن كانوا ينتظرون إنهاء بناء بيوت تأويهم أو مستشفيات أو مدارس يحتاجونها. لكن هذا الاعتراض لم يحصل، لأن المنتظر إنهاؤه ليس ضرورياً لأحد، إلّا إذا اعتبرنا زيادة ثروات المطوّرين ومن خلفهم ضرورياً.

الفرق إذاً في ما نعيشه اليوم، أو في ما نشهد بناؤه، هو بين الضروري وبين ما لا يلزم. و”الضروري” وفقاً لتعريف المعجم “الرائد” هو “ما تدعو إليه الحاجة، وما ليس منه بدّ.” في ظلّ الحجر، نكتشف معنى ما يسهل الاستغناء عنه من أماكن وأشياء وسلعٍ علّمتنا الثقافة الرأسمالية السّائدة بأنها ضرورية، لنا ليس كمستهلكين فقط، بل لا بد منها لحياتنا كبشر. ولكننا وجدنا مثلاّ أنّنا نحتاج بائع الخضار أكثر بكثير من محل ثياب في “فردان”، أو أنّه ينقصنا مساحات عامّة وحدائق واسعة، في بيروت خاصة، وأننا نحتاج الغابات والأحراج والمشاعات (وهي ما تعتزم الحكومة الحالية بيعه في هذه الأثناء) لأننا بحاجة إلى مساحاتٍ عامة لا نضطر لاستهلاك مشروبٍ أو طعامٍ كي نرتادها.

في روايتها القصيرة “أولئك الذين يتركون أوميلاز (The Ones Who Walk Away from Omelas)”، ترسم كاتبة روايات الخيال العلمي النسوية الماركسية أورسولا لوغوين (Ursula Le Guin) قوانين مدينةٍ تبدو للوهلة الأولى حلم الباحثات/ين عن عالمٍ عادلٍ، فتقول: “وماذا عن التكنولوجيا؟ أعتقد بأنه لن يكون هناك سيارات أو مروحيات على الطرقات وفوقها. ينتج هذا عن واقع أن الناس سعداء في أوميلاز. وهذه سعادةٌ مبنية على تمييزٍ حقّ لما هو ضروري، ولما هو ليس ضرورياً ولا مدمّراً، ولما هو مدمّر.”

العمران والسلطة

بالإضافة إلى لعب دور في بناء ما ليس ضرورياً، يخدم العمران رأس المال والسلطة من خلال ثلاث مستويات: عبر غياب الحياد، وكرمزٍ للاستهلاك البصري، وكأداةٍ للسيطرة.

يقول بيار بورديو (Pierre Bourdieu) في كتابه “قواعد الفن (The Rules of Art, 1992)” إن تعريف عمل المجموعات المختصّة، كالمعماريات/ين مثلاً، على أنه عملٌ محايد، يعمل باتجاه خدمة التعمية عن دور الثقافة في الحفاظ على علاقات القوة الاجتماعية وإعادة إنتاجها. بالنسبة له، إن الاعتقاد بأن عمل هؤلاء المختصّين غير منحاز، هو ما يعمل وبشكل فاعل على إخفاء قوتهم/سلطتهم السياسية الاقتصادية وإعطائها الشرعية.

يمكننا أن نفهم هذه التعمية من خلال طرح الواقع السياسي المهيمن على أنّه “الواقع”. قد يعني هذا أن نعتبر أن تآكل مناطقنا الزراعية وتحولّها إلى شبه مدنٍ هو “ما يحصل منطقياً في العالم”، وبالتالي أن نسمح للعمران بأن يقرّر ما سيكون عليه شكل مناطقنا، لاعتقادنا بأنه يحصل من تلقاء نفسه كإنتاجٍ ثقافي.

من المستحيل علينا إذاً أن نرى العمران، كإنتاجٍ ثقافيّ، غير متآمرٍ مع النظام المهيمن. على عكس المقاربة ما بعد النقدية التي تسعى إلى عدم تبنّي العمران لموقفٍ سياسي، تأتي الدراسات الثقافية لتقول باستبدال الشكل التقليدي للممارسات الثقافية – العمران مثالاً – بشكلٍ يحمل قراءةً نقديةً لمنظومة الاستغلال والتوزيع غير العادل للثروة. فيبدأ عندها النقاش عن علاقات القوة المكانيّة وإعادة إنتاجها، ودور المهندسين/ات والمخططات/ين في تكريس الاستغلال كحقيقة مكانية، بدلاً من اللجوء إلى الحيادية العلمية الأكاديمية المزيّفة.

أغلب ما تبنيه الشركات الهندسية اليوم هو أبراج ومراكز تجارية ومجمّعات مكاتب ومراكز مؤتمرات؛ أي بيئات يمكن “السيطرة” عليها بشكل كامل

تقول ماريا كايكا وكورينا تيالان (Maria Kaika and Korinna Thielen) في نصّهما “الشكل يتبع السلطة (Form follows Power)”: “لطالما هيمنت النصب الموقوفة لسلطات الدولة والسلطات الدينية على خط الأفق المدينيّ منذ نشأة المدن”. فالعمارة قادرة على لعب دورٍ في التدليل على أيديولوجيا النخبة، كما احتلال دور الرموز في عملية الهيمنة. تحمل الأبنية والأماكن إذاً، لا قيمةً وظيفيّةً فقط، بل رمزاً لموازين القوى السياسيّة التي نشأت في ظلّها. ترمز مجمّعات المكاتب مثلاً إلى الثروة والسلطة في المقام الأول، وذلك من خلال وظيفتها كموقع للمصالح الاقتصادية، بالإضافة إلى مركزها في مناطق ذات أسعارٍ عقاريةٍ مرتفعة. يمكننا هنا أن نفسّر الشكل العامودي للأبنية، والواجهات الفخمة والمداخل المربكة والكاميرات والأمن الذي يمنع دخول الأشخاص غير المرغوبين، على أنّها طبقات متعدّدة من الرمزية التي تجعل هذه الأبنية ممثّلة لمستويات مختلفة من الهيمنة والسلطة. في الإطار ذاته يصف هنري لوفيبر (Henri Lefebvre) الأبراج، في كتابه “بقاء الرأسمالية (The Survival of Capitalism, 1976)”، على أنها “أماكن القوة/السلطة الرسمية، الأماكن التي تتركّز فيها القوة/السلطة، حيث تعكس القوة/السلطة نفسها، فتنظر إلى أسفل من عليائها، وتكون شفافة. يتّحد القضيبيّ هنا مع السياسيّ، حيث ترمز العاموديّة إلى القوة/السلطة”. هكذا، وبدلاً من عمرانٍ يخدم الأفراد والجماعات، يأخذ الشكل الحضري شكل ووظيفة خدمة رأس المال، لتمثّل الأبنية الأكثر شهرةً وفخامة وأهمية معالم الشكل النيوليبرالي للمدن التي تصير أضرحةً مكرّسةً لعمليات نقل رأس المال والربح.

من ناحيةٍ أخرى، يعتمد الإنتاج العمرانيّ الرأسماليّ على الإنتاج البصريّ الجماليّ (aesthetic) أيضاً، بحيث يهدف للهيمنة على الثقافة عبر خلق الأيقونات. بذلك، لا يخلو هذا الإنتاج من فكرة الاستهلاك، حيث يصبح إنتاج الأمكنة إنتاجاً للأيقونات، ساعياً إلى جعل العمران سلعةً في سوق استهلاك بصري للصورة في الإعلام والسينما وشتّى أنواع الفنون.

ضمن الأدوار التي يلعبها العمران، لا بدّ لنا أن نرى أنه، كأداة، أحد أنجح الإنتاجات الثقافية لتحويل الأيديولوجيا إلى غرضٍ ماديّ للسيطرة. تعمل المهندسات/ون إذ ذاك، لا لتمويه علاقات الإنتاج داخل النظام الرأسمالي، بل لإعطائها قيمة مكانية. يجري التخطيط للوظيفة المكانية لما سيتمّ بناؤه عبر العمليات الاقتصادية والقوانين التي أنتجها رأس المال بشكل أو بآخر. فأغلب ما تبنيه الشركات الهندسية اليوم هو أبراج ومراكز تجارية ومجمّعات مكاتب ومراكز مؤتمرات؛ أي بيئات يمكن “السيطرة” عليها بشكل كامل. لذا يستطيع المطوّرون زيادة الأسعار، أي الربح، بالقدر الذي يريدونه، وبشكل لا يتناسب مع مساحة المكان أو الموقع أو قيمة مواد البناء عبر تأمين مكان يتركّز فيه زبائن من طبقة موحّدة. وهكذا خُلق سوقٌ يؤمّن للطبقة الحاكمة ترف الحماية والسيطرة والانفصال المكاني عن الطبقة العاملة. وبينما تبدو لنا المساحة مكاناّ حراً للحركة، يساعد العمران في تحويلها إلى مربّعات أمنية طبقية عنصرية جندرية، تمنع وتُجيز، وتقفل وتفتح أمام من يستطيع أن يشارك في العملية التجارية.

الربح أُمّ الاختراع

من الصعب أن نكتب مادّة عن علاقة العمران برأس المال والسلطة، من دون أن نعود إلى مانفريدو تافوري (Manfredo Tafuri)، المعماري الماركسي الذي يذكّرنا في كتابه “العمارة واليوتوبيا” (Architecture and Utopia, 1976) بأن “العمارة، بالمنظور التقليدي على الأقل، بنيانٌ ثابتٌ، يعطي شكلاً لمبادئ راسخة ويكرّسُ المورفولوجيا الحضرية”.

في النظام الرأسمالي، لا تحصل الأشياء لأننا نحتاج لأن تحصل، بل لأن شخصاً ما في مكانٍ ما، وجد فيها ربحاً له، أو لأنها تكرّس حكم الطبقة المهيمنة، أو لأنها تؤمّن السيطرة على الجماعات والأفراد، أو لأنّها بشكل أو بآخر استطاعت أن تجعل من الشكل الحالي للأشياء، شكلاً طبيعياً.

المزيد من هذا المؤلف

 
×