نشعر اليوم بثقل الأزمات الصحية والاقتصادية والنفسية المرافقة لانتشار فيروس كوفيد-19. لكن ثمة أزمة وجودية من المهم التوقف عندها كذلك، محورها السؤال حول طريقة عيشنا وموقعنا كبشر في الحياة. وبينما نبحث في البيولوجيا وعلم الأوبئة بغرض فهم مصادر الفيروس وأسباب نشوئه، نتجاهل أثر التخطيط والتمدّد المدينييّن على طريقة حياتنا في السنوات الخمسين الأخيرة. ونتناسى بذلك أن تغيير النظام البيئي له نتيجة على حياة الأفراد وصحتهم، لا على حياة الحيوانات والحشرات والنباتات فحسب.

سأعالج في هذا النص نقطتين أراهما أساسيتين في ظل الجائحة الحالية، أولاهما تتعلق بدور التمدّن في تسهيل خلق الفيروس عند الحيوانات والتسبّب بانتقاله إلى البشر، وثانيتهما تتصل بنتيجة العزل المنزلي الذي فرضه الفيروس على الطبقة العاملة والفئات الأكثر تهميشاً. يمكن فهم النقطة الأولى بالإحالة إلى الدور الذي تلعبه الهجرة إلى المدن، والتصحّر، والشركات الكبرى، والشكل الرأسمالي للزراعة، وغيرها مما يرافق التمدّن ويجعل البشرية على تماس مستمر مع فيروسات جديدة. وتنطلق النقطة الثانية من فكرة المسكن الآمن والصحي والمريح كترف لا تتمتّع به إلا البورجوازية، بينما يُحجر على ملايين البشر في فضاءات غير آمنة. وأعني بالتمدّن تحوّل المناطق المأهولة من أسلوب عيش قروي زراعي إلى أسلوب عيش مديني، من حيث الشكل والاكتظاظ والبنى التحتية وعدد السكان وأشكال استخدام الأراضي. وفي هذا السياق، يتّفق علماء الأوبئة على الدور الكبير الذي يلعبه التمدّن، لا في انتشار الفيروسات وجعلها أوبئة فحسب، بل في خلقها أيضاّ.

“في عام 2008، تجاوزت نسبة سكان العالم الذين يعيشون في المناطق الحضرية الخمسين في المئة من سكّان العالم”*، وهذا يعني أننا لم نعش بهذه الطريقة في أي مرحلة سابقة من تاريخ البشرية، أي أنّنا لم نعتمد يوماً إلى هذا الحد على بيئات خاضعة للسيطرة أو على إساءة استخدام الطبيعة أو على رأس المال. لذا، فالتأثير الذي يصيب البيئة وعلاقتنا بها، وإن توقّعناه نظرياً، إلا أنه تجربة لم نمرّ بها من قبل. لقد “انتقل نحو 200 مليون شخص إلى المناطق الحضرية في شرق آسيا خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين” بحسب البنك الدولي، والهجرة بهذا المقدار تعني أن “المناطق الشجرية والغابات تُدمّر بهدف خلق مناطق سكنية”.

يمكن، في هذا السياق، تحديد ثلاثة عوامل رئيسية تسبب الأمراض التي تنتقل من الحيوان للإنسان zoonotic pathogens: التمدّن ونموّ الدخل والعولمة.

ثمة أبحاث كثيرة تفيد بأننا قادرون على إنتاج الغذاء بشكل كاف ومخالف للطريقة الحالية، عبر الزراعة البيئية agro-ecology

التمدّن يعني الاقتراب من أماكن عيش الحيوانات البرية. ففيما تُجبَر الحيوانات البرية على الانتقال إلى مناطق أقرب إلى المدن، تصبح على تماس مع الحيوانات المدجّنة و مع البشر. وغالباً ما تحمل الحيوانات البرية الفيروسات… والفيروسات، التي تقفز من نوع إلى نوع، يمكنها أن تصيب البشر“. كما يتسبّب التمدّن بتآكل البيئة التي تعيش فيها الحيوانات هذه، ويُضعف من مناعتها ويُعرّضها للأمراض والفيروسات. والحيوانات البرية التي تعتبر “مخزناً للعوامل المسببة للأمراض”، تعاني الآن بسبب التلوث. فأحد أنواع القردة مثلاً the Native New World Monkey، أصبح عرضة لنوع برّي من الحمى لصفراء. وكان لهذا النوع مناعة مكتسبة ضد هذا المرض لمئات السنين، لكنه اليوم يفقد مناعته ويموت بمئات الآلاف. كذلك يعني التمدن خلق مساحات أضيق تعيش فيها أعداد أكبر من الناس، وخلق تواصل أكبر بين الناس (عن طريق السفر)، وهو ما يسهّل انتشار الفيروسات.

أمّا نموّ الدخل، فهو ينعكس استهلاكاً أكبر للبروتين الحيواني، ما يعني تحويل أراض بريّة أوسع لمزارع مُنتجة للحوم (وهو ما يجعل التماس بين البشر والحيوانات المدجّنة والحيوانات البريّة أكثر احتمالاً). كما ينتج عنه تغيير في نمط الإنتاج الزراعي لجهة عمل شركات الإنتاج الزراعية الكبرى التي تستحوذ على أراضٍ واسعة يتركّز فيها استخدام المبيدات والأدوية، وتزرع وفق نمط الزراعة الواحدة monoculture، وتضع أعداداً كبيرة من الحيوانات في مكان محدّد تحت الضغط، وهو ما يتسبّب بخلق بيئات مشجعة للأمراض.

أخيراً، تشجع العولمة أنماط السفر السريع بهدف التجارة، وهو ما يؤمّن للفيروس انتشاراً في أكبر مساحة ممكنة في مدى زمني قصير. كما يسمح التنقّل السريع بين المناطق لجماعة غير معرّضة لفيروس ما من قبل، عبر التقاطه ونقله، بينما تكون الجماعة المحلية قد طوّرت مناعة ضدّ الفيروس.

في أغلب الأمكنة التي ظهرت أو التي يمكن أن تظهر فيها هذه الفيروسات، تتقاطع هذه العوامل الثلاث.

الفيروس والعزل المنزلي

نعيش اليوم عزلاً منزلياً ينجم عنه منع من الخروج إلى الساحات العامة وأماكن العمل. نكتشف اليوم أكثر من أي وقت مضى أن هذه الفضاءات كانت مهرباً من الواقع الاجتماعي أو المساحات المبنية الضيقة (والسيئة البناء) بالنسبة لكثير من الناس. لا يتأثر الأفراد كافة بالنتائج الناجمة عن هذا الحجر بالقدر نفسه. لنا أن نقارن ببساطة بين مليونير يعيش في “مساحة خاصة” مؤلفة من قصر تحيطه ملاعب وحدائق، وبين مجموعة أشخاص في “مساحة خاصة” لا تزيد عن بضعة أمتار مربعة جدرانها مغطاة بالعفن، وحمّامها غير مجهّز، ولا تفصلهم عن سكة القطار سوى أمتار قليلة تجعل البيت يهتزّ مراراً خلال النهار، لنبيّن ما نعنيه. هذا بخلاف ضيق “المساحة الخاصة” بالنساء المهمّشات وبنات الطبقة العاملة، اللواتي يسكنّ في بيوت صغيرة مكتظة، وما يولّده ذلك من ضغط نفسي كبير لديهم. وهذه الظروف تصبح أسوأ بأضعاف بالنسبة للنساء المعنّفات اللواتي يضطرّرن إلى التواجد مع معنّفيهن على مدار الساعة. بهذا المعنى، فإن الحجر يذكّرنا اليوم بأن المساحات العامة كانت (في الأيام العادية) ملاذاً للمهمشات والمهمشين.

المطلوب إذاً، من أجل احتواء التعامل مع النتائج الكارثية للجائحة التي صنعتها أيدينا تغييرٌ على مستوى التمدّن. فالشكل الحالي للتمدّن غير مستدام، وهو أصلاً غير متناسب مع الطلب. إذ إن المطلوب هو تأمين مساكن للطبقتين الوسطى والعاملة، بينما المعروض (تحتلّ المباني السكنيّة، تقديرياً، 70 في المئة من مساحة المدن) هو مساكن مترفة في كثير من الأحيان. أي أنّنا لا نبني كي نسكن، بل كي نحوّل المكان إلى سلعة في سوق المضاربات العقارية. والسوق العقارية في لبنان هي أفضل مثال، حيث يلغ معدّل سعر الشقة في بيروت  حوالي 680 ألف دولار بحسب دراسة أجريت عام 2017، فيما كان الحد الأدنى للأجور كان يبلغ قبل انهيار الليرة 350 دولاراً في الشهر.

بالإضافة إلى ما سبق، فإن الشكل الحالي للشركات الزراعية مدمّر للإنسان وللبيئة على السواء. وثمة أبحاث كثيرة تفيد بأننا قادرون على إنتاج الغذاء بشكل كاف ومخالف للطريقة الحالية، عبر الزراعة البيئية agro-ecology. ويمكن في هذا الصدد الاطلاع على أعمال فاندانا شيفا، وحبيب عايب، وسعد داغر، وروب والاس، وغيرهم.

على مدار العقود الماضية، لم نكن نبني مناطقنا ونُمدّنها كي نُسكن الناس في البيوت، كما أنّنا لم نكن نزيل الغابات لـ”نطعم” الناس، بل إن ذلك كان يجري بهدف تحقيق الأرباح. إن التدمير الممنهج الحاصل حتى اليوم يؤثّر في أفراد المجتمعات كافة، بدرجات متفاوتة، ومن أجل درّ أرباح لا تستفيد منها سوى قلة قليلة.  

 

* Patel, Ronak B., and Thomas F. Burke. “Urbanization—an emerging humanitarian disaster.” New England Journal of Medicine 361.8 (2009): 741-743

 
×