على الرغم من أن فيروس “كورونا” استهدف الجميع، دولًا متقدمة ونامية وطبقات غنية وفقيرة، إلا أن تأثيره على البلاد النامية كان كبيرًا، ليس لجهة أعداد المصابين (وهي منخفضة نسبيًا)، إنما نتيجة تكريسه لشكل من أشكال المساواة في مجتمعات تعاني من فروقات طبقية وثقافية فادحة.

نظريًا، أصبح الجميع سواسية أمام الفيروس، إذ لم يُسمح للأثرياء بالسفر إلى الدول المتقدمة للعلاج، وباتوا مضطرين للحصول في بلادهم على الخدمة الطبية ذاتها التي تُقدّم للفقراء في مستشفيات العزل. ومع ذلك، فتحت “كورونا” في مصر جراح انقسام مجتمعي عميقة، في بلد كثيرًا ما وُصف بأنه الأكثر تجانسًا في العالم العربي، كما أنتج حالة تنمّر وتحريض متبادل تكاد تكون غير مسبوقة.

مقولة الشعب غير الواعي

كشف “كورونا” عن وجود تيار رسمي ينطلق من فرضية أن “الشعب جاهل” وأن الحكومة تقوم بالجهود الممكنة كافة في مواجهة الفيروس، إلا أن هذه الجهود تضيع هباء بسبب غياب وعي العامّة. واللافت أن وزيرة الصحة المصرية التي عُرفت بمحدودية خبرتها العلمية والإدارية كانت من أكثر الذين أطلقوا تصريحات صادمة في هذا الاتجاه.

والحقيقة أن “مقولة” الشعب غير الواعي تستوجب الإجابة على سؤال بديهي: كيف أصبح الشعب “غير واعٍ” (إذا سلّمنا بصحة المقولة)؟ هل لأسباب تتعلق بموروثات جينية أم نتيجة سياق سياسي واجتماعي وثقافي يتحمل النظام السياسي مسؤوليته الرئيسية؟ وعلى الرغم من أن الإجابة الثانية هي المنطقية، فإن كثيرًا من رجالات الحكومة والإعلام تجاهلوها تمامًا حتى يخفوا مسؤوليتهم عن أي فشل.

“تجاوزاتُ” الشعوب لجهة عدم الالتزام بالحجر المنزلي لا تخصّ الشعب المصري والشعوب العربية فحسب، ففي أميركا أمضى شباب أوقاتهم في ولاية فلوريدا على الشواطئ دون أن يعبأوا بتصريحات المسؤولين، وفي فرنسا تنزهوا في الحدائق حتى اضطر الرئيس الفرنسي إلى تحذيرهم مرات عدّة بقوة وصرامة.

صحيحٌ أن وعي الشعوب في البلاد المتقدمة أعلى منه في بلادنا لأن المنظومة السياسية التي يتحرك في إطارها الشعب تُخرج أفضل ما فيه، لكن، مع ذلك، هناك نسبة مُعتبرة من المخالفين هناك أيضًا، ولم يجرؤ مسؤول واحد في هذه الدول على اتهام شعبه بعدم الوعي أو سوء السلوك. واللافت أن التراخي في تطبيق الحجر المنزلي وفي إعمال القانون في المرور والبناء وتنظيم المجال العام، نجده يُطبق بصرامة وحدّة في المجال السياسي أو مع المعارضين والمنتقدين، حيث يُحاسب البعض على جملة أو كلمة، في تفاوت واضح بين تساهل من ناحية وقسوة من ناحية أخرى.

اعتاد كثير من المصريين على متابعة مناوشاتٍ كل عام بين أنصار مسلسلات وفوازير رمضان وبين أنصار صلاة التراويح والجرعة الدينية، والحصيلة كانت تتمثل بتعايش غالبيتهم مع الأمرين؛ متابعة المسلسلات وإقامة صلاة التراويح. لكن المناوشات تحوّلت هذا العام إلى معارك طاحنة استُخدمت فيها أسلحة “محرمة” وصور مفبركة وخطاب تحريض وكراهية غير مسبوق، وروّج البعض لصور قديمة على أنها حالية لحفلات رقص وغناء للقول إن المراقص مفتوحة والمساجد مغلقة، كما انتشرت صور أخرى حقيقية لتكدس الفنانين أثناء تصوير مسلسلات رمضان، على اعتبار أنهم “يضحّون من أجل تسلية الشعب” كما ذكرت ممثلة مغمورة.

على المقلب الثاني، ردّ الطرف الآخر بنشر صور مصلين على أسطح المنازل أو أمام أبواب المساجد المغلقة، في إشارة إلى أنهم سبب البلاء وانتشار الوباء، وبدا الطرفان كما لو أنهما شعبان متحاربان. والحقيقة أن التحريض المتبادل لا يمكن أن يُقارن بسجالات معتادة في العالم العربي حول الدين والفن في رمضان أو سواه، فقد عكس هذه المرة احتقانًا مجتمعيًا حادًا، وارتبط كذلك بتدهور مستوى المسلسلات وبتحديد العديد من موضوعاتها وبفرض بعض النجوم كأبطال لها، وهو ما وسّع من ساحة المعركة لتتجاوز المتديّنين وخصومهم، وتشمل متمرّدين على ما بدا أنه مفروض من الدولة، سواء تمثل بمنع الصلاة في المساجد أو اختيار بعض من نجوم رمضان.

الجزر الطبقية

اعتاد العالم أن يتابع أشكالًا مختلفة من التعبير عن الصراع الطبقي، سواء عبر معارك النقابات العمالية ضد أرباب العمل أو في صور احتجاجات شعبية ضد الطبقات الرأسمالية الحاكمة، تُردّد فيها مضامين سياسية. لكن صراع الطبقات المصري في عصر “كورونا” اتسم بالتحريض السطحي المتبادل لإثبات مسؤولية طبقة بعينها عن انتشار الفيروس، فوجدنا من يحرّض ضد “الجهلة” – وهم في الحقيقة الكادحون الذين يرتادون أعمالهم – لتنهال صور الازدحام في الشوارع والميادين الشعبية كالعتبة أو شبرا، وليُقال إن هؤلاء هم المسؤولون عن تزايد أعداد الإصابات نتيجة جهلهم. كما أن خطاب “المُترفين” لم يميّز بين الراغبين في الثراء دون جهد أو عمل أو مؤهل كما اعتاد خطاب اليمين المحافظ في العالم أن يروّج، بل ذهب إلى حدّ الاعتراض على المساعدات الاجتماعية التي تذهب إلى الفقراء، باعتبار أنها “تحول دون بذلهم مزيدًا من الجهد” من أجل التأهل لسوق العمل.

في المقابل، راجت صور كثيرة للقلّة المُترفة ممن يعيشون في التجمعات السكنية المغلقة – “الكمباوند” – أو يرتادون شواطئ العين السخنة أو الساحل الشمالي لقضاء عطلات نهاية الأسبوع، وقيل إن هؤلاء يتمتعون بحصانة خاصة تجعلهم فوق القانون وتسمح لهم بمخالفة الحظر عبر جلسات سمر محجوبة الرؤية.

معركة مصر الطبقية في زمن “كورونا” كانت شديدة السّطحية وكشفت أن قسمًا كبيرًا من المجتمع رسب في الامتحان. يصح القول إن هذا نتيجة أسباب مكتسبة يتحملها السياق السياسي والاجتماعي والثقافي الممتد منذ ما يقرب من نصف قرن وما جرى من تعثر عقب “ثورة يناير”، بحيث عاد قطاع من المجتمع إلى انتماءات فطرية وغريزية أوّلية شديدة الانغلاق.

لن يصمد هذا النموذج بأعطابِه البنيوية على الأرجح بعد انقشاع الجائحة، إذ لا يمكن أن يكون هناك أغنياء من دون مسؤولية اجتماعية، ولا فن حقيقي يُفرض بعض نجومه على الجمهور من خارج قواعد السوق لجهة العرض والطلب، ولا يمكن أن يكون الدور الرئيسي للإعلام قائم على تجهيل هذا الجمهور وتغييب مناقشة قضاياه الحقيقية، ولن تقوم هوية حضارية وثقافية إسلامية معادية للعلم وكارهه للحياة.

“كورونا” كشفت مثالب وعورات كثيرة، وما بعد “كورونا” سيُعيد تشكيل كثير منها، ولو طال الأمر قليلًا.

 
×