أحترم كثيراً وسم “كلنا إسراء غريب” الذي تشكل إثر مقتل إسراء وطار بسرعة البرق على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى بدا في لحظة أنه أحد أشكال الضغط… على من؟ قرأت في مكان ما أنه شكّل ضغطاً على السلطة الفلسطينية لفتح تحقيق. ويبدو أن التحقيق بدأ بالفعل، وهو أمر جيد. لكن السؤال الحقيقي الذي يُلح على ذهني هو: هل كلنا حقاً إسراء غريب؟ أتجاوز هنا مسألة الضغط والتضامن والتحالفات لأواجه السؤال بمعناه الحرفي المباشر. لا يحتاج الأمر الكثير من الوقت لنجيب “لا”، لسنا جميعا إسراء. أما عن مسألة أن كل النساء معرضات لأن يكن إسراء أخرى فهذه فرضية تحتاج إلى التفكير قبل الاندفاع إلى التمسك بها في الكثير من الصراخ والإدانة. ما حدث لإسراء فعلياً هو جريمة جنائية، بغض النظر عن تفاصيل من ومتى وماذا وأين. وبالفعل ما كانت السلطة لتتحرك من دون الوقفات الاحتجاجية التي نظمتها المنظمات الحقوقية في فلسطين ومن دون الضغط على وسائل التواصل الاجتماعي مع العدد المهول من المقالات الذي كُتب حول هذه الجريمة. لم تتحرك السلطة إلا حفاظاً على وجهها في أروقة المجتمع الدولي. هذا كل ما في الأمر. فالعالم العربي مليء بإسراء ارتكازاً على رهان واضح: سيظل الأمر طي الكتمان.

يبدو هناك تعارض بين تحفظي على تعميم حالة إسراء على كل النساء وبين اقراري أن العالم العربي مليء بإسراءات متعددة. كي تكون الجريمة متكاملة الأركان وتبقى في طي الكتمان لا بد من تواطؤ أطراف متعددة تتعاهد على الصمت وتمرير الأمر على أساس العشائرية أو القبلية أو العرف، وهي كلها نظم راسخة تمتلك قوة أعلى من قوة القانون والدولة وللمرأة فيها وضعٌ محدد وأدوار واضحة لا يجوز أن تحيد عنها. لا بد هنا أن نضيف عنصر الاحتلال الذي يجعل الواقعين تحت نيره لا همّ لهم سوى الحفاظ على الهوية، وفي هذه الحالة تتحمل المرأة هذا العبء، فهي من وجهة نظره حاملة للهوية الثقافية وهي المنوطة بالحفاظ عليها، وبذلك يكون شرف العشيرة والقبيلة والعائلة متمركزاً في شرف المرأة (الذي يُقاس بمدى التزامها بالحدود المكانية والاجتماعية التي تقررها القبيلة. وهي حدود لا بد أن تختلف عن حدود المحتل المختلف العدو. والقبيلة لا تُمسّ، فعندما ألقت الشاعرة السعودية هند المطيري عام 2015 قصيدة “ويح القبيلة” في معرض جدة الدولي للكتاب عوقبت بحرمانها من إلقاء الشعر لمدة عشرين عاماً. بمعنى آخر، تمّ كتم صوتها. ووافقت جميع الأطراف على ما حدث للمطيري لأن القبيلة والعشيرة في حالة إسراء هي ببساطة أحد ركائز السلطة المؤسسية الرأسمالية- حتى لو كانت تعاني من الاحتلال- أيّاً كان شكلها (مملكة أو جمهورية أو سلطة)، والسلطة بالتعريف تقوم على الأبوية التي ترى في الرعايا أبناءها المخلصين الذين لا بد من تقويم سلوكهم (بالضرب والاعتقال والتعذيب والسجن) وترى في النساء أداة تُسهّل تنظيم المجتمعات وتعمل على حفظ المجتمع من الانقراض ليس غير. وعليها بذلك أن تلتزم شروط المجتمع انطلاقاً من كونها أداة وسلعة فاضلة مختلفة عن نساء المحتل اللواتي هن أيضا أدوات وسلع لكنها غير فاضلة.

كانت النساء المحرض الأول على إسراء لأنها خرجت عن مسار القبيلة، ويبدو أن إسراء نفسها كانت على وعي شديد بالمنظومة كلها وما تستدعيه من تواطؤ

في هذا التحالف بين الرأسمالية والأبوية تمتلك المؤسسة مهارات التفاوض غير المعلن لتصل إلى مقايضة النساء بالحكم: نترك لكم النساء وتتركوا لنا إدارة البلاد. والتالي أنه لا بد أن تقوم السلطة بغض البصر عن جرائم تهدف إلى تأديب النساء، فالأمر في النهاية لا يضيرها ولا ينتقص من سلطتها لأنها على قناعة كاملة بأن النساء لا بد من تأديبهن كما يشي إعلامها وخطابها الديني وقوانينها، وبدلاً من أن تلوث السلطة يديها بهذا الأمر تتركه للعائلة فهي أحق منها بتأديب نسائها، ومن المعروف أن أي عنف منزلي هو شأن عائلي وخاص. المعادلة محسوبة والأطراف متفقة والسلطة لم تتحرك إلا اضطرارا.

لأنَّ الرأسمالية المتأخرة توحشت بشكل غير مسبوق، كان على النساء أن يمارسن الاختيار الصعب: إما أن يكن مهمشات تماماً أو يدخلن في مفاصل السلطة، والاختيار الثاني لا يعني قبولهن الخطاب الأبوي فحسب، بل يعني أيضاً ضرورة أن يقمن بترسيخ معتقداته وتسهيل ممارساته، وهو الأمر الذي فهمته الدولة الإسلامية (داعش) مبكرا فأنشأت “كتيبة الخنساء” التي كانت تشرف على أسر النساء وتحويلهن إلى أدوات متعة للمجاهدين. كانت النساء المحرض الأول على إسراء لأنها خرجت عن مسار القبيلة. ويبدو أن إسراء نفسها كانت على وعي شديد بالمنظومة كلها وما تستدعيه من تواطؤ، فقد خرجت بعد “علقة الموت” الأولى وقالت على حساب “انستغرام” الخاص بها إنها بخير وستتغلب على كل الظروف. هكذا كانت تأمل. رهان خاسر.

بقدر عدم أهمية رد فعل عائلة إسراء تجاه ما وقع لها، إلا أن المبررات اللامعقولة التي ساقها زوج أختها تستحق التأمل؛ فهي تارة كانت تضرب الممرضات (على الرغم من كسر العمود الفقري) وعلى حد قوله هي “حالة مخيفة”، وتارة كان الشيخ (أحد أطراف السلطة) يحاول إخراج الجنّ من جسدها، وتارة ثالثة كانت ترتكب محرمات آثمة في المستشفى…. ولا أذكر ماذا أيضا لأن الرجل ينسج كل يوم قصة ويخرج بها إلى العلن. ما يلفت النظر هنا هو نزع إرادة إسراء ووضع أفعالها خارج حدود سيطرة العقل والمفهوم والمنطقي. لم يجرؤ أحدهم أن يقول: خرجت مع شاب ولذلك قتلناها. لم تخسر إسراء حياتها فحسب، بل خسرت أيضاً فرديتها وغرادتها الحرة التي دفعتها إلى الخروج عن أعراف العشيرة.

من أجل أن نكون كلنا إسراء غريب نحتاج إلى توافر كل شروط الجريمة التي تتوافق عليها أطراف عديدة: التحريض الداخلي والقبول الخارجي والتسليم بواقع أبوي راسخ يتخفّى خلف بعض معطيات الدولة “الحديثة” التي تمنحه الأمان بدورها.

المزيد من هذا المؤلف

Related Articles
 
×