إذا كان عصف انفجار مرفأ بيروت سُمع في جميع أرجاء لبنان وتردّد صداه حتى وصل جزيرة قبرص، فإن آثاره اللاحقة لن تقف أيضاً عند حدود لبنان، بل ستكون تفصيلاً آخر في مفاقمة المنافسة القائمة منذ سنواتٍ بين مرافئ الإقليم. يعدّ ساحل شرق المتوسط واحداً من أنشط مراكز الشحن البحري، وتتقاسم بضعة مرافئ مقامة عليه عمليات الشحن تلك مع ما يرافقها من خدمات، فيما يسعى كلٌّ منها إلى انتزاع حصةٍ سوقيةٍ أكبر. تتموضع هذه المرافئ في بيروت، لبنان؛ واللاذقية، سوريا؛ ومرسين، تركيا؛ وحيفا في فلسطين المحتلّة حيث تجهد “إسرائيل” لإزالة كلّ عقبات السياسة والحدود المقفلة في وجهها من أجل تحويل مرفأيّ حيفا وأشدود، ثاني أكبر مرافئها، إلى مراكز شحنٍ إقليمية. وعند الحديث عن بدائل مرفأ بيروت، إن كان هذا بسبب الانفجار الحالي أو لأي سببٍ آخر، جرى تداول أسماء هذه المرافئ من دون التدقيق كثيراً في النواحي التقنية والجغرافية والسياسية في أغلب الحالات.

كيف يعمل المرفأ

مع نموّ حركة التجارة المعولمة وتشابكها مع الكثير من الوقائع السياسية والاقتصادية، لم يعد المرفأ مجرد منفذٍ بحريٍ تتحرك عبره البضائع ويخدم المجتمعات المدينية القريبة منه فقط. بل أصبح جزءاً من سلسلةٍ لوجستيةٍ متكاملةٍ تربط مراكز تصنيعٍ وتجميعٍ مع بعضها، فيما تحوّل المرفأ نفسه، في العديد من البلدان، إلى مركز تحويلٍ وتجميعٍ وتوزيعٍ إقليمي ومحلي. تتناول المرافئ عادةً ما يدخلها من مواد، تصديراً أو استيراداً، في محطتيّ بضائع رئيسيتين. أوّلهما محطة البضائع التقليدية (conventional cargo terminal) التي تتخصص بالبضائع الفرط (“دُكما” bulk). يأتي في مقدمة هذه البضائع القمح والحبوب، ومواد البناء من حديدٍ وخشبٍ وإسمنتٍ والمواد السائلة، وإلى ما هنالك من بضائع تشحن في عنابر السفن ولا توضع في حاويات. وغالباً، تخدّم هذه المحطّة في الشرق الأوسط الأسواق المحلية. يوجد مقصد البضائع الآخر في المرفأ في محطة الحاويات (container terminal) التي تتعامل مع كلّ أنواع المواد التي تشحن داخل المستوعبات الفولاذية بما فيها المواد الغذائية أو الطبية التي تحتاج إلى حاوياتٍ خاصةٍ مبردة. وهنالك حصةٌ كبيرة من نشاط المحطات مخصصة لحاويات الترانزيت (transit) والمسافنة (transhipment).

تحوي جميع المرافئ الرئيسية على الساحل الشرقيّ للمتوسط المحطتين، وإن كانت تلك المحطات باستطاعاتٍ وإنتاجياتٍ مختلفة. وعلى الرغم من أهميّة المواد التي تتناولها محطة البضائع التقليدية، إلّا أنها تأتي في الدرجة الثانية تجارياً واستراتيجياً بعد محطة الحاويات مع ازدياد حصة تحويّة البضائع (containerisation) من إجمالي حجم الشحن البحري العالمي باطّرادٍ منذ ثمانينيات القرن الماضي. يساعد الشحن بالحاويات أيضاً على زيادة دخل المرفأ من خلال تسهيل عمليات الترانزيت بنقل حاويات البضائع براً عبر الحدود إلى الدول المجاورة، وعمليات المسافنة حيث تفرّغ الناقلات الضخمة الحاويات في مرفأ التجميع، ثمّ يعاد شحنها على ظهر سفينةٍ أصغر (feeder) إلى مرافئ إقليميةٍ أخرى.

بهذا باتت المرافئ تلعب أيضاً دوراً اقتصادياً تنموياً يجبرها على دوام تجديد البنى التحتية والفوقية، وتطوير الخدمات، وابتكار الحلول. تؤسّس عمليات التطوير هذه لتثبيت الزبائن الحاليين، وجذب الزبائن المحتملين، مما يعزّز من تنافسيّة المرفأ التي بدورها تعتمد قبل أيّ عاملٍ آخر على الاستقرار السياسي للدولة صاحبة المرفأ، ودرجة الأمن والسلامة في المرفأ ذاته، وشبكة المواصلات التي تربطه بظهيره البريّ (hinterland)، بالإضافة إلى علاقات الدولة الجيّدة مع جيرانها وانفتاح حدودها عليهم. ومن هذه الزوايا، يمكن بسهولة اليوم أن يخرج كل من مرفأي اللاذقية، بشكلٍ رئيسٍ، وبيروت، إلى حدٍ ما، من المنافسة وتتقلّص حصصهما السوقية.

من اللاذقية إلى بيروت

من منظار تحسين التنافسية والتواجد على خريطة الشحن الإقليمية، لجأت جميع مرافئ الإقليم إلى درجاتٍ متعددةٍ من أنماط الخصخصة. على سبيل المثال، بعد عددٍ من المشاريع الاستشارية بالتعاون مع “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)” و”الهيئة اليابانية للتعاون الدولي (JICA)”، قامت “الشركة العامة لمرفأ اللاذقيّة” باعتماد نموذج “المالك غير المشغل (landlord type management)” في محطة الحاويات، فيما أخذت تركّز جهدها على ترقية تشغيل محطة البضائع التقليدية. وبعد إطلاقها دعوةً عالمية لاستقدام العروض واختيار العرض الفني والمالي الأفضل، وقّعت الشركة عقد إدارة وتشغيل محطة الحاويات مع ائتلافٍ ضم الشركة الفرنسيّة “CMA-CGM”، رابع أكبر شركات الشحن البحري في العالم، وشركة “سوريا القابضة”. أسس الائتلاف شركة “محطة حاويات اللاذقية الدولية (LICT)” التي بدأت عملها عام 2009. وفي حين استطاعت الشركة الجديدة الارتقاء بالعملية التشغيليّة إلى حدٍ ما عن طريق أتمتة بعض العمليات، وإدخال بعض البرمجيات والتدريب على أساليب العمل الجديدة، إلّا أن هذا لم ينعكس تطوراً هائلاً في العمل؛ وذلك جزئياً بسبب استطاعة المحطة المحدودة بالمساحة البريّة الضيقة، وعمق الحوض الضحل، وطول المراسي المتواضع. ولكن يكمن السبب الأساسيّ في قصور البنية التشريعية والجمركية في سوريا عن مواكبة التطور الحاصل في القطاع. فكما هي العادة، تقام مشاريع التطوير والتحديث في سوريا بالقطعة، بشكلٍ منفصل تماماً عما يتعلّق بها من جوانب تنظيمية وقانونية، وبافتقادٍ لخطةٍ متكاملةٍ تتناول القطاع المعني بطريقةٍ شاملة، وبالتأكيد، في ظلّ غيابٍ تامٍ لسياسة موارد بشرية وسيرورة عمل دقيقةٍ ومرنةٍ في الآن ذاته.

القبضة الحكومية الخانقة في سوريا تنعكس فوضى حكومية في مرفأ بيروت. تجلّت هذه الفوضى بشكلٍ فاضحٍ بعد انفجار 4 آب/أغسطس حين بدأ تراشق التهم ورمي المسؤولية بين مختلف الأطراف التي يفترض أن تعمل كجهاتٍ رقابيةٍ وتنظيميةٍ في المرفأ. وعلى عكس الشركات المرفئية السورية، أُحدثت إدارة مرفأ بيروت كامتيازٍ أجنبي منحته السلطنة العثمانية لشركةٍ خاصةٍ تولّت إنشاء المرفأ وتشغيله مروراً بإيام الانتداب الفرنسي ووصولاً إلى الاستقلال. تجدّد الامتياز عام 1960 لصالح “إدارة واستثمار مرفأ بيروت (Gestion et d’Exploitation du Port de Beyrouth)” التي أصبحت شركة لبنانية، وانتهى في العام 1990 حين آلت ملكيّة المرفأ إلى الحكومة اللبنانية التي شكّلت لجنةً مؤقتةً لإدارة المرفأ استمرّت لغاية اليوم. وفي العام 2005 حصل “ائتلاف محطة حاويات بيروت (Beirut Container Terminal Consortium)” الذي شكّلته ثلاث شركات لبنانية وبريطانية وأميركية على امتياز إدارة وتشغيل محطة الحاويات. وبعد حوالي أسبوعٍ من الانفجار الكارثي الذي ضرب المرفأ، أعلنت محطة الحاويات استئناف العمل بقدرةٍ تصل إلى 75 بالمئة من استطاعة المحطة، وذلك لعدم تأثر أرصفة المحطة ورافعاتها التي تبعد حوالي كيلومتر ونصف من “العنبر رقم 12” بالانفجار بشكلٍ حرج.

من الناحية التقنيّة، تتقلّص أفضليّة موقع مرفأ اللاذقية التنافسية لدى مقارنتها مع القدرة التشغيلية لمرفأ بيروت. ينفتح مرفأ اللاذقية على الإقليم، ويمتدّ ظهيره البري الواسع عبر الأردن ليصل إلى دول مجلس التعاون الخليجي. تساهم هنا الرسوم المرفئية المنخفضة نسبياً وشبكة الطرق الجيدة في إغراء أصحاب البضائع القادمة من شمال وغرب المتوسط لاعتماد اللاذقية نقطة تفريغٍ أوليٍّ لتجنّب رسوم قناة السويس ورسوم التناول المرتفعة لدى بعض المرافئ الخليجية، بالإضافة إلى الزمن الذي تستهلكه السفينة في عبورها باب المندب ودورانها حول شبه الجزيرة العربية. لطالما كان مرفأ اللاذقية أيضاً من أهم نقاط الترانزيت البريّ إلى العراق الذي لا يملك منفذاً بحرياً استراتيجياً سوى مينائي الفاو وأم قصر المحصورين بالحساسيات الجغرافية والسياسية، وخاصةً مع إنشاء الكويت لميناء مبارك الكبير من جهة، وتعطّل إنشاء ميناء الفاو الكبير من جهةٍ أخرى. ولكن، تحدّ من استطاعة مرفأ اللاذقية ومحطة الحاويات فيه ضحالة حوض المرسى الذي لا يتجاوز 12.5 متر ووجود أربعة روافع قنطرية لتناول الحاويات (gantry cranes) فقط. بينما تسمح الأعماق في محطة حاويات بيروت بدخول سفنٍ أكبر بغاطسٍ يصل إلى 16.5 مترٍ، ويصل طول أحدث أرصفة المحطة إلى 1,100 مترٍ مع وجود 16 رافعة قنطرية. هذه القدرات التقنية سمحت لمحطة حاويات بيروت العام الماضي بتناول حجم بضائع وصل إلى أكثر من مليون ومئتي ألف حاوية نمطية (1,229,081 TEU وحدة قياسية تعادل حاوية 20 قدم twenty-foot equivalent unit)، فيما لم يتجاوز حجم البضائع في محطة اللاذقية 340 ألف حاوية نمطية.

تتقلّص أفضليّة موقع مرفأ اللاذقية التنافسية لدى مقارنتها مع القدرة التشغيلية لمرفأ بيروت

وعلى الرغم من مساهمة العقوبات المفروضة على سوريا والحرب الدائرة على أراضيها مع ما رافقه من انعدامٍ للأمن على طرقات النقل وفقدان الحكومة لسيطرتها على معظم المعابر الحدودية البرية في تقلّص الحركة المرفئية في اللاذقية، إلّا أنها ليست الأسباب الوحيدة. قدّرت دراسات UNDP استطاعة محطة الحاويات بمليون حاوية نمطية سنوياً، إلا أن ذلك مرهونٌ بتخفيض زمن مكوث الحاوية، ورفع كفاءة عمليتي التحميل والتفريغ من الناحية التشغيلية والجمركية، بالإضافة لاستقدام تجهيزاتٍ تصل قيمتها إلى حوالي 45 مليون دولار أميركي. وبالطبع يتطلّب زيادة الاستطاعة توسعاً في مساحة المحطة مما سيلتهم مزيداً من واجهة المدينة البحرية. في العام 2009، وضع خبراء JICA تصوراتٍ أوليةٍ لمشروع إنشاء مرفأ جديد كلياً في منطقةٍ بعيدةٍ عن المدينة تستوفي المساحات والأعماق المطلوبة لزيادة الإنتاجية. أُعدّت الخطط على أساس إمكانيّة تحقّقها إنشائياً وتشغيلياً في العام 2020، وعلى أساس توقعٍ مستقبلي لحجم بضائع سنوي يصل إلى حوالي مليوني حاوية نمطية وخمسة ملايين طن من البضائع الفرط. ولكن، فضّل بعض مسؤولي وزارة النقل المضيّ قدماً بخطط التوسّع المعتمدة للمرفأ الحالي مع ما تتسبب به من تعقيداتٍ وإشكالاتٍ للمدينة والبيئة ولتشغيل المرفأ ذاته.

جملة الأسباب السابقة جعلت من مرفأ بيروت، ما قبل انفجار مستودع نترات الأمونيوم، بديلاً لمرفأ اللاذقية، وصارت تدخل عبره كثيراً من شحنات المساعدات الأممية، بالإضافة إلى لجوء بعض التجار السوريين إليه من أجل استيراد بضائعهم أو تصديرها عبره. كما تعدّ مشاركة مرفأ بيروت في عملية إعادة الإعمار في سوريا، كنافذةٍ لاستيراد مواد البناء الأولية والمعدات، من أهمّ الأدوار المأمول أن يلعبها المرفأ في السنوات القادمة. ليس الانفجار وحده ما كشف هشاشة الوضع الأمني والعمليّ في مرفأ بيروت الذي يعد واحداً من أعمدة النظام الاقتصادي اللبناني المُستَنزَف بالفساد والمحاصصة والاستيراد المتفلّت. سرعان ما تضعضع ذلك النظام منذ اندلاع “انتفاضة 17 تشرين” وانهيار القطاع المصرفي التالي. وأتت “جائحة فيروس كورونا المستجد” مع ما رافقها من إغلاقٍ للحدود وتقليصٍ للعمل لتمهّد لضربة الانفجار القاضيّة التي دفعت السفن شمالاً وجنوباً بعيداً عن مرفأ بيروت.

مرسين شمالاً وحيفا جنوباً

على كتفيّ اللاذقية وبيروت، يقع مرفآن كبيران بإمكانهما مع ما يضعانه من خطط تطويرٍ وتوسّعٍ أن يخرجا باقي مرافئ الإقليم من المنافسة. أوّلهما مرفأ مرسين الذي يتناول، بحسب خبير اللوجستيات أونور أكارجا، نسبة 17 بالمئة من مجمل حركة البضائع في تركيّا، وذلك على عكس التركّز الذي يشهده مرفأ بيروت بنسبة 70 بالمئة من مجمل بضائع لبنان. سوى أن مرفأ مرسين يعدّ مرفأ الحاويات الأكبر في تركيا، وهو يشهد نمواً مطرداً في إنتاجيته منذ العام 2017 حين تسلق الترتيب ليصل إلى المرتبة الأولى عام 2018 متجاوزاً باقي مرافئ مرمرة والبوسفور، ومحققاً رقماً قياسياً تركياً في العام 2019 بتناوله 1.93 مليون حاوية نمطية بنسبة نموٍ سنويٍ وصلت إلى 12 بالمئة. بدأ تطور مرفأ مرسين منذ تخلّي “مؤسسة السكك الحديدية الحكومية (TCDD)” في العام 2007 عن إدارته لصالح “شركة مرفأ مرسين الدولي (Mersin International Port Inc)” التي تأسست عبر شراكة بين “بي إس إي إنترناشيونال (PSA International)” وآكفن القابضة (Akfen Holding)” بعقد خصخصةٍ للإدارة والتشغيل لمدة 36 عاماً. تتضاءل معطيات مرفئي اللاذقية وبيروت أمام أرقام مرفأ مرسين الذي يعرض لزبائنه أرصفةً بطول 3,370 مترٍ تعمل عليها 12 رافعة قنطرية سككية و38 رافعة قنطرية مدولبة وغاطسٍ يصل إلى عمق 15.8 مترٍ واستطاعة حاويات إجمالية تصل إلى 2.6 مليون حاوية نمطية سنوياً.

على المقلب الآخر، يقع مرفأ حيفا منفذ دمشق التقليدي إلى المتوسط والعالم ما قبل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. يعبر المرفأ أكثر من 50 بالمئة من مجمل حجم البضائع في فلسطين المحتلة، وتتناول محطات الحاويات الثلاث فيه ما إجماليه 1.46 مليون حاوية نمطية في العام. ومع انتهاءها من الأعمال الإنشائية والتطويرية لأحدث هذه المحطات المسماة “الكرمل” بأرصفتها ذات عمق 15.8 متر وثماني رافعاتٍ قنطرية جبارة (super post-Panamax gantry cranes) وطاقةٍ استيعابية لتخزين 25,000 حاوية في المحطة، بدأت “إسرائيل” منذ عام 2015 عمليات خصخصة وبيع حصص الشركات الحكومية المشغلة للمرافئ عبر دعوات دولية للاستثمار في هذه المرافق. وعلى الرغم من معارضة حامية أبدتها الولايات المتحدة، فازت الصين بالصفقة التي ستعود على “إسرائيل” بحوالي 500 مليون دولار أميركي بحسب توقعات بلومبرغ. كما أنه من المتوقع أن تضخّ “مجموعة مرافئ شنغهاي الدولية (Shanghai International Port Group)” التي فازت بعقد الإدارة والتشغيل بملايين الدولات على شكل استثماراتٍ في البنية التحتية والمعدات كي تطور أعمال مرفأ حيفا وخاصة في مجالات الترانزيت والمسافنة وتجعله واحداً من النقاط المركزيّة في “مبادرة النطاق والطريق (Belt and Road Initiative)”.

ليس الانفجار وحده ما كشف هشاشة الوضع الأمني والعمليّ في مرفأ بيروت الذي يعد واحداً من أعمدة النظام الاقتصادي اللبناني المُستَنزَف بالفساد والمحاصصة والاستيراد المتفلّت

المصالح الاقتصاديّة أولاً

إذاً، عندما تعلّق الأمر بالاستثمارات والتطوير وتجاوز الانكماش والأزمة الاقتصادية، أتى المال قبل السياسة واتفاقيات الصداقة والتعاون، ولم تقف الاعتراضات الأميركية في وجه تطوير “إسرائيل” لعلاقاتها التجارية مع الصين، على الرغم من احتواء مرفأ حيفا مرسى مخصصاً لسفن الأسطول السادس الأميركي. والصين بدورها استثمرت ما يقارب 20 مليار دولار أميركي في “إسرائيل” في السنوات العشرة الماضية وخاصة في قطاعات البنى التحتية والتكنولوجيا والنقل مما رفع درجة الإنذار الأميركية التي تظهر جلية في آخر دراسات “مؤسسة راند Rand Corporation” حول الموضوع. أما “الفيتو” الصيني لصالح سوريا في اجتماعات مجلس الأمن الذي انعكس بهجةً لا مثيل لها في الأوساط السياسية والإعلامية السورية الموالية فهو لم ينعكس في الواقع على شكل استثمارات في سوريا، إذ أن الصين لم تبد حتى اليوم اهتماماً بالمرافئ السورية على عكس روسيا وإيران. قد ينطبق هذا الأمر على مرفأ بيروت أيضاً حيث لا يوجد حتى الآن أي مؤشراتٍ قويةٍ على اهتمام صيني خاص به.

ينتهي عقد إدارة وتشغيل محطة حاويات مرفأ بيروت نهاية هذا العام وكانت لجنة إدارة مرفأ بيروت قد طرحت دعوةً عالميةً لتقديم عروض الاستثمار. وبالرغم من محفّزات الاستثمار الذي يقدمها مرفأ بيروت من النواحي التجارية والجغرافية، إلّا أن الانفجار الأخير ألقى بظلاله على المشهد، وخاصةً مع استمرار الأزمة الاقتصاديّة في لبنان وانكماش الاقتصاد العالمي. تبدو شركة CMA-CGM حالياً أحد أكثر المشغّلين حظاً للحصول على العقد الجديد في حال قرّرت توسيع انخراطها في محطة حاويات بيروت. عربياً، يبرز على الدوام اسم شركة “موانئ دبي العالمية DP World” التي تعمل بحسب مازن سلهب، خبير الأسواق العالمية، “في أكثر من أربعين بلداً بدءاً من ميناء جبل علي، وهو الأكبر على صعيد المنطقة ومن أكبر عشر موانئ عالمياً في إدارة الحاويات، وتدير ثماني وسبعين محطةً من محطات الدعم اللوجستي والخدمات البحرية وموانئ المياه العميقة والمناطق الاقتصادية المرتبطة بها”. يجزم سلهب أن باستطاعة “موانئ دبي العالمية” بما تملك من خبراتٍ وقدراتٍ أن “تدير وتستثمر في مرفأ بيروت، وحتى أن تسهم في إعادة هيكلته، ولكن السؤال ليس هو هل بالإمكان، بل هل ترغب موانئ دبي العالمية أصلاً بموقع كهذا، من وجهة نظرٍ عملية ومالية وعائدٍ على استثمارها، آخذين بعين الاعتبار مستويات المخاطر الجيوسياسية وعدم الاستقرار السياسي في بلد تديره محاصصة طائفية! علماً أنها حققت 1.34 مليار دولار أميركي على شكل أرباح في عام 2019 ونمواً في العائدات وصل إلى 5.64 مليار دولار أميركي، في حين بلغ إجمالي إيرادات مرفأ بيروت 200 مليون دولار أميركي عام 2019”.

خاتمة: الفشل العربي المشترك

وفي حين قد تدفع وقائع كهذه جميعها دولاً أخرى إلى التعاون ومحاولة إيجاد الحلول، ما يزال العمل العربي المشترك أو حتى التعاون الإقليمي غائباً عن خططنا. يبدو واضحاً تكامل مرفأي بيروت واللاذقية، وهما يستطيعان، بالشراكة مع مرفأ العقبة في الأردن، تشكيل وحدةٍ اقتصادية تتقاسم حصةً كبيرةً من حجم الشحن البحري شرق المتوسط. على الرغم من طاقته الاستيعابية المحدودة، يشكّل مرفأ العقبة، وخاصة بعد تطوير محطة حاوياته على يد شركة “ميرسك Maersk”، الناقل البحري الأكبر في العالم، بوابة طرق الشحن القادم من شرق آسيا وأفريقيا. وأشارت عدة دراسات قامت بها “اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (ESCWA)” إلى تكامل سوريا ولبنان والأردن في إقليم نقلٍ واحدٍ بحيث تتقاسم هذه البلدان تجارة الترانزيت للبضائع القادمة إما من الغرب والشمال أو من الشرق والجنوب، مما يقلّل زمن نقل البضائع على ظهر السفن ويقتطع رسوم عبور قناة السويس، بالإضافة لخلق فرص العمل.

انفتاح “إسرائيل” الأخير على دول الخليج العربي واتفاقيات التطبيع الجارية سيشكّل مستقبلاً واحداً من أكبر التهديدات لقطاع النقل في الإقليم وخاصةً في حال تطوير علاقات المسافنة بين مرفأي مرسين وحيفا. تعمل “إسرائيل” اليوم على ترميم خط السكك الحديدية الواصل إلى الأردن وتطويره مما يؤهلها لاستخدامه في نقل البضائع عبر الحدود، وهنا قد تلعب خبرة الصين الكبيرة في مجال النقل السككي دوراً حاسماً. يؤكد سلهب من مركزه في دبي، على هذه الناحية إذ يقول إن “حدوث اتفاقٍ جديد مع أي دولةٍ عربيةٍ سيجعل من الموانئ الإسرائيلية أكثر مرونة ويفتح لها أسواقاً جديدة… وعندها قد يتأثر مرفأ بيروت سلباً لأن اللعبة ستكون عندها معتمدة على المنافسة بالسعر والنوعية وحجم العمليات التي لن يكون مرفأ بيروت قادراً عليها إلّا بعد إعادة إعماره كلياً”. وهكذا في ظلّ كلّ ما يجري من انهيارٍ اقتصادي وأمني وغيابٍ للتعاون بين الدول العربية شرق المتوسط على امتداده الجغرافي، ستبقى مرافئ هذه الدول في خانة المتنافسين على الفتات في وجه مرافئ الإقليم الأكبر والأكثر استقراراً وأمناً، وستشحّ فرص التنمية والتغيير فيها أكثر فأكثر.

 
×