أن تفكر في شأن اللجوء السوري في لبنان يعني أن تحمل خطاب واحدٍ من معسكرين يمتلكان مفاتيح الاعلام التقليدي أو النيوميديا، ويسيطران على كل مساحات النقاش الخاصة بهذه المسألة: الخطاب العنصري وعكسه خطاب الضحية المطلقة. خطابان متناقضان متحاربان في الظاهر، وفي عدد من النقاط الجوهرية، ولكن مساحات الالتقاء بينهما قائمة أيضاً. هما خطابان في نهاية المطاف يقومان بتشييء اللاجئ وتسطيح النقاش، واستبعاد أي محاولة جدية لفهم الواقع ومحاولة مداواته، والأهم أنهما يؤديان الى إنكار الظروف والمعطيات السياسية المحلية والإقليمية والدولية المتحكمة بمصير اللاجئين، وبقضية بقائهم في لبنان أو عودتهم الى بلادهم. هذان الخطابان عاجزان عن قراءة واقع اللاجئين وتعقيدات حيواتهم، ومنظومات “العقد الاجتماعي” الذي يسير هذه الحيوات في تشاركها مع بعضها أو في التقائها مع المجتمع المضيف.

يُنتج هذان الخطابان نوعين من المشاعر أو ردات الفعل تجاه اللاجئين السوريين، إما الكره كأحد مفردات خطاب العنصرية، أو التعاطف بالمعنى السلبي في الخطاب الآخر، تعاطف يُسهم في تعقيد واقعهم وإفساح المجال أمام ممارسات تقوم على استغلالهم.

الخطاب العنصري يستثني اللاجئين الميسورين بالطبع، إنما يحمّل اللاجئين السوريين الفقراء مسؤولية كبيرة عن الواقع الأمني والإقتصادي المتردي في لبنان، يصنفهم كـ “دواعش”، وكـ”مستغلي مقدرات البلد” وملوثي أنهارها وما إلى آخر سيمفونية الشيطنة المطلقة. يندرج هذا الخطاب في إطار الانقسامات اللبنانية نفسها، خاصة فيما يخص البُعد الأمني، ويأتي استكمالا لخطاب يميني أظهرته بقوة الحرب الأهلية حيث “الغريب” هو المسؤول عن كل المصائب، دخل القرية الآمنة (لبنان) وأشعل فيها الحرائق، وهنا مكمن أول للتسطيح، تسطيح خبرنا خطورته خلال السبعينات لكننا كغير المؤمنين نُلدغ بسهولة من الجُحر نفسه مرتين وأكثر. انطلاقاً من رفض الغريب يصير أمر سجنه في بقعة واحدة ومنع تجوله الّا لأمور تفيد صاحب القرار اللبناني، ممارسة منتشرة كـ “فعل وقاية ” يعيد الى الأذهان قانون الأمن الذاتي خاصة في بداية الحرب الأهلية.

يريد الخطاب الكاره إعادة اللاجئين السوريين الى بلادهم بأي طريقة، الحجة الأكثر تداولاً هي أن ثمة مناطق كثيرة في سوريا باتت آمنة “فليذهبوا إليها”، وكأن فعل العودة نزهة في سيارة

في الخطاب العنصري استعلاء طبقي، حقيقي نابع من أبناء الطبقات الميسورة (وهم قلة)، ووهمي يتبناه أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة الذين يجهدون لتأمين قوتهم. الخطاب الكاره هذا يريد إعادة اللاجئين السوريين الى بلادهم بأي طريقة، الحجة الأكثر تداولاً هي أن ثمة مناطق كثيرة في سوريا باتت آمنة “فليذهبوا إليها”، وكأن فعل العودة الطوعية أو غير الطوعية نزهة في سيارة ينطلق اللاجئ فيها من خيمته الى اللامكان وتُحل بذلك المشكلة، كأن أمر وصوله الى لبنان أو أي بلد لجوء آخر تم في ظروف طبيعية وليس هرباً من حرب لم تنته نهائياً بعد.

أما الخطاب المساند فهو يتعامى عن كل تعقيدات الواقع. اللاجئ ضحية مطلقة لكل تفاصيل الحياة. يمتد ضعفه في كونه لاجئ إلى شؤون المأكل والمشرب والتنقل والعمل والحب والزواج والإنجاب. يريد هذا الخطاب للاجئين أن يكونوا ضحايا في خدمته، حين تغرق خيمهم في الوحول والأمطار فذلك نتيجة تعريفهم كضحايا وليس من أسباب السرقة والفساد الذي ينخر جسد المنظمات الرسمية وغير الحكومية المولجة أمر إعانتهم والتي تلقت باسمهم أموالاً تُقدر بمئات ملايين الدولارات. يتعامى الخطاب المساند عن منظومات القوة القائمة داخل المخيمات نفسها، القوة القائمة على تفوق لاجئين على آخرين لأسباب إنسانية مجتمعية بحتة، كالانتماء الى عشيرة ما أو الطبع الحاد أو البنية الجسدية، ولأسباب مرتبطة بالعلاقات مع مراكز قوة لبنانية هي: الإدارات الأمنية والرسمية وأرباب العمل وبالأخص وبشكل فاضح مع الهيئات غير الرسمية من منظمات الأمم المتحدة إلى الجمعيات غير الحكومية.

الخطاب المساند ينتمي إلى مجموعة من القيم السهلة التداول، ولكنها في الحقيقة تزيد في تعميق الشرخ القائم بين اللاجئين وأبناء المجتمع المضيف

العناوين التي يدافع عنها الخطاب المساند تندرج بمعظمها في إطار شرعة حقوق الإنسان، كالحق في التنقل والعلم والحق في العمل، وهي بالفعل حقوق انسانية لا يمكن رفضها أبداً. لكن هذه العناوين يجب أن تُطرح في إطار واقع ممارستها، وهذا ما يتغاضى عنه أو يدفنه أصحاب الخطاب المساند. هكذا توهم عشرات الجمعيات اللاجئين بتقديم خدمة التعليم لهم، بينما ما تقدمه لا يزيد عن كونه نشاطات تعلمية لا صفية لا تعترف بها أي مؤسسة تعليمية في العالم. وهكذا أيضاً يتم تسهيل استغلال العامل السوري من قبل أرباب العمل، فبحجة تأمين حق العمل له من دون أي مناقشة للواقع ولما يفرضه قانون العمل، يغطي هذا الخطاب على ممارسات أرباب عمل يقومون بالفعل بطرد عمال آخرين لبنانيين، وفلسطينيين أحياناً، لاستبدالهم بعمال سوريين يتقاضون ما هو أقل بكثير من الحد الأدنى للأجور ولا يتمتعون بأي حماية أو ضمانة، ويكون المستفيد الرئيسي من هذا الواقع هو رب العمل الميسور الذي يزيد من أرباحه.

إن الخطاب المساند القائم حالياً إنما ينتمي الى مجموعة من القيم السهلة التداول والرائجة في إطار منظومة عالمية متفلتة اقتصادياً تخدم الأكثر ثراء، ولكنها في الحقيقة تزيد في تعميق الشرخ القائم بين اللاجئين من جهة وأبناء المجتمع المضيف من جهة ثانية.

خطابا الكراهية والمساندة السطحية ينتظمان في إطار خيال أدبي طفولي يحصر اللاجئين في عالم السنفور الطيب وشرشبيل الشرير. لكن الخطابين، بطبيعة الحال، لا يقدمان أي حلول إنما يزيدان في تأزيم الواقع. البحث عن خطاب ثالث عقلاني، عن تعميق النقاش أمر ضروري لأكثر من سبب، أولاً لمساعدة هؤلاء اللاجئين على تخطي مصاعب العيش في محطة صعبة واستثنائية من حياتهم ألا وهي محطة اللجوء، وبهذا المعنى تكون القناعة راسخة بأن واقع اللجوء واقع استثنائي لا يجوز أن يمتد الى الأبد، وأن العودة يجب أن تتم بطريقة آمنة وكريمة. ثانياً لأن التحليل الواقعي يناقض محاولات الهروب من حلول للمشاكل اللبنانية بتحميل اللاجئ مسؤوليتها كلها. وثالثاً لأن للجغرافيا أحكاماً لا يمكن معاندتها، ومن أحكامها تواصل ممتد ودائم وإجباري بين اللبنانيين والسوريين، وهذا ما أثبتته جميع تجاربنا، فكيف نتابع التواصل في ظل الكراهية أو ترسبات الاستغلال!

 
×