في مقالة نشرتها مجلة “فورين بوليسي” مطلع العام، يروي الجنرال الأميركي ستانلي ماكريستال، المشرف على قيادة العمليات الخاصة المشتركة في العراق بين ٢٠٠٣ و٢٠٠٨، أن قواته راقبت موكبًا يخترق الحدود الإيرانية مع شمال العراق عام ٢٠٠٧، وعلى متن إحدى عرباته قائد “فيلق القدس” التابع لـ”الحرس الثوري” الإيراني قاسم سليماني.

فضّل الجنرال الأميركي، كما يقول، تتبّع مسار الموكب بدل استهدافه مباشرة تحسبًا لتداعيات غير محسوبة، لكنه لم يفلح في إنجاز ما أراد. ففور وصول سليماني ورفاقه إلى مدينة أربيل، ابتلعهم ظلام تلك الليلة كما لو كانوا أشباحًا.

ماكريستال، الذي ألقت قواته القبض على الرئيس العراقي السابق صدام حسين ثم قتلت مؤسس “تنظيم الدولة الإسلامية” أبو مصعب الزرقاوي، أعرب عن حسرته على ضياع فرصة رآها نادرة، ثم ما لبث أن أكمل مقالته بتشريح خصمه سليماني؛ “البارع، والفعّال، والملتزم بـ(مصالح) بلاده”.

بعد ٧ سنوات من الحادثة المزعومة تلك، عاد موكب قاسم سليماني ليخترق الحدود نحو بغداد هذه المرة، إثر سقوط الموصل ـ ثاني أكبر المدن العراقية ـ في يد تنظيم “داعش”. كان سليماني قد تجاوز مرحلة العمل خلف الستار، وراح يتحوّل إلى واجهة دعائية لنشاط إيران في الإقليم تُضاف إلى أدائه العملي.

قيل يومها، عام ٢٠١٤، إن انفراط الجيش العراقي وإمساك “داعش” بنصف مساحة البلاد يمهدان لتقارب أميركي ـ إيراني شبيه بذاك الذي شهدته حرب أفغانستان عام ٢٠٠١. لكن ظروف المرحلة لم تسمح بولادة تنسيق ظرفي وموضعي مماثل. جاء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وقضى على شذرات الاحتمال المُستبعد أصلًا. ثم وُضعت سياسة تضييق الخناق على طهران قيد التنفيذ؛ نُسف الاتفاق النووي، وبدأ العمل على ضرب اقتصاد طهران حتى تتهاوى قدرتها على التطلع خلف الحدود.

قاسم سليماني كان ماركة إيرانية مُسجّلة تُبرز أداء طهران في الأحداث المذكورة أعلاه كافة. كان سياسة طهران الخارجية مجسّدة في رجل: لعب دورًا في التنسيق مع الأميركيين عام ٢٠٠١ بعد ٣ سنوات على تبوء منصبه في “فيلق القدس”، ثم أدار عمليات الشد والجذب والتصعيد والتهدئة معهم في أفغانستان والعراق، عبر سماعة الهاتف، كما يذكر مبعوث واشنطن إلى كابول ثم سفيرها في بغداد راين كروكر.

سليماني، كماركة إيرانية مسجلة، يمثل قوة الفعل الإيرانية على الأرض، في مقابل ضعف الموارد الذي لا يسمح لإيران بمجاراة خصومها في فضاءات الدبلوماسية والإعلام والحرب العسكرية النظامية

اليوم، يأتي إدراج “الحرس الثوري” على قائمة الإرهاب الأميركية بعد عام ونصف تقريبًا على تصنيفه من قبل وزارة الخارجية الأميركية على أنه “جهة داعمة للإرهاب”. تمّ تعويم اتهام واشنطن القديم لـ”الحرس” برعاية فصائل عراقية استهدفت قواتها وأوقعت نحو خُمس خسائر جيشها في العراق. ورد هذا الكلام في تصريح مبعوث وزارة الخارجية الأميركية براين هوك قبل أيام، ثم “رَسمَل” عليه وزير الخارجية مايك بومبيو حين جعل لحملة بلاده الطاحنة ضد إيران وِجهة مؤسسية تمثلت بـ”الحرس الثوري” ووجهًا بشريًا تمثل بقاسم سليماني.

تريد واشنطن من خلال الحملة على “الحرس الثوري” استهداف اقتصاد إيران الموازي. ففي شركة “خاتم الأنبياء” التي يديرها “الحرس”، يعمل ما يربو على ١٣٥،٠٠٠ موظف في مجالات تبدأ بالأمن والنفط والإعمار والتخطيط المدني، ولا تنتهي بقطاعات المواصلات والاتصالات والطّبابة. لكن واشنطن ترغب أيضًا باجتثاث رمزية سليماني الذي ارتبطت به أبرز نشاطات الحرس وسياساته، في أذهان الحلفاء والخصوم.

سليماني، كماركة إيرانية مسجلة، يمثل قوة الفعل الإيرانية على الأرض، في مقابل ضعف الموارد الذي لا يسمح لإيران بمجاراة خصومها في فضاءات الدبلوماسية والإعلام والحرب العسكرية النظامية. وفي قوة الفعل على الأرض هذه، لطهران أسلوبها الذي يفرضه ضعف الموارد إياه؛ كيانات لادولتية تمتد على شاكلة قوس تحالفات من أفغانستان إلى اليمن، يمثل “حزب الله” اللبناني نموذجها الأبرز.

سليماني هو، رمزيًا، محصلة التراكم الذي أنتجه النظام الإيراني الذي اقتلع الشاه منذ أربعين عامًا. في الحسابات الأميركية، الحملة يحب أن تطال السياسات والمؤسسات والفاعلين فيها. أما في الحسابات الإيرانية، فسيكون لزامًا إعادة سليماني إلى خلف الستار، لتتعامل طهران مع أحد أكبر التحديات التي يواجهها “الحرس الثوري” منذ قيامه.