صباح الأربعاء 6 تشرين الثاني (نوفمبر)، خرج تلامذة المدارس اللبنانية، الثانويون، والجامعيون، في صيدا وطرابلس والجبل، ليعلنوا ولادة جديدة للحراك الشعبي الذي انطلق قبل ذلك بأسبوعين. تظاهرات الطلاب معطوفة على تحركات سبقتها وطالت مساحات من الملك العام اعتدى عليها رجال السلطة والمال، كسرت صورةً نمطيةً سادت منذ عقود، وأخرجت مجموعات كانت مترددة تجاه الحراك لتعلن انتماءها إليه. لقد وُضع الإصبع على الجرح، جرح الفقراء والمهمشين، وجرح الطبق الوسطى في لبنان.

الولادة الجديدة للحراك رهن بإبداعات الشباب. لكن التوقف عند هذه المحطة لنقد ما سبقها منذ عقود، قد يساعد على فهم الفجوات التي كبرت ما بين الأكثر فقرًا والطبقة الوسطى.

السؤال الأساس الذي تعثرت مقاربته هو ذاك المتعلق بعلاقة أبناء الطبقة الوسطى، المعارضين للسلطة، بمجتمعات ما يُعرف بـ”أحزمة الفقر”. تسود نظرة حيال أفراد هذه المجتمعات مفادها أنهم أداة في يد زعماء الحكم في لبنان، وهذه النظرة تشكل العمود الفقري لنهجين متناقضين، نهج المشفقين على أبناء أحزمة الفقر باعتبارهم “ضحايا”، ونهج المتقززين منهم باعتبارهم “أوباش”. يختزل الطرفان أبناء الفقر المدقع إذاً، فلا يعود هؤلاء أفراداً متنوعين تجمعهم طبقة اقتصادية واحدة ولهم هموم وأهواء مشتركة، ولكل منهم في الوقت عينه كيانه المنفرد وخياراته وأحلامه وخيباته الذاتية.

هذه النظرة الاختزالية هي من نتائج الافتراق الحاد عن الطبقة الفقيرة، الذي ساهمت في تعميقه الطبقة الوسطى، بيسارييها ويمنييها، بالمعنى الواسع للتصنيفين. والنظرة هذه هي من عوارض الانجرار اللاإرادي نحو قيم اقتصادية- ثقافية- اجتماعية ونتاجات عصر العولمة النيوليبرالية.

في نظر الكثير من أبناء الطبقة الوسطى، خاصة الناشطين منهم، تحولت أحزمة الفقر، ومعها بعض المناطق الفقيرة الأخرى، إلى كانتونات مغلقة لا يقربونها إلا في مهمات نادرة للغاية و”سياحية” الطابع، إن ذهبوا إليها فإنما ذهابهم “صوريّ”، كنخبويين قرروا التعبير عن شفقتهم على من هم “تحت”، كما لو كان الأخيرون مادة دسمة لعمل فني، وديكور مناطقهم البائس يُغني الصورة، فيما هم إما أشرار أو معذبون من إخوانهم فقط.

لم يُفتح حوار مع الأكثر فقراً، ولم يتم التعرف إلى تفاصيل يومياتهم، إلى بيوتهم ومدارسهم وأسواقهم وأشكال تجمعهم والنسيج الاجتماعي المشكل لتجمعاتهم، وإلى الآليات التي أنتجوها لتحمل مشقات الحياة أو لحل مشاكلهم.

ضُرب نوع من الستار العازل حول هذه المناطق بأبنائها، وصار تصنيف أهلها على أساس خياراتهم السياسية؛ الفقير الجيد هو ذاك الذي يردد شعاراتنا فقط.

هذا الفصل البصري الحاد، انسحب على عناوين “النضالات” منذ التسعينيات حتى اليوم، وقد ازداد الأمر سوءاً في السنوات الأخيرة. إذ طغت المطالب والعناوين المتناسقة مع بات يُعرف بـ”القيم العالمية” بشكلها الغربي، لا المتقاطعة مع الواقع اللبناني. غابت عناوين العدالة الاجتماعية، وعناوين المواجهة الجدية للمنظومة الاقتصادية التي تزيد من إفقار الفقراء، بل غابت المطالبة بالمساحات العامة التي تعيد تجمع مختلف الطبقات. لم تعد المدرسة الرسمية لنحو ثلاثة عقود عنواناً نضالياً، ولا الجامعة اللبنانية، ولا الطبابة المجانية الجيدة، ولا الضمان الاجتماعي. كذلك انسحبت من المطالب عناوين ضامنة للقاء بين أبناء المناطق المختلفة، كالمطالبة بتحسين النقل العام المشترك، وبإحياء سكة القطار، وباستحداث المساحات الخضراء المجانية.

من جهة أخرى، ساهم الانسياق خلف سلوكيات استهلاكية بغلبة سياق يرفع من مكانة الأكثر ثراء، ويجعل من مطالب دعم القطاعات الاقتصادية المنتجة “عناوين خشبية” في أدبيات مجموعات كبيرة من اللبنانيين، وكثرت الكتابات الناقدة لظاهرة “ترييف المدينة” ورفض القيم التي يحملها “الريفيون”.

كاد ينسحب من التداول العام أي كلام عن دعم الزراعة ومحاولة إحياء قطاع الصناعة، في وقت كانت فيه الأسوار التي تحجب الفقراء تزداد ارتفاعاً، إلى أن جاء الحراك الأخير ليطرح عناوين الفقر الذي أخذ يجتاح قطاعات جديدة في لبنان.

في دردشة مع شاب من منطقة “الخندق الغميق” (حزام البؤس الذي خرج منه بعض الشبان المعادين للحراك)، وفي وصفه للحراك القائم ضد حكام لبنان، قال لي “هذه الثورة ثورتنا، نحن الجائعين، وأنتم سرقتم الثورة منا لتلبسوها الشعارات التي تستهويكم وتجرحنا”. تختصر هذه الجملة الهوة التي يتوجب على الحراك ردمها بين الطبقتين المتضررتين من المنظومة الحاكمة في لبنان بمختلف رموزها. فإن كان الحراك منطلقًا جديًا لبناء عقد اجتماعي جديد، أو لطرح مشروع بديل لنظام الحكم، فهو حتماً حراك يُفترض أن تشارك فيه مجموعات من اللبنانيين من الطبقتين الوسطى والدنيا بكامل تدرجاتهما، وهو في الوقت عينه حراك لصالح الفقراء وهم مكون أساسي فيه، والمقصود بذلك كل الفقراء، إلى أي “معسكر” سياسي انتموا.

 
×