تبدو سرديّة الحديد والنار في اليمن كما لو أنها تقضم التاريخ والجغرافيا تباعًا، حتى تقترب بصنعاء وعدن إلى أمس لم تكن فيه البلاد “وطنًا”. فاليمن يندفع اليوم نحو الماضي، غير آبه بفيزياء المنطقة في الأمن والسياسة، علمًا أن التفسخ الوطني فتح الباب أمام صناعة “حالات” جديدة أو تضخيم وتدعيم أخرى من خلال الرعاة الخارجيين، قد تفضي إلى تجزئة مضافة للشمال والجنوب على شاكلة كيانات أكثر راديكاليّة وابتعادًا عن مفهوم الوحدة. فالاستثمار في هذه المأساة لم يتوقف عند محور أو فصيل أو تحالف. والبندقيّة ذاتها على المحورين تراقصت وتناقلت حتى أضاعت الكتف الأول، وغفلت عن الهدف الأوّل.

الكل اليوم، في صنعاء وعدن، نسي وجه القضيّة وغاص في عمليّة قولبة للبلاد بما حضر. فمشاريع “المستقبل” هناك باتت تصنع بالأمتار والأحياء والموانىء، فيما خريطة الجغرافيا السياسيّة باتت جزءًا من “إيمان” أو “مذهب” أو “كيان”، تحدّها محاور القتال من كل اتجاهات العاصفة، وما سبقها من انقلاب وتلاها من صراع أهلي.

وبمعزل عن سياقات عملية التسوية السياسيّة من الكويت وعمان حتى السويد مرورا بالقاهرة والرياض، فالواضح أن السياق العام لآليات التفاوض وما جرى فيها من نقاشات، لا يحيد عما هو أشد سوء من الحرب. فالتجزئة الوطنية التي تلوح في أفق المتحاربين، أصبحت وفق معطيات الأرض مقدمة لدساتير جديدة تبنى على مخرجات حروب الأزقة. فـ”الحوثيون” انقلبوا على شرعيّة التسوية الإقليميّة عبر قنوات صالح العميقة، ثم انكمشوا شمالًا حتى خسروا النصف لاحقًا، وباتوا في صراع بيني مرير يقضم من قوّتهم تباعًا.

والجنوبيون حاربوا “شمال” علي عبدالله صالح حتى أعدمه ذاك “الشمال”، فباتت مكونات “الحراك الجنوبي” والانتقالي وما بينهما عالقة معًا في معارك ما بعد خط حرب صيف 1994. وتلك معركة لا ناقة فيها ولا جمل لمن حمل “استقلال” الجنوب راية على رشاشه في مواجهة إرث “عفّاش”.

يحصي “الإخوان” خسائر الغير في الميدان والسياسة، وهم أكثر المستفيدين من التشرذم في جنوب اليمن ومن اصطدام “الحوثيين” ببعض قطاعات “المؤتمر الشعبي”

أمّا “إخوان” اليمن في “حزب الإصلاح” وغيره، فقد كانوا الأكثر صبرًا وانتظارًا من السابقين نحو الميدان. فـ”الإخواني” وجد في ارتطام صفائح الشمال والجنوب بما تحمل من ثقل عسكري، فرصة تاريخية للعبور نحو “خلافة” جديدة في جنوب الجزيرة العربية ينطلق منها نحو عواصم الخليج العربي، أو بعض خلافة في الحد الأدنى، خاصة أن زعامة السيد عبدالملك الحوثي عند أنصاره، داعبت خيوط “الإمامة”، فاستفزت مستشعرات “الأسلمة السياسيّة” لدى قيادات “الإخوان”.

اليوم، إذًا، يحصي “الإخوان المسلمون” خسائر الغير في الميدان والسياسة. فالتشرذم الجنوبي جعل من بعض مؤسسات “الشرعيّة” معبرًا لـ”لإخوان” نحو ميدان الجنوب (المحظور سابقٍا بفعل قوة “الحزب الإشتراكي”). فيما أفضت خطة “الحوثيين” بإعادة هيكلة “المؤتمر الشعبي العام” انطلاقًا من اعتقال وقتل قياداته “الثقيلة”، إلى خلق بيئة محلية صالحة للإستثمار من قبل حزب “الإصلاح”. هكذا بدأ الحزب بتنظيم أموره في المناطق الشمالية عبر استقطاب واستثمار العناصر السابقة في “المؤتمر الشعبي” والحانقة على “الحوثيين”، بالتوازي مع الإبقاء على الستاتيكو القائم في تعز، والتي تعد مركز الثقل الأساسي لـ”الإخوان المسلمين” في الجزيرة العربية.

وعلى هذه الشاكلة يكون التحالف العربي خامس أخماس الأزمة، وهو عبر “عاصفته” شكل مانعًا أو رابطًا للمشاريع المتلاطمة بحسب المعطيات المحليّة، بغض النظر عن رؤيته للأزمة وإضبارته “الأخلاقية” المرافقة لها. فالتحالف الذي بدء معركته ضد “الحوثيين” والجيش اليمني الموالي لصالح تحت عنوان رد الانقلاب وإعادة النظام الرسمي إلى مؤسساته، انطلق من حسبة صغيرة أغفلت كل الحكاية. فاليمن حوثي وصالح وإخواني وجنوبي، وهي أرباع لا تقبل الاهتزاز القوي، ولا تعرف اللحمة اللازمة لعبور الأزمات. هكذا وجد التحالف نفسه في قتال الحوثيين والراحل صالح كمن يمهد الأرض لانفصال الجنوب وتجزئة الشمال ما بين “زيود” و”شوافع”، وهي مغامرة لا تقدر الرياض ولا أبوظبي على تحمل أكلافها عند مقارنة الأمور بما كان وما يمكن أن يكون.

الجنوبيون أنفسهم بما شكلوا من حاضنة للحرب العربية، كانوا الأكثر تأثرًا بمفاعيلها المصاحبة غير المدروسة. إذ شكلت الأزمات اليومية والشرذمة غير المسبوقة ما بين اتجاهات الداخل ومشاريع الرعاة، أرضًا خصبة لصناعة مأساة وطنية عابرة لمفاعيل الحرب. في الجنوب لم يعد للوحدة صوت ووزن وقضيّة، باستثناء ما يعوّم في صنعاء والرياض من مواقف جنوبية وحدوية غير وازنة. فالملتصق جنوبًا بالشرعية لا وزن له في المكيال النهائي، والملتصق عضويًا بالتحالف العربي، أصبح أثقل وأبطأ في زحفه نحو الشمال، فيما العين على عدن و”حلم” الانفصال، علمًا أن هناك طرف ثالث يسعى نحو إقليم أو أكثر.

وعلى هامش “الحدث” اليمني، موت وجوع ولجوء. وهذا متن قضية لن يأبه بها التاريخ، ولن تصنع منها الذاكرة. جغرافيا السياسة وحدها من سيصنع ذاكرة من اليوم ويحيلها واقعًا للغد وما بعده. فبين “حزم” التحالف العربي وأقاليم الرئيس عبد ربه منصور هادي من جهة، و”خلافة” “الإخوان” وانفصال “الحراك” وعودة “المؤتمر” و”إمامة” “الحوثيين” من جهة ثانية، يبقى اليمن بانتظار الصورة النهائية، حيث تفرّغ الأطراف المتصارعة كامل شحناتها في شرايين القتال. فالصورة الأخيرة لن تكون قريبة من انفعالات استوكهولم وبعض حرارتها الوطنية الاستعراضية. إذ لا ثقة ولا أمان بين مشاريع دخلت دوامة الموت لإعادة صناعة وطن يشبهها. هكذا تكون الوحدة رهينة الأقوياء و”المنتصرين” في حرب اليمن الجديدة، ورهينة القابعين في حصون صعدة وتعز وعدن، ومن خلفهم رعاة الإقليم.