يندر أن يمرّ حدث ما على أي من الساحات الدولية أو الإقليمية من دون أن يتمّ إقحام اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فيه بطريقةٍ أشبه ما تكون بكاريكاتورٍ فاشل. نرى أحياناً، لدى نشوب أزمات، بوتين يجري اتصالاته يميناً وشمالاً مهدداً رؤساء الدول الأخرى بالويل والثبور. وفي أحيانٍ أخرى يقرر رفض استقبال اتصالات أولئك الرؤساء المذعورين ويقفل الأبواب على نفسه فيما هو يحرك الرؤوس النووية ويوجهها إلى عواصم العالم. يوماً نراه ممتطياً ظهر دبٍّ روسي، ويوماً آخراً يعزف موسيقى رقيقة أمام لجنة الحكم في برنامج مسابقات تلفزيوني. ولهذا كان لا بد اليوم من اختراع دورٍ لا منطقي يلعبه بوتين خلال جائحة فيروس كورونا الجديد التي تضرب العالم؛ فنراه في يومٍ يصدر قراراً يخيّر الروس بين البقاء في منزلهم مدة 15 يوماً أو رميهم في السجن لخمس سنوات، وفي يومٍ آخر يطلق أسوداً في شوارع موسكو كي يجبر الناس على التزام بيوتها.

في حين تظهر الكثير من هذه الأخبار العجيبة على منصات إعلامية غير موثوقة أو أخرى تتخصص بالأخبار الساخرة والزائفة، إلا أنها تنتشر على منصات “السوشال ميديا” بطريقة فيروسية من دون أدنى شكٍّ أو مساءلةٍ لما تحمله من عبث وخبال ويتلقفها الأناس المتلهفين لمشاهدة رئيسٍ مختلفٍ عما اعتادوه. وفي الواقع، أدّى صعود بوتين درجات السلطة وإحكامه السيطرة على روسيا، وخاصة بعد فترة حكمه الأولى، إلى خروج الكثير من الأساطير والحكايات والمتابعات عنه، وهي وصلت آخر الأمر إلى صياغة مصطلح “بوتينولوجيا” الذي يجمع كل الدراسات والمقالات والأخبار المتعلقة بالرئيس الروسي الطامح إلى تغيير قواعد اللعبة في عالم ما بعد الاتحاد السوفييتي. وما بدأ كمجموعةٍ من الانطباعات أطلقها عددٌ من زعماء الدول الغربية ومسؤوليها ومن بينهم جورج دبليو بوش، بعدما التقوا بوتين وصدمتهم شخصيته القاسية ونظرته الباردة واستحالة قراءة رد فعله، تحول لاحقاً إلى “تريند” إعلامي تستغله تلك المنصات اللاهثة وراء زيادة أرقام المتابعين ممن تستهويهم صورة الزعيم الصلب.

لا يتوانى بوتين ذاته بالطبع عن تعزيز هذه الصورة. يطلُّ في لقطاته الصحافية بقسماته الجامدة متجهماً في وجه أي صحافة معارضة، وضاناً بابتسامته حتى لبعضٍ من ضيوفه. يعتلي متن شتّى المركبات العسكرية ويقودها بسلاسة، ويجرّب الأسلحة الجديدة أمام الكاميرات. يزور المدارس بصورة الأب الطاغي محتضناً الأطفال موصياً إياهم بالاهتمام بدروسهم. يصرع خصومه في لعبة الجودو، ويغطس في المياه المجلدة في عيد الغطاس بعد نيل بركة بطريرك موسكو. وعلى السّاحة الدولية، دخل بوتين في عددٍ من الصراعات والاتفاقات بحنكةٍ ودقة. اجتاح جورجيا. ربح حرباً ضد الإرهاب في الشيشان. انتزع القرم من أوكرانيا. تدخّل في سوريا وليبيا. وها هو يمد أذرعه في أقاليم آسيا وأوروبا والشرق الأوسط عبر أنابيب النفط والغاز، والمنصات الإعلامية، وعقود التسليح والتدريب والاستثمار مستعيداً شيئاً من المجال الجيوسياسي الحيوي السوفييتي، ومقلقاً راحة النفوذ الأميركي المستكين لتفرده في الساحة حتى الأمس.

لم يعد بوتين ذلك الخلف لبوريس يلتسين الحليف. هذه تصرفات من فهم التكتيك الأميركي المعتاد ويريد تحويله لمصلحته اليوم. هكذا صار بوتين طاغيةً يجثم على أنفاس شعبه، ويهدد حقوق الإنسان في دزينة من البلاد الأخرى، ويخرّب الديموقراطية في عقر دارها. كثرت التحقيقات الصحفية حول فساد مستشاريه والمقربين منه، وتعددت استضافة معارضيه والهاربين من حكمه في لقاءاتٍ وندواتٍ جامعية وإعلامية، فيما استفاضت المحطات التلفزيونية ومراكز البحث الغربية في متابعة ودراسة الاتهامات الخاصة بتدخله في الانتخابات الأمريكية عام 2016. سجّلت حملة العلاقات العامة المخططة هذه أهدافاً لا بأس بها. تظهر أرقام استطلاعات “إيبسوس” اقتناع 60 في المئة من الأميركيين بتدخل روسيا في العملية الانتخابية. وفي دراسة أخيرة أصدرها “مركز بيو للأبحاث” يتبيّن أن حوالي سبعة من كل عشرة أميركيين – أي ما نسبته 72 في المئة – يعتقدون بوجود احتمالية تدخّلٍ روسي في انتخابات 2020، فيما انخفضت نسبة من يبدون نظرة إيجابية عن روسيا إلى أدنى نقطة خلال عقدٍ من الزمن لتصل إلى 18 في المئة من الأميركيين فقط. وفي العام الماضي قال نصف الأميركيين إن تأثير روسيا يشكل تهديداً كبيراً على استقرار الولايات المتحدة ورفاهيتها.

وفيما نجحت هذه السياسات إلى حدٍ بعيدٍ في تأليب الرأي العام الغربي ضد بوتين وروسيا، إلا إنها غالباً ما تنقلب تماماً لدى كثيرين في المجتمعات العربية ممن ما يزالون يأمنون بدور الزعيم الأب في فرض النظام بقوة القمع لا النظام بقوة القانون. وفي سعي جزءٍ كبيرٍ من اليسار العربي للخلاص من طغيان الرأسمالية الأميركية المعولمة عن دنياهم، راحوا يركّبون دوراً اشتراكياً منتحلاً لروسيا ولرئيسها الذي يؤمن بقوة “البيزنس” قدر إيمان دونالد ترمب بها. وهنالك طبعاً مسيحيو المشرق الذين يرون في بوتين قيامةً لبيزنطة القديمة وتجسيداً لأباطرتها ولقياصرة موسكو، ومن يعلم ربما محرراً للقسطنطينية إن شطح بهم الخيال. كما يُظهر تناقل كل تلك القصص الأسطورية بافتتان على “السوشال ميديا” العربية التي تصور بوتين سوبرماناً سياسياً رغبة الناس باستعادة – إن لم تكن خلق بالأحرى – شخصية الزعيم الفحل، صورة الإله المتعالي، صاحب المهابة والحسم الذي يستطيع تأسيس مجتمعٍ دوليٍ قائمٍ على الحقّ والمساواة.

المزيد من هذا المؤلف

أصنامُ السوريّ

 
×