جاءني خلال الأسبوع الماضي اتصالٌ من موظف في إحدى الإدارات اللبنانية العامة، طالباً تسديد بدل سنوي يعود للعام 2011، رغم أني كنت قد سدّدت كل الرسوم السنوية المتوجبة، بما فيها تلك العائدة للعام 2019، فكيف فات تلك الإدارة عدم تسديدي المفترض لبدل العام 2011، وكيف قبضت الإدارة كل رسوم السنوات اللاحقة من دون أن تلتفت؟ هل حقاً لم أسدد، أم أني سددت رسوم ذلك العام وحصل إهمالٌ أو فسادٌ ما فأضاعها؟ بدأتُ أسال نفسي ما هذه الدقة لدى إدارة اشتهرت بالتوظيفات الوهمية والمقاولات المشبوهة؟ وصرت أرى هذا المبلغ الذي أُحصّله من تعبي وكدّي ينالُه موظف لا يداوم أو مقاول ينهب المال العام، وكلاهما مرتبط بسياسي يتسبّبُ في تدمير مستقبل البلاد وأهلها، فتملّكني السخط رغم أن تسديديَ الرسمَ المفترض لن يتسبب لي بعبء كبير. للحظات، استغرب مَن حولي مقدارَ انفعالي، ببساطة لأن ما جال في ذهني كان ذاتيًا إلى حد بعيد، وسلوكي كان غير عقلاني على نحو تام.

في ذلك اليوم، استعدت ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة أثناء إعداد ومناقشة موازنة العام 2019 في الحكومة والبرلمان، حيث اعتصم متقاعدون عسكريون ومدنيون منددين بمقترحاتٍ لفرض ضرائب على مستحقاتهم التقاعدية. هؤلاء لم تقنعهم التبريرات بأن مبلغ الضريبة سيكون رمزياً ولا يمثًل أي عبء، إذ أجاب بعض المتظاهرين بأن المسألة ليست بقيمة الضريبة، بل إنها “مسألة مبدأ”، فالضريبة مُجحفة مهما كان مقدارها، فيما اعتبر آخرون أن إقرار هذه الضريبة سيكون مجرّد بداية، ولذا يَجبُ رفضها بمطلق الأحوال، بينما ذهب آخرون للقول إنّ الدولة إن كانت بحاجة لأموال، فلتذهب وتسترد المال المنهوب من السياسيين وحواشيهم أولاً.

بدا أن ثمة فجوة بين ما يقوله المتظاهرون والسياسيون، حيث اعتبر بعض السّاسة أن اعتراض المتظاهرين غير منطقي ومفتعل نظراً لقيمة الضريبة البسيطة، وهذا يشير إلى أن المستوى السياسي في معظمه عاجز عن التقاط نبض الناس وفهم ما يدور داخل وجدانهم من سخط وهواجس ومخاوف. هذه الانفعالات مرتبطة بتراكم الضغوط اليومية التي يتعرضون لها في العمل (الاستقرار الوظيفي وكفاية الراتب) والأسرة (مثل بطالة الأبناء وتراجع فرص التعليم اللائق أو تأمين المسكن)، وتراجع المداخيل، وازدياد المخاطر على استقرارهم الاجتماعي والمعيشي، وانهيار القطاعات الخدماتية، وترهل المرافق العامة، بينما يشاهدون رفاه الزعامات السياسية وأسرها في الأتراح والأفراح، وما تراكمه الحواشي والقطاعات المالية من ثروات هائلة. في الأمثلة أعلاه كنا أمام مواطنين من الطبقات الوسطى المنحسرة، فكيف هي إذًا حال الغالبية الفقيرة المجرّدة من كل الضمانات؟ وكم تختزن من نقمة ورغبة في الانتقام؟

غالبية اللبنانيين تتخذ خيار الانكفاء والاحتجاج السلبي، كونه الخيار الأسهل، ونظرًا لعدم توفر قوى قادرة على تعبئتها، أو خوفاً من سطوة القوى المسيطرة وانعدام الأمل بالتغيير

تؤدي هذه المظالم والفوارق إلى تفكيك روابط الهوية المشتركة داخل الجماعات نفسها، وتتراخى الخيوط بين المجتمع والنخبة السياسية، فيصبح السياسي هو “الآخر” الخصم ومصدر التهديد، هو المستغل الذي استخدم عنوان الجماعة لينتفع بها مع القلة حوله على حساب إفقار الجماعة. هنا يجهد المستوى السياسي لإعادة تعبئة الهوية المشتركة عبر تضخيم السرديات حول مظلومية الجماعة (خطاب الضحية) والمبالغة في ترسيم الحدود بينها وبين الجماعات الأخرى. وحين يصبح المستقبل مشكوكاً به ومحفوفاً بالمخاطر عليك وعلى أولادك، تُضاف إلى المظالم والفوارق عواملُ الخوف والقلق، التي يكون لها دور يزيد من مشاعر التشاؤم والنقمة.

اللبنانيون اليوم عموماً ناقمون ومتشائمون، وهو ما يُخرج كتلًا متزايدة منهم عن الخطوط الرئيسية للقوى الطائفية، إما باتجاه محاولة التمرد وخلق البديل والمواجهة، وإما باتجاه الانعزال والخروج من المجال العام والانكفاء. من المرجح أن الغالبية تتخذ الخيار الثاني، أي الانكفاء والاحتجاج السلبي، كونه الخيار الأسهل، ونظرًا لعدم توفر قوى قادرة على تعبئتها، أو خوفاً من سطوة القوى المسيطرة وانعدام الأمل بالتغيير. لكن الواضح أن شعور السخط يتزايد في الظل والعلن، فالوطن تحول إلى سلطة، والسلطة إلى نخبة ظالمة، والضريبة أصبحت، والحال هذه، أشبه بخوّة.

يبدو الساسة في العموم معزولين شعوريًا عن المجتمع وعاجزين عن تفهّمه (أي تقمّص وجدانه ومواجعه وتقديره لأزمة البلاد والمسؤول عنها). وكيف لا يكون ذلك وهم منعّمون ومستقرون ومطمئنون وآمنون من الحساب والمساءلة؟ هناك تحت “الرماد” كمٌ هائل يتراكم من مشاعر الغضب، سيخرج عند أول لحظة فراغ، على الأرجح على شكل فوضى. الساسة اللبنانيون ليسوا استثناءًا، فالمجال السياسي العربي عانى من حالة الإنكار ذاتها. إذ حين أحرق البوعزيزي نفسه (ولحق به آخرون)، تساءل كثيرون خارج الحدث عما إذا كان ضبط عربته وصفعه يستحقان ردة الفعل هذه. من زرع القهر عليه أن ينتظر النقمة، فالخطابات الرنانة غدت عقيمة، و”هضامة” الزعماء صارت مسخرة، وتمثيليات الفاسدين “الخيرية” تقتل من الملل، وصدور الناس امتلأت، وستفيض مع كل قطرة.

المزيد من هذا المؤلف

Related Articles