مضى على اندلاع انتفاضة الشعب السوداني يوم 19 كانون الأول 2018 وإلى الآن نحو ثمانية أشهر، تعرضتْ فيها لقمع شديد وحملات اعتقال وحالات اغتصاب ومجازر متعمدة ترقى إلى الجرائم ضد الإنسانية، قامت بها ميليشيات شبه خاصة (“الدعم السريع” أو “الجنجويد”) تكاد علاقتها بالجيش السوداني أن تكون واهية أو منبتّة، من دون أن تصدر عن الشعب السوداني ولو طلقة واحدة، ومن دون أن يؤيّد هذا الشعب ومعارضته أيّ ظاهرة مثل ظاهرة الهرموش السورية (نسبةً إلى المقدم المنشق حسين هرموش) التي ارتكبت مجزرة جسر الشغور يوم 5 حزيران 2011، أي بعد نحو شهرين ونصف فقط من اندلاع الاحتجاجات في سوريا، وأعلنت فيها حركة الهرموش مسؤوليتها عن قتل 120 من رجال الأمن في مدينة جسر الشغور.

ليس ما سبق سوى مثال واحد من بين أمثلة لا تحصى على الفارق الجوهري بين المعارضة السودانية التي أوكلت إليها أوسع قطاعات الشعب السوداني تمثيلها وقيادة حراكها، وبين معارضة سورية أوكلت إلى نفسها ثم أوكل إليها الخارج (لا سيما أميركا والخليج وتركيا) تمثيل الاحتجاجات السورية وقيادتها. وإذا ما كانت المعارضة السورية (“المجلس الوطني” وخليفته “الائتلاف” وحواشيهما وما دُعي بـ”الجيش الحرّ” والفصائل المسلحة الإسلامية الأخرى على اختلافها) قد دعت إلى السلاح وبررته بذريعة حماية المظاهرات، كما بذريعة أنَّ السلمية لا يمكنها أن تسقط النظام، فإنَّ المعارضة السودانية قد دعت إلى أشكال النضال السلمية بوصفها الوسيلة الوحيدة الكفيلة بتحقيق هذين الهدفين على وجه التحديد. وبذلك استطاع الشعب السوداني إسقاط البشير ثم خَلَفه، وها هو، على الرغم من العنف الوحشي، طرف لا يمكن تخطّيه في توازن للرعب وفي مسيرة من النضال الباسل إنما المدروس إلى حدّ بعيد، بيّن فيه السودانيون لكلّ ذي عينين أنَّ من يبتغي العنف والسلاح لا يستطيع أن يفرضه وحده مهما فعل، بل يحتاج قبالته بالضرورة إلى معارضة ونخب بلهاء أو رخيصة الثمن جاهزة هي أيضاً لممارسة الإجرام السياسي والعسكري.

المعارضة السودانية ليست نقيض المعارضة السورية فحسب، بل فضيحتها أيضاً، لا سيما منها بعض الذين كانوا يزعمون “اليسار” و”الديمقراطية”

الحال، إنَّ تبنّي العنف والسلاح ليس سوى مثال واحد تقف فيه المعارضة السورية السائدة على طرفي نقيض من المعارضة السودانية، فهما تتناقضان كلّ التناقض في كلّ شيء تقريباً، وعلى نحو بالغ السخف والهباء من جهة المعارضة السورية، الأمر الذي يحتّم على المقارنة أن تكون ساخرةً بالضرورة كي لا تسيء إلى المناضلين السودانيين ووعيهم الرفيع وخبرتهم الفذّة قبالة مساخر المعارضة السورية المشار إليها، التي سيصعب كثيراً أن تنظف من تبعاتها عبارة “المعارضة السورية” ذاتها. وبهذا المعنى، فإنّ المعارضة السودانية ليست نقيض المعارضة السورية فحسب، بل فضيحتها أيضاً، لا سيما منها بعض الذين كانوا يزعمون “اليسار” و”الديمقراطية”، وأبانوا عن إنهم ليسوا أكثر من ركوبة لأي ممتطٍ، ومفرخة أوهام وكوارث لا نهاية لها.

لا حاجة بمن يريد التأكّد مما سبق لأكثر من تتبّع تصريحات مفوّهي المعارضة السورية وكتبتها وبياناتهم، الامر الكفيل بالكشف عن معارضة لم يعرف لها التاريخ مثيلاً في كونها مجرد مَضْحَكَة بالمعنيين: أي بمعنى الضحك منها والضحك عليها، أو بمعنى الضحك منها لشدّة ما ضُحِكَ عليها، كما يعترف بعض الذين يحسبون أنفسهم “أَنْبَه” من فيها.

يقول ميشيل كيلو، وهو واحد من أبرز “إنتيليجنسيي” المعارضة السورية المعوَّمة، في مقال بعنوان “وثيقة حول سورية” منشور يوم 9 يوليو 2016: “صديقنا الأميركي المخلص نجح في الضحك علينا وخداعنا، طوال السنوات الخمس الماضية التي كنا في أثنائها في غفلةٍ أوقعتنا في حال من الغباء وسوء التقدير والفهم”.

أمّا برهان غليون، البروفسور والمفكّر وأوّل رئيس لـ”المجلس الوطني”، فكان في 8 أيلول من عام 2013 قد صرّح، في مادّة عُنوِنَت “غليون: أميركا تحرص على ألا تكون سورية محافظة إيرانية تهدد الخليج”، أنَّ هناك “حالة من تقاطع المصالح في توجيه ضربة عسكرية لنظام بشار الأسد وتحديدًا بين مصالح أميركية وفرنسية ومصالح الشعب السوري”، وأنَّ “مصالح الغرب واضحة وهي أن لا تصير سورية محافظة ايرانية… تهدد أمن الخليج مصدر الطاقة الرئيسي للغرب والعالم… وهم أيضا حريصون على أن يحتفظوا بعلاقات ودية مع الشعب السوري في المستقبل وحتى لا يتعرضوا للنقد من قبل الرأي العام العالمي عندما يسألهم لماذا صمتّم أمام مجزرة حقيقية ولم تفعلوا شيئاً”.

لكنّه لم يأت 13 تشرين الثاني 2014 حتى كتب غليون مقالة بعنوان مع هؤلاء الأصدقاء سورية تستغني عن الأعداء، قال فيها إنَّ الرئيس الأميركي، باراك أوباما، لم يترك فرصة للتعبير عن عدم رغبته في التورط في القضية السورية، إلا واستغلها… وإنَّ التزامه في الشرق الأوسط اليوم يتعلق بالحرب ضد الإرهاب، وليس له علاقة بنظام الأسد، وإنه يرى أنَّ حل الأزمة السورية لا يمكن أن يكون عسكرياً، وإنما من خلال تسوية سياسية” ليخلص في 30 كانون الأول 2018 إلى أنَّ إعلان الرئيس دونالد ترامب عن سحب القوات الأميركية من سورية، بما ينطوي عليه من خسارة الرهان على الولايات المتحدة في تحقيق الآمال يشكل لحظة محرّرة ومخلصة، ينبغي تلقفها … من أجل إعادة بناء حساباتنا على أسسٍ واقعية وحقيقية، ومدّ كلّ واحد منا “بساطَه على طول قدميه“”.

واضحٌ أنَّه إمّا أن يكون البروفسور غليون على قناعة بأنّه سيعيش إلى الأبد، مع فرصة لا نهاية لها لإعادة بناء حساباته، ومع تسامح مهول يبديه الشعب السوري حيال مشاركته في المجزرة التي أحاقت بهذا الشعب على كلّ صعيد، أو أن يكون من نوع من الكائنات يعرف أن يتلفظ بكلمة “بساط” وكلمة “قدمين” وعبارة “الولايات المتحدة”، إنّما من دون أن يعرف لها أيّ معنى.

في 24 كانون الثاني 2016، اختصر نائب رئيس الائتلاف الحالي، عقاب يحيى، وهو بعثي متمركس سابق، الموقف الأميركي مما يجري في سورية بعبارة “الولايات المتحدة تخلّت عن الثورة السورية”. وأضاف أنّه “بات واضحاً أن إدارة الرئيس باراك أوباما، تنتقل بنا من خداع إلى آخر … ولا أتوقع تغييراً في هذا الموقف قبل الانتخابات [الأميركية] المرتقبة أواخر العام الحالي”.

إذا ما كانت الأسماء السابقة مَضْحَكَةً للأميركيين بجلال قدرهم، فإنَّ بعضاً آخر من “الشَّلْعَة” كان أقلّ طموحاً بكثير. وعلى سبيل المثال، فإنَّ من ضحكوا على موفق نيربية، النائب السابق لرئيس “الائتلاف”، كما يقول عنوان مقابلة معه على موقع راديو روزنة” في 2 أيار 2019، لا يتعدّون “الإخوان المسلمين”: “موفق نيربية “لـ”روزنة”: الإخوان ضحكوا علينا”. إذ يكتشف نيربية بعد 9 سنوات فقط من الائتلاف مع “الإخوان” أنَّ هؤلاء الأخيرين “ضحكوا علينا كثيراً بمواثيقهم وديموقراطيتهم ووطنيتهم، لكنهم في الحقيقة في هذه المواثيق كان لديهم شيء آخر. فقدوا ثقتنا ويحتاجون الكثير لاستعادتها … يستحقون عقوبة ما … فهم أخطأوا بعمق، وبقوة. أخطأوا بالاستغراق بالتسلح وتنظيمه والاستعداد له والكمون من لحظة البداية من أجل الدفع باتجاه التسلح ثم بتعميق الأسلمة”.

إلى أن نعلم العقوبة التي سينزلها القائد نيربية بـ”الإخوان” الذين ضحكوا عليه أو نعلم كيف سيستعيد “الإخوان” ثقته التي لا غنى لهم عنها، لا بدّ من التذكير بأنَّ ثمة إشارات إلى أنَّه من صاغ مسوّدة البيان الشهير “نداء إلى شعبنا السوري من أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية: وجهة نظر نقدية لتصحيح مسارات الثورة”، الذي صدر مع بداية عام 2017 (أي بعد 6 سنوات من الثورة) ويعترف فيه مع نحو 300 معارض بأنهم اقترفوا ما أسموه “أوهاماً” و”أخطاءً” من وزن “التعويل على الخارج والارتهان لأجنداته”، و”تصعيد العمل المسلح بطريقة غير محسوبة أو مدروسة”، و”المراهنة على جبهة النصرة وأخواتها”، و”التركيز على تحرير مناطق من دون القدرة على “تأمين الحماية لسكانها، ولا فرض نموذج مقبول لإدارتها”، و”المراهنة على الكيانات والخطابات الأيدلوجية والطائفية”، و”العجز عن توفير “قيادة واقعية وعقلانية”، بل “أي شكل من أشكال القيادة، لا في السياسة ولا في العسكرة”، و”بقاء المعارضة “مجرد هياكل وقوى تستكين أو تنضبط للدور المرسوم لها، من الفاعلين الدوليين والإقليميين”، إلى آخر ما هنالك من مجرد “أوهام” و”أخطاء” يندى أمامها جبين الجرائم.

الحقيقة، أنَّ مثل هذه الأمثلة تكاد لا تحصى. ويكاد يكون مؤكَّداً أننا لا نتحدث هنا عن عدد من الأشخاص يعترفون هم أنفسهم بأنّه قد جرى خداعهم والضحك عليهم، بل عن “نهج” كان واضحاً منذ البداية وعن “شَلْعَة” من “النبهاء” المهيّئين بنيوياً للانخداع، على أن نأخذ الانخداع هنا بمعنى المساهمة في المقتلة السورية التي لا يعلم أحد متى تتوقف، والمساهمة في تفكيك البلد وتهتيك نسيجه الاجتماعي من قبل أشخاص لا نعلم من انتدبهم لتمثيل السوريين، ما يجعلنا ليس أمام مجموعة من المغفلين فحسب، بل أيضاً أمام مجرمين سياسيين وعسكريين تجب محاكمتهم كسواهم من المجرمين السياسيين والعسكريين، بدل تركهم “”فالتين” يبحثون عن مُمْتَطٍ جديد يخدعهم.

يا لها من “معارضة” لا مثيل لها في الدنيا.

يا لها من “معارضة” مَضْحَكَة.

 
×