حين تبدأ ثورةٌ فعلَها على الأرض، من المفترض أن يكون “نقد” النظام الذي تناوئه قد انتهى وبدأ “نقضه”. والثورة التي لا تزال بحاجة لأن تبرر نفسها بنقد مساوئ النظام وتبيان مظلوميتها إزاءه، لا بدّ أن يصعب اعتبارها ثورة. الأرجح أن تكون مرحلة لا تزال باكرة على طريق الثورة، أو حراكاً شعبياً لم تَنْمُ حكمته بعد، أو لعلّه أتاح لبعض الأغرار أو المغامرين أن يركبوا ظهره.

تصعب تسمية الحراك ثورة ما دام النظام لا يزال مرآته التي ينظر فيها ليبرر ممارساته. وليس سوء الأنظمة ولا مظلومية الشعوب ولا اتساع حراكها بالأمر الحاسم والأهم في اعتبار هذا الأخير ثورة. الأهمّ منه والأكثر حسماً هو إعرابه السياسي: طبيعة قيادته، برنامجه، تكتيكاته، تحالفاته..إلخ.

مثل هذه الأمور عادةً ما يتعامى عنها أو يأبى أن يدركها نوعان من البشر على نحوٍ خاص: من أَودَتْ سياساتهم بحراكات شعوبهم إلى الهاوية، و”كَلَمَنْجِيّة” الثورات الذين لا يدعمونها سوى بالصراخ الذي لا يكلّف شيئاً. وهؤلاء “الكَلَمَنْجِيّة” الأخيرون يذكّرونك، على الرغم من انتهازيتهم المتذاكية، بتلميذ عَييّ لا يُحسن الإجابة عن سؤال في مُقَرَّرِه إن لم يعمد في كلّ مرّة إلى كَرِّ المقرر من أوّله (الذي هو نقد النظام). يُضاف إلى هذا أنَّ هؤلاء لطالما أعطوا معنى ساطعاً لذلك الكاريكاتور الذي رسمه قلم أحد الأصدقاء بسطرين بارعين لأدعياء الثورة السوريين: “في الذكرى الثالثة للثورة 2014 قلت كفى .. حلّك يا رجل تلتحق بالثوار والثورة وتحمل حالك وتروح ع ألمانيا ..”. ويبدو أنَّ ثمة مصلحة وجودية لهؤلاء تقف وراء ما شكّلوه وأشباههم العرب من جوقةٍ ما إِنْ ينتقد “الثورة” أحد أيّ انتقاد حتى تنبق له زاعقةً بأسطوانتها التي باتت مشروخة إنّه لم يُشِر إلى مسؤولية النظام.

ما من نظام في المنطقة على الإطلاق إلا وهو مدعاةٌ نظرياً وتاريخياً وسياسياً لألف ثورة بدل الواحدة. مافيوزات فقدتْ منذ عقود كلَّ دور تاريخي جدّي في جميع قضايا بلدانها الاجتماعية والديمقراطية والوطنية، وباتت مصدراً لدمارها وضياع أرضها وخراب عمرانها وتعليمها وثقافتها وقضائها… وحين خرج شعبها عليها واجهته بوحشية تفوق خيال الوحوش، تفسّر كثيراً مما اتجه إليه هذا الشعب من عنف وأخطاء وأوهام كبرى. لكنّها لا تفسّره كلّه بأي حال من الأحوال. وحتى لو فسّرته، فإنها لا تبرره. ولا تبرر خاصةً ممارسات من ادّعوا أنّهم نخب هذا الشعب وقياداته وجهاز ثورته الفكري والسياسي. الأنظمة متوحشة ومجرمة. حسنٌ، ماذا بعد؟!

يصعب تسمية الحراك ثورة ما دام النظام لا يزال مرآته التي ينظر فيها ليبرر ممارساته

يحيل مثل هذا التفكير إلى ضرورة التدقيق في “الثورات” ذاتها والتساؤل حولها. وذلك أهمّ وأفيد بكثير من الانضمام إلى جوقة لا تتعدّى معايير الانتساب إليها بضع “زعقات” على وسائل التواصل الاجتماعي. فهل صحيحٌ، مثلاً، أنَّ جميع هذه الثورات -في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا والسودان والجزائر- شيء واحد؟ وهل يكفي سوء الأنظمة الواحد كي يجعلها جميعاً شيئاً واحداً؟ هل تتماثل هذه الثورات جميعاً من حيث الطبيعة الطبقية والسياسية لقيادتها وتحالفاتها وبرامجها ووسائلها؟ لقد انتصرت “ثورة” ليبيا، والنتيجة أمراء حرب محليون يحكمون بلداً مدمَّراً ومخلّعاً على الطريقة الصومالية بعد 8 سنوات على إطاحة القذافي. وفي سوريا صفّق كثير من أدعياء الثورة للسلاح و”المناطق المحررة”، لكنهم ما لبثوا أن فرّوا منها أو لم يطأوها أصلاً وتركوها لجماعات الإسلام السياسي المسلّحة الصريحة أو المستترة تحت مسمّى “الجيش الحرّ”. والسؤال، هل يمكن أن ندعو ثورةً حالةً يتم فيها تغيير النظام لغير مصلحة حركةٍ ديمقراطيةٍ شعبيةٍ حقيقية؟

بالنسبة إلى سوريا، نكاد لا نجد في أدبيات ما جرى في السنوات الثمان الماضية أيَّ تناول للطبيعة الاجتماعية الاقتصادية والسياسية والفكرية للنخبة السورية التي مثّلت، على هذا النحو أو ذاك، الجهاز السياسي لما دُعِيَ بـ”الثورة السورية” (وهي في معظم أجزائها ومعظم مراحلها، ليست في رأيي سوى “ثورة مضادة” من حيث طبيعة قيادتها وسياساتها وما شاركت في وأده من احتمالات الثورة الحقّة).

في معظم تلك الأجزاء ومعظم مراحلها كنّا إزاء فارق رهيب بين جزء ثائر من الشعب ملؤه الصبر والتضحية والإصرار، ونخبة “ثائرة” مدنية وعسكرية ملؤها التعجّل والغرارة ونشدان السلطة واستسهال التموّل والتمايل وتزلّف التدخّل الخارجي وغياب الرؤية العملية والتشرذم والطائفية وتبرير الإرهاب بل الدفاع عنه والتحالف معه. ولعلّ الإخوان المسلمين وحلفاءهم من اليساريين السابقين حديثي التلبرل ومن لفّ لفّهم من كتبة ونشطاء أن يكونوا المثال المجسّد لهذه النخبة، لا سيما في كيانهم السياسي الذي فُصِّلَ لهم، “المجلس الوطني” (“الائتلاف” لاحقاً)، دع عنك الإسلام السياسي التكفيري والإرهابي كـ”داعش” و”النصرة”.

كنا إزاء فارق بين جزء ثائر من الشعب ملؤه الصبر والتضحية من جهة، ونخبة “ثائرة” مدنية وعسكرية ملؤها الطائفية ونشدان السلطة وتزلّف التدخّل الخارجي والتحالف مع الإرهاب من جهة أخرى

ليس هذا بالمقام المناسب لتشريحٍ مفصّل للبنية الطبقية والسياسية والفكرية لهذه المعارضة التي احتلت المشهد وادّعت تمثيل لا “الثورة” فحسب بل الشعب السوري أيضاً. حسبنا أن نشير في هذه المحاولة الأولية إلى سمات مميزة تَسِمُ تاريخ تكوّن هذا الكيان وبنيته:

أوّل ما يتّسم به هذا الكيان هو أنّه ثمرة ترتيب خارجي حاسم (أمريكي، أوروبي، تركي، خليجي)، وأنّه يأتمر بأوامر مرتِّبيه، من دون أن يكون ثمّة حساب لموازين القوى، ولا خطة، ولا إطار نظري، ولا بدائل، ولا تحالفات متوازنة، ولا أيّ شيء آخر سوى لغة خشبية ملّها السوريون.

ثاني ما يتسم به هذا الكيان هو سيطرة التوجهات الإسلامية والمتلبرلة، مع حضور واضح وبارز للمتأمركين والمتأوربين من رجال ونساء الأعمال الموجودين أصلاً خارج سورية، لا يغيّر من ذلك وجود بعض المساكين وأبناء السبيل.

ثالث ما يتسم به هو تسيّد واضح للهامشيين. أقصد الهامشيين بالنسبة إلى سيرورات البلد الاجتماعية والسياسية وبالنسبة إلى مصيره، سواء بسبب وجودهم خارج البلد أصلاً أم بسبب احتلالهم مواقع هامشية ضمن بنيته نظراً إلى أعمارهم المتقدمة أو وظائفهم أو ما تركته اعتقالاتهم السابقة من آثار التخلّع الشخصي والاجتماعي. هذه الهامشية -بمعنى الارتباط الواهي بالطبقات والفئات الاجتماعية ومصالحها، والانعزال الاجتماعي الاقتصادي عن السيرورات الجارية في البلد أو الارتباط ببنى وسياقات خارجه- هي ظاهرة جديرة بأشدّ الاعتبار في فهم النخبة السورية المعارضة ومصائرها وسياساتها، وميل جزء منها لا يستهان به إلى التقلّب من تعصّب إلى تعصّب مترافقاً مع مشاهد لافتة من التنكيل بماضيها.

لا شكّ أن هنالك بَعْد كثيراً من السمات الجديرة بالذكر والدراسة. وهي كسابقتها سمات نرجو للانتفاضتين السودانية والجزائرية أن تبرزها مزيداً من الإبراز وتلقي عليها مزيداً من الضوء بافتراقها عنها؛ لكن المجال يضيق هنا عن ذكرها ويدفعنا لأن نختم بالقول، إنَّ من نكد الدنيا ونحسها أن يظلّ المرء طويلاً مضطراً لتوضيح البداهات ردّاً على ترّهات “كلمنجية” يصحّ فيهم القول المصري المأثور “هبلة وماسك طبلة”، دلالةً على غياب البصيرة والإكثار من “الزعيق” الكاذب الفارغ.