يختصر الفيلسوف الأميركي ويل دورانت فلسفة أرسطو في الأخلاق والفضيلة فيقول في كتابه “قصّة الفلسفة”: “نحن ما نفعل بشكل متكرر”. فيوم كان “الجنون” حاكمًا لسرديّة فلسطين، وجدنا ساسة الفصائل أكثر قدرة من رهط “العاقلين” على إنتاج بدائل للواقع في ظل الاحتلال. هكذا جاء العمل الفدائي مكثفًا ومكررًا، حتى استحال هويّة شبه ثابتة للمقاومة في فلسطين التاريخيّة وجوارها الملتصق بالقضيّة وتاريخها. حينها قاتل “المجانين” على ضفتي اتفاقي أوسلو ومدريد، وفي قلب منظومة أبو عمار الهجينة، فأنتجوا معًا أمرًا واقعًا منح ياسر عرفات حيّز مناورة تاريخي في إدارته للتسويّة “المصغّرة” مع إسرائيل.

لكن أين ذهب “المجانين”؟ وهل أضحى الصراع هنا بين إسرائيل ودولة غزة “الحمساوية” حول ملفات الحدود والمياه والمطار والكهرباء والتحويلات والأسرى، فيما يتشكل الصراع هناك بين إسرائيل ودولة أبومازن حول المال والأمن وغزة و”حماس”؟ أين فلسطين من “الخائن” و”المطبّع” و”المقاوم”؟ وهل هذه المسميّات تكفي لتبويب وتصنيف المنتجات الفلسطينيّة المتاحة اليوم، حيث لم يعد ممكنًا السير إلى ما لا نهاية بخطابة “السلطة” (في غزة والضفة)، وبعمليّة فصل “أخلاقي” بين طرفين يلتقيان على “نهائيّة” كيان إسرائيلي إلى جانب دولة فلسطينية على أرض ١٩٦٧؟

منذ بداية عام ١٩٩٤ حتى عام ٢٠٠٤، بلغ عدد قتلى الاحتلال من جراء العمليات الفدائية في فلسطين المحتلة نحو ٧٣٥ فضلًا عن مئات الجرحى. وبطبيعة الحال، يسبق ذلك ما مرّ من أعمال فدائية وانتفاضات منذ عام ١٩٤٨ وصولًا إلى اتفاقية مدريد. وقد تنوّعت ديناميكيات العمليات تلك، ما بين رفض للتسوية واتجاه لتحرير الأرض حتى النهاية، وأخرى استثمرت الزخم وأدارت جزءًا يسيرًا منه على طاولة التفاوض، وثالثة جعلت منه ثقلًا عابرًا للحدود ضمن حروب الرعاة. لكن الثابت كان في مجانين الصف القيادي ومن يماثلهم في التحضير والتنفيذ، وتلك سلالة من أشراف العرب “البائدة”، فمنهم من استشهد وأسر، ومنهم من أضحى ضيفًا على عوالم “العاقلين”.

ما “انتفاضة السكين” إلا رد فعل عميق على حالة الرتابة التي أصابت القضيّة في مَقاتل عدّة، أولها “اغتراب” المقاومة (بتنظيماتها الأكبر) وانتقالها من صفوف الأقليّة الشرسة والعقائدية إلى نخبة حاكمة

مات عرفات أو استشهد عام ٢٠٠٤، وهو يشكل ما يشكل من ثقل تاريخي في السلطة و”منظمة التحرير”، وفتحت شهادته الباب أمام عملية وراثة للمشروع والكرسي وما بينهما من تلزيمات. فاضت فلسطين بعدها بالنخب الساعية نحو حصّة في الدورة المقبلة، فأصبحت إعادة إنتاج أبو عمار بكل ما يمثل حلمًا للغالب من ساسة السلطة والمقاومة. وحده حلم العمل الفدائي لم يطفُ ولم يعوّم بل طُمر وغرقت معه فلسطين بحروب الأشقاء وصناعة الحدود وتثبيتها. فجعلت سلطة رام الله من الضفة المحتلة مجرّد أرض نزاع على الملكيّة بين عاقل فلسطيني ونصف مجنون إسرائيلي، فيما سحبت السلطة جنونها من الميدان أو أطلقته على “حماس” في أحسن الأحوال.

“حماس” هي الأخرى، بحجمها وامتدادها، شكلت مقبرة للعمل الفدائي في اللحظة التي استكملت دورتها وأضحت جهازًا حاكمًا وسلطة لا تحيد عن منطق النخب و”عقلانيتها”، بل قوّة عابرة إلى ساحات اشتباك إقليمي (سوريا نموذجًا). هكذا أصبحت تدير الصراع على حدود القطاع، كما يدار بين دولتين، فثبتت بالواقع حدود النار مع إسرائيل، وتحولت بشكل متسارع إلى حزب حاكم يعمل تحت سقف المباردة العربية للتسوية في نهائية العقيدة. فلا يمكن لمن يدير الضريبة والطاقة والمعابر على الطاولة الإسرائيليّة (كما كان يفعل أبو عمار ويُدان على فعله) أن يكون مشاكسًا مقاومًا من تل أبيب إلى حيفا طالبًا أرض النهر والبحر وما بينهما.

لم ينتج التنسيق الأمني بين الاحتلال الإسرائيلي و”متعاونيه” إطباقًا كاملًا على العمل الفدائي، ولو أنه جعل العمل ذاك أكثر صعوبة. علمًا أن النخبة الفلسطينية التي انبثقت في مرحلة ما بعد عرفات لعبت دورًا كبيرًا في الإجهاز على العمل الفدائي والاستعاضة عنه بصراعات “مقننة”، وجد معها الإسرائيليون أنفسهم غير مضطرين للضرب على الرأس كما حصل في أزمان القادة الشهداء. وما “انتفاضة السكين” إلا رد فعل عميق على حالة الرتابة التي أصابت القضيّة في مَقاتل عدّة، أولها “اغتراب” المقاومة (بتنظيماتها الأكبر) وانتقالها من صفوف الأقليّة الشرسة والعقائدية إلى نخبة حاكمة، مع تكتيكات حدودية لا تتجاوز في اضبارتها “الأخلاقيّة” الحدود الإدارية لقطاع غزة. وثانيها تآكل عناوين التسوية وفق مرحلة ما قبل نتنياهو وترامب وتراجع “أحلام” الدولتين لدى من أراد تحقيق تلك الأحلام. علمًا أن ما سبق يشكل دعوة لإخوة الداخل ورعاة الخارج مفادها أن الأرض حبلى بـ”المجانين”.. فاستثمروها واستبدلوا السكين بالنار.

 
×