لا أدري ما يمكن أن نسمّي الحركة الثورية التي ينتجها منظرون محافظون. لا أدري كيف يمكن أن نلمس بديلاً ثورياً يجترحه مثقّفون ومثقفات يعتبرون أن الرأسمالية بأكثر أشكالها قهراً قادرة على إنتاج ديمقراطية. ربّما ما يمكننا فعله هو فهم نظرة مثقّفي/ات هذه الحركة عبر تعريفاتهم للآخرين، عبر الخانات التي يختزلونهم من خلالها، وعبر البديل الذي يلهثون خلفه.

نبدأ من أزمة النظام في سوريا، الذي كان على المستوى الاقتصادي نقيضاً لما يتمّ تطبيقه في لبنان. تقول القراءة الماركسية إن الأزمة الحقيقية وقعت في سوريا حينما قرّر النظام الانفتاح اقتصادياً، وتمّ نسف مصالح الطبقة العاملة والفئات الفلاحية وأبناء الريف. هنا بدأت أزمة بعض المعارضة الناشئة ضد النظام في سوريا: ما معنى أن تنتج معارضة نظام سياسي فكراً يختزل حركته بردات فعل على ما يفعله النظام؟ وكيف تكون معارضة التركيبة السياسية للنظام، معارضة لكل ما أنتجه هذا النظام بالضرورة؟

هكذا، مثلاً، أصبحت الاشتراكية، منذ السياسات الزراعية والتنموية وغيرها حتى نداء “أيّها الإخوة والأخوات الفلاّحين” (الذي نحلم بسماعه في لبنان مثلاً) جزءًا من الموروثات السيئة لأنها قادمة من هذا النظام، وهكذا أيضاً أصبحت فلسطين وعلاقة الناس بها مادة للسخرية. كذلك أضحى التعلّق العاطفي بالأرض تخلّفاً، وغدا الإضراب عن الطعام شرعياً فقط لأن الإيرلنديين قاموا بمثله. كل شيء بات يُقاس بالغرب، فكل ما هو ملوّن وبرّاق يأتي من هناك. ما يقوم به مثقفون من هذا الطراز، لجهة الاستهزاء بالمقاومة وفلسطين والثورات العالمية كلّها، كما الاحتفال بالانسلاخ الثقافي الاجتماعي (لأن مجتمعاتنا تبدو لهم متخلّفة)، هو تجهيل ممنهج بالتاريخ والمفاهيم الأساسية للثورة والمقاومة ومعنى رفض الاستبداد.

من جهة أخرى، هل ينبغي أن يعني رفضنا للنظام في سوريا، لأي سبب كان، انبهارنا بالنموذج اللبناني؟ إن من تبهره “التجربة اللبنانية” ويعتبر أنها “تُدرَّس”، ويرى أن الجمعيات غير الحكومية –خاصة في لبنان- هي البديل الناجح للدولة الاشتراكية، هو شخص قرّر أن يغض النظر عن الكثير من الحقائق. فمن يعتقد أن الطرح الاشتراكي فاشل (وهذا حق مشروع)، ليقترح مكانه النموذج اللبناني (الفاشل)، إنما يتصرف كما لو كان غير معني بمعاناة الطبقة العاملة والفئات المهمّشة في لبنان، خصوصًا فئة اللاجئين واللاجئات. ولنا القول إن في انبهار العديد من المثقّفين السوريين بالنموذج اللبناني شكل آخر من أشكال الاستبداد: هم يقولون بشرعية المعارضة في سوريا ويحرّمونها في لبنان، وهم قرروا غض الطرف عن القهر والقمع والموت البطيء (والسريع أحياناً)، فقط لأنهم مستفيدون من هذا النظام.

ربّما كان مكرراً الحديث عن إشارة أنطونيو غرامشي إلى المثقفين بقوله إنهم “نوّاب المجموعة المهيمنة، أولئك الذين يمارسون العمل الوضيع للهيمنة الاجتماعية والحكم السياسي.” (*) لكن ما نراه في أغلب الأحيان هو تمركز كثير من المثقفين في هذه الحالة بالذات، في هذه الزاوية: زاوية السلطة والاستبداد. وانفصالهم عن الشعب لا يظهر في الفشل في إنتاج فكر ثوري لحركتهم السياسية فحسب، بل في انحيازهم الطبقي واستغلالهم للاجئين أيضاً. ونقول “لاجئين” لأن هؤلاء المثقفين يملكون ما يكفي من مال وامتيازات تُسقط عنهم صفة اللجوء، حتى لو لم يعيشوا في بلدهم. والاستغلال هذا يختبئ في الجمعيات غير الحكومية التي يعيدون من خلالها إنتاج ديناميكيات القوى: فهم أصحاب الجمعيات وكاتبو مشاريعها، وسكّان الخيم والبيوت غير المنتهية هم المازوت الذي يشغّل هذه الماكينة. تثبّت هذه العلاقة الفروقات الطبقية التي ورثتها المجموعتان من أيام وجودهما في سوريا… في حركة سياسية لم تغيّر، أو ربّما لا تريد أن تغيّر، التركيبة الطبقية الموجودة. هكذا، يستفيدون من النظام في لبنان.

الاستغلال يختبئ في الجمعيات غير الحكومية التي يعيد البعض من خلالها إنتاج ديناميكيات القوى: فهم أصحاب الجمعيات وكاتبو مشاريعها، وسكّان الخيم والبيوت غير المنتهية هم المازوت الذي يشغّل هذه الماكينة

كذلك يلتزم الفكر النسوي الليبرالي والنشاط المعبر عنه بالعناوين والمجالات التي تفرضها الجهات المانحة، فيتصرّف أصحابه٬ كما يقال بالدارجة٬ على أنهم حافظين مش فاهمين. القليل من “مشاركة المرأة” هنا وهناك، وبعض التوزان في التمثيل بين الجنسين، وتلك هي النسوية بكل بهائها، كذلك هي لغة المثقفين هؤلاء وخطابهم، لا يتعدّيان الدليل التدريبي للجمعيات غير الحكومية، من “تشبيك وتمكين”، بحيث يستحيل عليهم أن يروا العالم بتجاربه ومفاهيمه خارجها، فتصبح بالنسبة لهم العلاقة الأنجح للفرد بالدولة، هي تلك التي تحدّدها الجمعيات غير الحكومية. بيد أن عمل هؤلاء في هذه الجمعيات لا يُختصر فقط بهذه النقاط، بل يمتدّ إلى تقريرهم مستوى تخلّف الشعوب أو تقدّمها، آخذين بعين الاعتبار لا العدالة الاجتماعة بكل أشكالها وسعة معانيها، بل حدود مفاهيم حقوق الإنسان، ووارثين النظرة الاستعمارية في حكمها على الشعوب ورسمها خطط تثقيفها وتحضيرها.

من المخيف أن نرى حركة سياسية معارضة ترغب بأن تكون تغييرية، فيما هي تحمل فكراً قاسياً لهذه الدرجة وكارهاً لشعوب المنطقة وللعالم الثالث ونضالاته، وناظرة إليه نظرة عجرفة واستعلاء. هذه الحركة، في دفاعها المستميت عن الجمعيات الأهلية وحصر اهتمامها بجانب من المطالب فقط، لا تلحظ درجة إقصائها وتسخيفها نضالات الآخرين، ولا تهميشها قضية العدالة الاجتماعية، بل محوها تمامًا أحيانًا من سلسلة مطالبها.

 

(*)
Gramsci, A. (2010). Intellectuals and hegemony. Social theory: The multicultural and classic readings,263-265. “The intellectuals are the dominant group’s “deputies” exercising the subaltern functions of social hegemony and political government.

 
×